الخميس 14 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 15 مايو 2003 الاغنية اليوم في نظر الكثير من الفنانين والمتذوقين تختلف عما كان عليه الحال في الحقبة الذهبية التي عرفت بحقبة عمالقة الغناء العرب، ولسنا هنا بصدد اعادة ذلك الماضي الجميل الاصيل الحافل بكل اصالة الغناء والموسيقى، اوالتغني بروائع الملحنين والشعراء الذين اسهموا بطاقاتهم وابداعاتهم الفنية لجيل وراء جيل، حتى اصبح الغناء العربي مرتبطاً بالمجتمع باعتباره من تراثه وابداع مثقفيه، تلك الحقبة التي مازالت اثارها قائمة حتى اليوم في ذاكرة من عايشها وعاصرها او من خلال الاجيال التي رأت في الماضي شيئاً من حنين تاريخ الاغنية وامتداد لحاضرها الانساني، ان الغالبية من المشتغلين في مجال الغناء والموسيقى اتفقوا ولو بآراء متفاوتة بأن الاغنية الطربية اختفت من الساحة الفنية لاسباب كثيرة، ومايسمع اليوم بعيدا عن الموسيقى والشعر الذي يصل الى الروح والعقل، بل ان البعض قال ان الاغنية الجميلة تشوهت لان هناك من اراد التسلق على موسيقاها فخرجت منه نشازا. قلنا لكل من اتصلنا به او حاورناه، هل الاغنية الطربية مازالت موجودة،؟ وهل مازال المتذوق لها يبحث عنها، هل نحن نعيش عصرا مختلفا اختلف فيه كل شيء بما في ذلك جمال الموسيقى وسحر الكلام واعذوبة الصوت، ردود اختلفت هي الاخرى وان كان غالبها متفق على ان العصر اصبح متغيرا، جولة وضعنا فيها هذا التساؤل فجاءتنا هذه الاجابات السريعة: اغاني الفرفشة موسى محمد ملحن وموزع موسيقي اول ماتحدث عنه واكد عليه غياب الاغنية الطربية قائلا: اذا نظرنا الى نسبة المستمعين للاغنية الطربية فسوف نجدها لاتتعدى نسبتهم الـ 20% اما لماذا هذا التدني في مستوى المتذوقين للاغنية فالسبب يعود الى جهل الكثير من الفنانين وايضا الجمهور الذي اصبح لايرغب سوى سماع اغاني «الفرفشة» هناك ايضا اسباب جوهرية تتمثل في الاذاعات والفضائيات التي فتحت المجال على مصراعيه لبث كل مايصلها من تسجيلات او فيديوكليب وكل ذلك لاجل تغطية ساعات بثها، وكنت اتمنى لو ان بعض الفضائيات افردت ولو ساعات قليلة من برامجها للاغنية الجادة والفنان الجاد وان تفتح نقاشات حول اسباب اختفاء الاغنية الطربية من حياتنا الفنية، وهناك صف كبير من الفنانين الذي لهم رسالتهم الفنية ورافضين الانجرار نحو مايسمى بأغنية العصر الذي لانعرف لها هوية او موقعها من الموسيقى. فايز السعيد فنان وملحن قال في مستهل اجاباته: في اعتقادنا نحن الشباب ان الاغنية الطربية مازالت موجودة ولكنها بقالب يختلف عما كانت عليه في السابق، ففي معظم الاغاني التي تقدم في الساحة الفنية يحرص الملحن ان يشرك في اللحن جملة موسيقية طربية حتى تعطي للاغنية نكهتها الفنية الموسيقية، واعتبر ان هذا حرص على استمرارية بقاء الجمل الموسيقية الاصيلة في روح الاغنية، وعموما هناك من مازال يستعيد شيئاً من غناء العمالقة واعتقد بانه من الضروري ان تكون هناك وقفة ولو قصيرة مع غناء هؤلاء العمالقة وهو مااقوم به بين وقت واخر. عصر العولمة جعفر حسن فنان وباحث موسيقي بادرني باجابة سريعة: سؤال وجيه ولكن احمل مسئولية مايحدث من انهيار في قلب الاغنية الطربية للفضائيات العربية والمحاولين من اشباه الفنانين والموسيقيين الذين عملوا على مزج مقاماتنا الموسيقية الاصيلة في تكنولوجيا غربية في محاولة منهم لتغيير النمط الايقاعي والموسيقي للاغنية تحت شعارات التحديث والتغيير، متجاهلين ان الاغنية العربية والموسيقى الشرقية تاريخ وتراث وتعبير صادق عن المجتمع الذي يرتبط بموسيقاه باحساس غاية في الصدق، انني اقول بصراحة ان هناك زحفاً مذهلاً نحو الاغنية الطربية ويوجد هدم لقواعدها ومقاماتها الموسيقية، ولكن في الوقت نفسه فانا مع المتفائلين بأن مايحصل ماهي الا سحابة صيف وان عهد الاغنية الطربية سوف يعود وان كان بقالب يختلف فنحن نعيش اليوم عصر العولمة. الفنانة رويدا المحروقي تخالف الرأي القائل بعدم وجود اغنية طربية في العصر الراهن وتقول: الاغنية الطربية موجودة حاليا وان ظهرت بأسلوب مغاير وغير مألوف حيث كان في السابق يظل الجمهور امام الفنان ساعات طويلة لكي يطربه الفنان بالكلام الجميل واللحن الاصيل واكبر مثال اغاني كوكب الشرق ام كلثوم اليوم الوضع تغير الاغنية الطربية لاتتجاوز الاربع او الخمس دقائق وكما قلت بأسلوب غير الذي اعتاد عليه الجمهور، وهناك فنانون مثل عبدالله الرويشد وعلي الحجار والفنانات اصالة وذكرى ورجاء بلمليح يقدمن لجمهورهن الاغنية الطربية المعاصرة، كما هناك من هو مواظب على سماع اغاني العمالقة كلما اتيح له الوقت. علي بن محمد فنان وملحن ابدى رأيه وهو في القاهرة حيث يزورها لانجاز بعض اعماله الفنية، اول ماطرحنا عليه السؤال عقب قائلا: بصراحة لاتوجد اليوم اغنية طربية بالمفهوم الموسيقي وكل ماهو موجود في الاسواق اغاني بعيدة عن الطرب باستثناء قلة من الفنانين الذي يرون ان من واجبهم الحفاظ على الذوق العام للجمهور والذي يوجد بعض منه ويستمع للاغنية الطربية او تلك التي تحمل مضمونا في الكلمة واللحن وقوة الاداء، عموما اتمنى ان تكون لنا عودة الاغنية الطربية فكما قلت افتقدناها كثيرا. الجميع يطرب ميرفت غانم صحفية وكاتبة تقول: الغناء والموسيقى عاملان رئيسيان في قضية التذوق الفني، وليس هناك زمان اومكان تسمع فيه الموسيقى بل كل ما اتيح للمرء فرصة الاستماع فانه لاشك سوف ينسجم مع الموسيقى ويتعايش معها بصرف النظر عن قدم او حداثة الاغنية، فكثير من الاغاني الطربية والاغاني الذي مر عليها عمر من الزمن يصدف ان تذاع في احد الامكنة الترفيهية فتشد جيل الشباب والذي يكون عمره مابين ال20 و الـ 30 عاما اذن هناك شئ يشده وكذا الامر للاغنية الني نسمعها حاليا او مايقال عليها بالاغنية الحديثة فاذا كانت جميلة بمعانيها وموسيقاها وتؤدى بشكل جميل فلماذا لانسمعها، وعموما توجد في الساحة الفنية اصوات قمة في الاداء وجمال الصوت وهم يؤدون الاغنية الطربية وان كان ظهر عليها التنويع والتحديث بحكم المكان والزمان فنحن في القرن الاول والعشرين ومر على انطلاقة عمالقة الاغنية العربية اكثر من 150 عاما وربما اكثر. فرسان خليفة فنان وملحن اسهم في وضع الحان لفنانين عرب مثل الفنانة فايزة احمد وقد اجاب على تساؤلنا بالرد التالي: ليس من السهل نفيها كليا او نقطع بأن لاوجود لها، الاغنية الطربية بقدر ماهي شجية ومؤثرة بقدر ماهي ذوق واصالة وتاريخ لذلك فهي عاشت مراحل معينة استطاعت ان ترصد وتؤرخ لتلك المرحلة واقصد مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، حاليا أي اغنية يمكنها ان ترصد الواقع الذي يعيشه المواطن والوطن العربي، ففي اعتقادي ان الاغنية الحالية انعكاس لواقع مر يعيشه الجميع ولذلك غابت الاغنية الطربية من الساحة الفنية. شروق الحارثي مذيعة فضائية كان لها رأي حول الاغنية الطربية وبالمناسبة فهي حفيدة الفنان اليمني الراحل محمد سعد الصنعاني اول من وضع النوتة الموسيقية في منطقته وتقول شروق: عندما نتحدث عن الاغنية الطربية فنحن نتحدث عن ماض جميل وتاريخ اجمل لعهد ذهبي من عهود الاغنية الطربية، والامر لم يكن فقط في الاغنية التي كانت تؤديها ام كلثوم او محمدعبدالوهاب او غيرهم من المطربين، بل كان في الكلمة واللحن والاداء ولذلك كنا نعيش اوقات ممتعة مع الاغنية، بعكس اليوم الذي لانرى فيه بصيص امل للاغنية الطربية بسبب الكم الذي اصبح يبث علينا من خلال اذاعات ال اف ام والفضائيات العربية التي باتت تفرض علينا مايعكر الذوق. الطرب حاضر الفنان والملحن احمد فتحي نشأ كما يقول على حب الاغينة الطربية ويؤكد هنا بقوله: عندما نتحدث عن الاغينة الطربية علينا ان ندرك جيدا انها مدرسة عريقة خرجت اجيال كثيرة، ليس ذلك فقط ولكن استطاعت ان ترفع من الذوق العام لدى الجمهور العربي، وهي بذلك ارست نهجا فنيا وموسيقيا سار عليه الكثير من الفنانين على مختلف الساحة الفنية العربية، اما كون الاغنية الطربية حاضرة او غير حاضرة فجوابي هو انها مازالت موجودة وان كان جمهورها قل عما كان عليه من سابق. شمس فنانة ادت الاغنية المتنوعة ورأيها في الاغنية الطربية توضحه بالشكل التالي: اذا كان الجمهور في الوقت الحاضر لاينسجم للاغنية الطربية ولا يتعايش معها فليس يعني ذلك ان العيب فيه، فنحن امام واقع عربي مزري ليس هناك مكان فيه للتسلطن والراحة باعتبار الاغنية الطربية «سماع» قبل اى شئ، لذلك فضل البعض ان يلتجيء الى الاغنية السريعة، وساهم في ذلك الفضائيات العربية التي جاء معظمها على حساب الاغنية الطربية، وان كنت سعيدة جدا باذاعة اف ام 999 التي تخصصت في الموسيقى العربية الاصيلة وحقيقة نجد فيها متعة واسترداد للماضي الجميل. غياب الحفلات أما الفنان وليد توفيق فقد قال: الفيديو كليب والأغنية المسجلة على شرائط كاسيت سبب مباشر وراء غياب الاغنية الطربية، والحفلات التي كانت تقام في السابق كانت بالفعل تخرج اصوات طربية جميلة، والدليل على ذلك ماكان يقدمه عبد الحليم حافظ وفريد الاطرش اللذان كانا يقدمان أجمل الأغنيات في عيد شم النسيم والتي تواكب فرحة الجمهور بقدوم الربيع بينما أصبحت شركات انتاج الكاسيت هي التي تفرض النجم على هذه الحفلات ومعه تفرض الأغنيات التي يؤديها، وللأسف فان التلفزيون استجاب لفترة لهذه الضغوط ثم تخلى تماما عن احتفالات الربيع وامتنع عن تنشيطها وهي التي كانت تعطي مساحة جيدة ليتذوق الجمهور الموسيقى التي يحب. نانسي عجرم مغنية «اخاصمك آه» قالت: هذه هي الصورة الباهتة التي أصبحت عليها الحفلات الفنية التي غاب عنها الصخب والرونق والاستعدادات التي كانت تحتبس لها الأنفاس وتحاط بالسرية التامة طيلة أشهر قبلها على الأقل، وتحولت المناسبة التي كنا نتنظرها من العام الى العام ليطل علينا عبد الحليم وفريد وصباح وفايزة أحمد وشادية الى حفلات متناثرة في مدن الملاهي والمتنزهات لاجتذاب جمهور الشباب، ومع ايقاع العصر اللاهث اختلف ايقاع حفلات الربيع والحفلات الفنية الاخرى شيئاً فشيئاً حتى فقدت بريقها وتوارت وأصبحت ذكرى في أذهان صناعها. تحقيق : جميل محسن