الاربعاء 13 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 14 مايو 2003 رغم مرور عامين على انتاجه لا يزال فيلم الأحد إنشاء الله للمخرجة الجزائرية المغتربة يصنع الحدث. فقد صنفه النقاد في كل من الجزائر وفرنسا ضمن أجود الانتاج السينمائي الجزائري. وشهد حين عرض في القاعات التجارية بالبلدين إقبالا كبيرا وحظي بمعالجة واسعة من الأخصائيين وتناولته وسائل الاعلام بإسهاب سواء من جانب التقنيات العالية التي وظفتها المخرجة فيه أو من جانب الموضوع الذي يشغل الجزائر وفرنسا معا. وطلبت عدة قاعات سينمائية في الجزائر إعادة برمجته لأسابيع خلال هذا العام، وينتظر أن يحقق مداخيل قياسية. تبدأ أحداث الفيلم بركوب « زوينة» البطلة التي تتمحور القصة حولها الباخرة من ميناء الجزائر باتجاه مرسيليا مرفوقة بأبنائها الثلاثة وكنتها. وكانت لحظات الوداع هذه مؤثرة جدا في نفوسهم . فتداخلت مشاعر فراق الوطن بفرحة لقاء الزوج المغترب بفرنسا ولم تره منذ سنوات طويلة. وتكشف المخرجة منذ المشهد الأول عن هواجسها كمغتربة من الجيل الثاني الذي ولد بفرنسا، وتجسد هذه الهواجس في زوينة التي تأتي الى باريس بلباسها البربري ومنديلها الحريري، مثقلة بالحنين مرغمة على الاندماج في مجتمع جديد عليها لا تربطها به رابطة. واختارت المخرجة عام 1975 ليكون بداية هذا التحول في حياة الأسرة بتنقلها من ضواحي عاصمة الجزائر لتجد نفسها في مقاطعة سانكونتان ببيكاردي في قلب فرنسا، وهذا الإنتقال من مجمع إلى مجمع آخر هو الذي تصوره لنا بن قيقي بكثير من الشفافية والروح المرحة والدموع أيضا . ولقد عانت «زوينة» طويلا من سيطرة وعجرفة أم زوجها التي كانت تتحكم في حياتها وتسير حتى أدق أمورها خصوصا أثناء غياب زوجها، ولكن ظنت زوينة عندما وصلت إلى فرنسا ولحقت زوجها أن السيطرة سوف ترفع عنها وتحرر من قيود العجوز ... ولكن تشاء الظروف أن لاشيء من هذا القبيل يحصل، بل تتعقد الأمور حيث الزوج وأمه يضيقان الخناق عليها ... وبيد أن الكاميرا تنقل هذا الصراع، الأطفال يبدؤون بالإندماج مع الوسط الفرنسي، ويتأقلمون مع الجو الجديد والأصدقاء ... ويظل الزوج غائبا طول النهار باحثا عن رزقه و«زوينة» وحدها تجابه هذا الواقع ، شيئا فشيئا تبدأ بالاندماج حيث تتعرف على فرنسية وتربط معها علاقة، ثم تتحرر أكثر وتتعرف على رجل آخر يعاملها بلطف وأناقة وتصل بها الأمور إلى فكرة هجرة البيت الزوجية وكسر قيد السيطرة لينتهي الفيلم بلقطة معبرة بعدما أحس الزوج بأنه طفح الكيل ليقول بلهجة شديدة لأمه أصمتي ... غدا «زوينة» هي التي ستصطحب الأطفال إلى المدرسة ... ولقد أجمع النقاد على أن النهاية جاءت قوية ومكثفة سواء من ناحية اللغة أو الحوار وهو مجاز لانتصار جزئي للبطلة، وبدون محاباة فإن فيلم الأحد إنشاء الله أنجز بطريقة احترافية عالية المستوى ، حيث أعطت المخرجة بن قيقي مساحة شاسعة للتعبير وطوعت اللغة السينمائية لتحاكي هواجس امرأة بكثير من الشاعرية وروح الإبداع المسترسل، ونقلت المشاهد ليكون شاهد على رهافة حس وعفوية امرأة تعيش يومياتها بكل تفاصيلها، والفيلم بقدر ما يضعنا أمام تفتح المرأة أي كانت جنسيتها فهو يضع أمامنا أسئلة حول موضوع اندماج المهاجرين من سكان المغرب العربي في المجتمع الغربي، والصراعات الداخلية بين الأصالة والحداثة والذاكرة والماضي والحاضر . ويبدو جليا اعتماد المخرجة يمينة بن قيقي قوة البناء الدرامي واللغة السردية في فيلمها ليأتي التصوير جميلا ومعبرا للفضاء الذي يتحرك فيه الشخوص . وجديرا بالذكر أن الأحد إنشاء الله مدته ساعة وأربعين دقيقة وهو إنتاج فرنسي جزائري مشترك يلعب أدوار البطولة فيه كل من فجيرة دوليبا وهي ممثلة جزائرية ممن ترعرعوا فر فرنسا ومحمد فلاق أحد أبرز دجال الفكاهة في المسرح الجزائري، ماتلد سيني وأمينة عنابي تونسية الأصل وزين الدين سوالم وماري فرانس بيزي وغيرهم وهو أول فيلم سينمائي للمخرجة بعد إنجازها في عام 1999 فيلما تسجيليا يحمل عنوان ذاكرة المغتربين وهو أول فيلم يحمل شهادات الجيل الأول من المغتربين الجزائريين بفرنسا بألامها وانكساراتها. وكانت هذه التجربة السينمائية بالنسبة ليمينة بن قيقي المحك الحقيقي، والحديث عنها لا يتوقف هنا، حيث يمينة هي صحفية في الأصل سبق وأن اشتغلت في عدة قنوات فرنسية وقدمت عدة برامج أشهرها ساحة الجمهورية على القناة الفرنسية الثانية وحاز فيلمها الأحد إنشاء الله إلى حد الآن على سبع جوائز دولية في عدة مهرجانات في تورنتو بكندا، في مراكش بالمغرب وأركاشون بفرنسا وغيرها. كما حقق مداخيل هامة خلال عرضه في الجزائر وفرنسا. الجزائر ـ مراد الطرابلسي: