اختفت خلف قناع عشتار، بلقيس : الاغنية العراقية اليوم أكثر حزنا وشقاء

الثلاثاء 12 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 13 مايو 2003 الحياة الموسيقية جزء من برنامجها اليومي، فهي تعيش حياة المغنى حتى لو كان فيها الم، والالم الذي تعيشه اليوم يتبلور حول اوضاع العراق، وهي مازالت تعيش ذهول ما حدث وما آلت إليه الاوضاع، وبالرغم من ذلك فمازالت تقول : انا مازلت حية ومازلت اعيش حياتي كما يجب، ليس هناك ما يستكين له المرء او يستسلم له، صحيح الالام كثيرة وموجعة ولكن التعامل معها اصبح ممكناً. هذه هي الفنانة العراقية بلقيس، او كما ارادت ان تطلق على نفسها «عشتار » ثم تنازلت عنه بسبب ان هذا الاسم جلب لها التعاسة والحزن، ومع ذلك نبحر اليوم في اعماقها وقبل ذلك كان لابد من اقتطاف هذه السطور من حياتها، حتى يمكننا ان نضع فيما بعد اسئلتنا المخصصة للفن والفنان العراقي، فبلقيس انتقلت من جنوب العراق، وتحديدا من الناصرية الى بغداد وهي صغيرة السن وهذا الانتقال قادها الى دخول الاذاعة والبقاء فيها لأكثر من 8 سنوات قدمت خلالها اكثر من 300 اغنية خاصة بالطفل، الطفلة بلقيس التي اصبحت فيما بعد احدى المطربات العراقيات الشهيرات اكتشف صوتها الموسيقيان فتاح حمدان وحسن الشكرجي. وأوصلها للاذاعة صديق والدها «مالك طيمش » وذلك من خلال اغنية الفنانة وردة «المستحيل » والتي بها اجتازت الامتحان واستلمت اول هدية في حياتها وكانت عبارة عن «دمية كبيرة». منذ انطلاقتها الفنية التي بدأتها في عام 1971 وحتى اليوم قدمت بلقيس عشرات الأغاني وعدداً من الألبومات الغنائية ، كما شاركت في امسيات غنائية في المانيا وغنت من اشعار كبار الشعراء الالمان الذي اعجبوا بصوتها، والبداية معها كانت من خلال السؤال التالي : طفلة تغني لوردة ـ كيف بدأت علاقتك بالفن؟ ـ منذ كنت طفلة صغيرة وجدت الرعاية والاهتمام من الاستاذين فتاح حمدان وحسن الشكرجي ويعود اليهما الفضل في اكتشاف صوتي وعند انتقالي وأسرتي من الناصرية الى بغداد لاحظ صديق والدي مالك طيمش ان موهبتي في الغناء قد اصبحت متطورة فأخذني الى الاذاعة وهناك اجرى لي اختباراً في الصوت والأداء واخترت اغنية الفنانة وردة «المستحيل » والتي كانت بالفعل جواز دخولي لاستديو الاذاعة والمكوث فيها منذ عام 1971 وحتى 1979م. ـ ما هي الاغاني التي قدمتها للاطفال وهل كانت تهتم بجانب التوعية؟ ـ بالفعل هي أغان ارشادية وتربوية تلامس حاجيات الطفل وبلغ عدد الأغاني التي قدمتها اكثر من 300 اغنية. ـ بماذا خرجت من تجربة الغناء للطفل؟ ـ بأشياء كثيرة وأهمها كيفية ربط العلاقة مع الطفل والتعامل معه، وأشعر بأنني اكتسبت الأمومة من هذه العلاقة وقبل ان يصبح لدي أطفال. ـ هل لك مشاركات خارجية؟ ـ في عام 1976 جاءتني دعوة من مهرجان دمشق الدولي لأغنية الطفل وشاركت بأغنية «دندان» من اشعار فاروق سلوم وألحان حسين قدوري والحمد لله فازت بالمركز الأول. ـ هل شاركت في قرطاج؟ ـ كانت آخر مشاركة لي في مهرجان قرطاج سنة 1979 وقدمت من خلال فرقة الموشحات العراقية بعض الموشحات التي نالت استحسان الحضور. الخفاء بستار عشتار ـ توقفت تماما عن الغناء في عام 1979ما السبب في ذلك هل كان اعتزال الفن؟ ـ كان هناك اكثر من سبب وظللت متوقفة حتى عام 1994 واذا كنت مصرا لمعرفة اسباب ذلك ، فهناك أمران مهمان: الارتباط الأسري والحروب المدمرة التي شهدها العراق وهي التي أثرت في نفسي وتركت لدي احباطاً جعلني أزهد بالغناء والموسيقى. ـ وكيف كانت عودتك في 1994؟ ـ كان ذلك بسبب احساس ما بالاستقرار في الاردن محطتي الاولى بعد بغداد وتحديدا عام 1994 وصدف ان احد المنتجين سمع صوتي وفجأة وبدون مقدمات طلب مني توقيع عقد معه لانتاج البومين يتم اصدار الأول فورا والآخر بعد ستة اشهر من توقيع العقد، والحقيقة شعرت برهبة لهذا الطلب الملح ولم اعرف حينها كيف ستكون عودتي،بل وساورتني شكوك فيما اذا كان الجمهور سوف يتقبلني مرة اخرى، ولكن أمام اصرار المنتج قبلت العرض بشرط الا اظهر باسمي الذي يعرفه الجمهور وانما باسم مستعار وقد قبل ذلك. ـ لماذا باسم مستعار هل كنت تخشين الجمهور؟ ـ هذا اولاً والسبب الآخر لاختبار قدراتي ومعرفة امكاناتي الصوتية خاصة بعد سنوات من التوقف. ـ ما هو الاسم المستعار الذي اختفيت خلفه، وما هو الالبوم الأول الذي صدر لك عام 1994؟ ـ عنوان الألبوم «دنيا غريبة » وشارك في وضع كلماته وألحانه كريم العراقي وكاظم السعدي وطاهر سليمان ونزار جواد وزهير الدجيلي وجعفر الخفاف، وبعد ذلك صدر الألبوم الآخر بعنوان «قلت انساك » وكان من اشعار كريم العراقي وجواد الحمراني وكريم خليل وعباس كامل وألحان جعفر الخفاف، وهذه الالبومات طرحت في الاسواق باسمي المستعار «عشتار » وحقيقة هذا الاسم جلب لي النحس والتعاسة وفي تلك الفترة تعرضت لكثير من المشاكل والعقبات وأخيراً اضطررت لتركه والعودة ثانية لاسمي المعروف جماهيرياً. ـ بعد ذلك واصلت الغناء، فما كان تأثير ذلك عليك؟ ـ بعد تجربتي الأولى وما حملته من ايجابيات وسلبيات فكرت في خوض تجربة من انتاجي فأصدرت البوماً آخر بعنوان «تريد أسامح » وتضمن اغنية حزينة للأم اسمها «يا وحيدة يا يماه » من كلمات جبوري النجار وألحان احمد خليل وصادف أن القسم العربي باذاعة مونت كارلو بث الأغنية وكررها مرات عدة وسمعها بالمصادفة المطرب كاظم الساهر الذي بادر مباشرة بالاتصال بي وأنا مقيمة في عمان وأخبرني بانه سعيد جدا بعودتي للغناء وسوف يعمل على التنسيق مع شركة روتانا لتوقيع عقد معي لسنوات. ـ هل تم ذلك؟ ـ كاظم بذل جهدا يشكر عليه ولكن لظروف خاصة بالشركة لم ينفذ هذا الوعد في حينه وتأجل الى ان اتى الوقت المناسب وقمت مؤخرا بتنفيذ أول البوم مع روتانا. الغناء في الامارات ـ قبل ان يتم الاتفاق لانتاج البوم جديد لك في دبي، ما هي النشاطات الفنية التي كنت تقومين بها خلال فترة اقامتك في الاردن؟ ـ خلال السنوات الثلاث التي قضيتها في عمان من 1997 الى 2000 اشتغلت في الأعمال الفنية الخاصة بالاطفال كما شاركت في مهرجان المحبة باللاذقية عام 1999 وقدمت بعض الأغاني العراقية. ـ كيف جاء انتقالك الى الامارات وهل كان في اطار عقد فني؟ ـ بطبيعة الحال زيارة دولة الامارات وشعبها الكريم المضياف لا يحتاج للمرء ان ينتظر دعوة لزيارتها، بالرغم من ان زيارتي جاءت بصفة شخصية للكاتبة والأديبة الاماراتية كلثم عبدالله في مهرجان دبي للتسوق 2000 والشيء الذي اسعدني جدا انه في اول زيارة لي شاركت في احدى فعاليات المهرجان من خلال اغنية عن الأم كتبتها «كلثم عبدالله » ولحنها جعفر الخفاف وكانت هذه المشاركة الوحيدة عند قدومي، وبعد وقت قصير جاءني عرض شركة روتانا بعد ان سمعني المسئولون فيها وانا أؤدي اغنية «دجلة الخير » للشاعر الجواهري وألحان سالم حسين وأيضا أغنية «يا وحيدة يا يماه ». ـ ما هو العمل الجديد الذي قدمته من خلال شركة روتانا؟ ـ الألبوم كان بعنوان «سلم عليّ » وتضمن مجموعة من أغاني الفنانين العراقيين مثل ناظم الغزالي وداخل حسن وحضيري أبو عزيز ومحمد القبانجي وهؤلاء من عمالقة الغناء العراقي وبعض من الأغاني والأعمال التراثية، وقصدت الغناء من المقام اللامي لأثبت للمستمع أصالة الطرب العراقي والذي ما زال ينبض بالحياة رغم كل أشكال الحصار والحرب المستعرة على العراق. ـ المتابع لأغاني هذا الألبوم يجد انها خلت من الآلات الموسيقية المعروفة؟ ـ بالطبع فلقد حرصت على ادخال آلات موسيقية عراقية قديمة مثل آلة الجوزاء وهي آلة وترية قديمة أشبه بالربابة والسنطور وهي أيضا آلة شبيهة بالقانون. ـ قمت بزيارة المانيا اكثر من مرة واحييت حفلات فنية في معهد جوته ما هو انطباعك عن المانيا؟ ـ الدعوة الاولى جاءت من معهد جوته في ألمانيا مرفقة معها قصائد لجوته مترجمة بالعربية وقد وضع لها جعفر الخفاف ألحانها الممزوجة بالأنغام الشرقية وفعلا عندما قدمت هذه الاشعار الألمانية بالموسيقى الشرقية نالت اعجاب واستحسان جميع الحضور وكانوا من النخبة ومنهم الشاعر الأول لألمانيا هانس بارغر الذي سلمني قصيدته المترجمة الى العربية وهي عن الكوميديا الالهية لدانتي ولكن عرضت عليه ألا تقدم هذه القصيدة الا مع اوركسترا تتضمن آلات موسيقية شرقية وأتمنى ان ينفذ هذا العمل قريبا في ألمانيا، كما جاءت الزيارة الثانية ايضا بناء على دعوة وزارة الثقافة الالمانية بالتنسيق مع احدى المؤسسات الانسانية هناك وفعلا قدمت مجموعة من الاغاني العراقية التي تركت صدى كبيرا في نفوس الحاضرين، وعموما في المانية هناك احترام وتقدير للفن والموسيقى العربية والعالمية ولديهم اهتمام كبير بالموسيقى العربية. العراقية اغنية الحزن ـ كيف ترين الساحة الفنية العربية وهل هناك مطربات متميزات؟ ـ الساحة الفنية حاليا من الصعب الحكم عليها بسبب الطفرة الكبيرة والعدد الكبير من الاسماء ولكن هنالك مطربات فرضن أنفسهن من خلال الكلمة الجميلة والنغم الأصيل، وأعتقد ان كثيراً منهن خرجن عن المألوف وأنا شخصيا ارتاح لسماع عدد كبير من هذه الاصوات الفنية النسائية. ـ وماذا عن الاغنية الخليجية وتحديدا الاماراتية هل ترين انها حققت النجاح؟ ـ الاغنية الخليجية عامة والاماراتية خاصة حققت أفضل نجاح لها وهو الانتشار ووصولها الى اماكن عديدة من العالم فالأغنية ومن خلال سفرائها المطربين الخليجيين امثال محمد عبده وعبدالمجيد عبدالله وعبدالكريم عبدالقادر وميحد حمد ومحمد المازم وأحلام وغيرهم اصبحت مسموعة ومؤثرة. وأنا شخصيا أحب أسمعها كثيرا وأدندن ببعضها بين الحين والآخر. ـ ماذا عن الأغنية العراقية وكيف ترين مستقبلها بعدما اصبحت في اجواء اكثر حزنا وشقاء؟ ـ الحديث عن العراق والاغنية العراقية اصبح اليوم اكثر صعوبة فاذا كانت الاغنية العراقية بفضل جهود الفنانين الذي تعدوا الحصار واستطاعوا ان يقدموا هذه الاغنية بقالب حي ومعبر وفعلا نجحوا في ذلك، الا انني ارى في الوضع الجديد خاصة بعدما آل اليه حال الشعب العراقي وفقدانه للامن والاستقرار بل وحرمانه لابسط مقومات الحياة ، فانني ارى الاغنية وان ظهرت بعد فترة من الزمن ستكون اكثر حزنا وشقاء لاننا خلال الاحتلال فقدنا الكثير من القيم المادية والتاريخية والحضارية، وبالرغم من ذلك اقول ان الانسان العراقي باني الحضارة سوف يعود لبناء بلاده وسوف يحيا العراق كل العراق من جديد، وسوف يأتي دور الفنان الذي عليه ان يقدم الكثير في سبيل وطنه وشعبه. حوار: جميل محسن

طباعة Email
تعليقات

تعليقات