السبت 9 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 10 مايو 2003 نتواصل في هذه الحلقة من كتاب تاريخ السينما العالمية مع المؤلف ديفيد روبنسون حيث يأخذنا الى دور السينما الالمانية ما بعد الحرب العالمية الثانية وفي محاولة للامساك مرة اخرى بما كان لالمانيا من مكانة ثقافية. بدأت أوفا بالافلام التاريخية الضخمة، وقد بدأ هذا الاسلوب، على ما يبدو، بفيلم جو ماي «فيرتاس فينسيت» 1918، غير ان ارنست لوبيتش 1892 ـ 1947 الممثل الكوميدي السابق، اصبح هو ملك هذا الاتجاه بلا منازع، اتجه لوبيتش الى هذه النوعية ضد رغبته في البداية على ما يبدو، عندما طلب منه ديفيدسون ان يخرج لنجمته المفضلة «البولندية الاصل» بولا نيجري «كارمن» و«عيون المومياء ما» 1918. هذا الفيلمان التاريخيان استدرجا لوبيتش الى «مدام دوباري» 1919 الذي ارسى نزعة جديدة نحو الافلام التاريخية الواقعية «نفسيا»، رغم ان نجاحه في هذه اللحظة بعينها من تاريخ المانيا انما يرجع الى معارضته للافكار الثورية بقدر ما يرجع الى قيمته الجمالية والنفسية، ثم اتبع لوبيتش المعادلة ذاتها في «آنا بولين» 1920 و«امرأة الفرعون» 1921، كان لوبيتش متعدد المواهب، فإلى جانب هذه العروض المتسمة بالابهة والبهرجة راح يستحدث اسلوباً خاصاً لفيلم الاوبريت في «الدمية» و«الاميرة النمساوية» 1919 الذي انتقد فيه عادات الاميركيين انتقاداً قاسياً، كما قدم فيلمين مأخوذين عن «حالة سكر» 1919 و«الآنسة جوليا» 1921، وفيلماً مأخوذاً عن عرض راينهارت الفانتازي sumurun 1920 وفيلماً نقدياً غريباً غير ناجح مع بولا نيجري بعنوان «قطة الجبل» 1921 ثم «الشعلة» 1923 واجمالاً فإن لوبيتش الذي لا يعرف الكلل قد قدم فيما بين 1915 و1923، حيث آخر افلامه في المانيا حوالي ستة وثلاثين فيلماً.ولسنوات عديدة ازدهرت نوعية الفيلم التاريخي مستفيدة من دروس راينهارت في التعامل مع المجاميع والمناظر الضخمة، وكان من بين انجح مخرجيها ديمتري بوكوفيتسكي «دانتون ـ 1921، عطيل ـ 1922، بيتر العظيم ـ 1922» وريتشارد اوزوالد الذي انصرف تقريباً عن افلام الجنس ليقدم «ليدي هاملتون» و«لوكريشيا بورجيا» 1922، اما الكسندر كوردا 1893 ـ 1956، المجري الاصل الذي هاجر الى المانيا بعد سحق هورثي لجمهورية المستشارين، فقد بدأ البحث في «الحياة الخاصة» للشخصيات التاريخية، ذلك الاتجاه الذي سيجلب له الشهرة فيما بعد. وكنذير الشؤم المنبيء بمستقبل المانيا لاحقا جاء فيلم ارسن فون تشربي «فردريكوس ريكس» بنزعته القومية العدوانية والذي ستبنى عليه اجزاء عديدة في العشرينيات والثلاثينيات مع النازية.في 1919 حققت السينما الالمانية اكبر انتصاراتها بفيلم «مقصورة دكتور كاليجاري» قام باعداد السيناريو اثنان من الكتاب، التشيكي هانز يانوفيتش والنمساوي كارل ماير، وهو محصلة ذكريات وتجارب مشتركة عن العيادات النفسية والكرنفالات الموسمية وجرائم القتل المفجعة، تصور قصة الفيلم كيف استخدم الطبيب كاليجاري الغامض شخصا يمشي اثناء النوم، سيزار، لينفذ له جرائم قتل انتقامية ضد اهالي بلدة المانية صغيرة، ولقد اصر المنتج ايريك بومر على ان تضمن هذه القصة في اطار قصة اخرى بحيث يتضح في النهاية ان كاليجاري في الحقيقة مدير مصحة عقلية وان القصة كلها ما هي إلا حلم يقظة لواحد من مرضاه، ومن الواضح ان هذا التعديل قد اضعف المغزى الرمزي للقصة «حيث يمثل السائر نائما الابرياء الذين يرسلون الى الحرب لقتل الآخرين باسم الدولة» والقيمة التشكيلية للصورة في الفيلم هي سر الحماس النقدي الكبير الذي اوجد له مكاناً في تاريخ السينما.وكان بومر، منتج الفيلم، قد عرضه في البداية على المخرج النمساوي فريتش لانج، ولما رفض لانج العرض اسند بومر المهمة الى روبرت واين 1881 ـ 1938، اختار واين ثلاثة مصورين تشكيليين: هيرمان وارم، والتر روريج ووالتر رينمان، وكان ثلاثتهم ينتمون الى جماعة التعبيريين التي تشكلت في ميونخ في 1910 تقريباً باعتبارها رد فعل طليعيا ضد الانطباعية والطبيعية، وكان لها اثر كبير على الادب والموسيقى والعمارة كما على التصوير. يقول وارم «الافلام يجب ان تكون رسومات وقد بعثت فيها الحياة» وكانت هذه هي الفكرة التي طبقت في «كاليجاري» فقد جاء اداء الممثلين «كونراد فيدت، فيرنركراوس، ليل داجوفر» مكملاً للصورة الغريبة المشوهة حادة الزوايا التي صنعها الديكور، كما استخدموا جميعهم اسلوب التعبير الخارجي عن العالم الداخلي للشخصيات.ان المبالغة البصرية والشكلية في «كاليجاري» لم تعرف السينما لها خلفا او تابعا على الاطلاق، فأهمية الفيلم الفائقة انما تكمن في كيفية ايضاح ان التعبيرية بقدر محدود هي الوسيلة الطبيعية للسينما، كيفية توظيف الصورة بما يعكس ويترجم الحالة النفسية والحركة الداخلية للشخصية. حين ظهر كاليجاري كانت الافلام الالمانية قد قدمت للعالم نموذجاً يحتذى باستخدامها كاميرا حرة المدى وبقدرتها على توظيف تفصيلات بصرية موحية لاضاءة العوالم النفسية للشخصيات، واستيعابها لدروس راينهارت في استخدام المجاميع «يشاركها في هذا النازيون» وبروعة ديكوراتها وعبقرية اضاءتها وتصويرها، اما كاليجاري على وجه الخصوص فقد ساهم، مكملاً «من الجانب المعاكس» دروس السينما الاسكندنافية، في تأكيد امتياز فيلم الاستوديو وقد ظلت الافلام الالمانية لفترة طويلة بعد 1920 افلام استوديوهات بنسبة مئة بالمئة تقريباً. لم يستطع واين نفسه ان يكرر نجاح كاليجاري، وكانت مسئولية مخرجين آخرين ان يطوروا الخيط الفني الذي قدمه بتطبيقه للتعبيرية في السينما، مالت التعبيرية، مع المزاج الالماني، على ما يبدو الى موضوعات العرب والفانتازيا، وكان كاليجاري قد اشعل شرارة ما يطلق عليه كراكاور «مهرجان الطغاة» كلهم في افلام رائعة التصميمات والاضاءة والتصوير، تعبيرية الاداء التمثيلي الى حد بعيد، ها هو بول ليني، مصمم المناظر السابق، يعيد الى الحياة هارون الرشيد، وايفان الرهيب وجاك الجزار في فيلمه «مجلس وزراء تماثيل الشمع» 1924، وارتر روبنسون يقدم كابوساً متدفقاً بالنذر والجرائم في «ظلال تحذيرية» 1922 وبول ويجز.