ذاكرة الفن ـ اختتم حياته على خشبة المسرح، طلال مداح قامة موسيقية خليجية وعربية افتقدها الجمهور

الجمعة 8 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 9 مايو 2003 رحيل الفنان طلال مداح افقد الاغنية الخليجية والعربية نكهتها الموسيقية فهو واحد ممن حافظوا على اصالة ومضمون وروح الاغنية، وممن عملوا على تطوير موسيقاها وألحانها بشكل يتوازى وجذورها الضاربة في عمق التاريخ، لقد ارسى طلال قاعدة فنية اصيلة تربى عليها الكثير من الفنانين ليس فقط في السعودية ولكن على مستوى الخليج كله، لقد جعل لنفسه اسلوبا خاصا وانتقى اعذب الكلام ليصوغها الحانا جميلة، فانتشرت بين الناس اغانيه التي اصبحت من الاعمال الخالدة. ومنذ انطلاقة اغنيته الشهيرة «وردك يازارع الورد» مرورا بآخر جملة غنائية قالها بصوته قبيل رحيله المفاجئ «الله يردك لقلوب خلانك» وانتهاء بآخر ألحانه وان لم يسمعها جمهوره بصوته العذب «انتي عيونك سالفة، سمعتها وانا صغير، غيم وبروق وعاصفة، واثنين شربوا من الغدير، واتفرقوا مثل السحاب، وسط الشموس الحارقة» والفنان طلال في ذاكرة الفن تماما كما هو في ذاكرة الجمهور. لحن مداح لمعظم الفنانين وكان النصيب الاكبر للمواهب الشابة وان لم تكن الفنانة اروى الا واحدة من المواهب الذي مدها بألحانه وبنصائحه،من كان يطرق بابه طالبا لحنا لم يتكبر عليه او يرده خائبا، فكان تواضعه مفتاحا لعدد كبير من الفنانين الذين دخلوا عالم الاغنية عن طريقه، اشتهر طلال مداح برقته وابتسامته الدائمة وتعليقه الساخر بل وبتواجده المستمر بين الناس وجمهوره. اربعون عاما من العطاء الموسيقي للأغنية الخليجية والعربية ترك خلالها نتاجا زاخرا وارثا يضاف الى ارشيف تاريخ الموسيقى العربية ورصيدها النوعي، تركت اغانيه بصماتها في الطرب العربي والسعودي والخليجي فقدم طلال مداح ما يقرب على ألف و200 اغنية منها 80 اغنية وطنية تغنى فيها بأمجاد وطنه ومناسباته، كان حاضرا بحسه وصوته وروحه ولم يلتفت ابدا لشهرة رخيصة او هالة اعلامية كبيرة، لم يلحق بركب الشهرة، لكن الشهرة سابقته فسبق بها زمانه واقرانه. ومع رحيله ورحيل عدد كبير من عمالقة الاغنية العربية يبقى السؤال مقلقا في ظل الوضع الحالي للاغنية التي دخلت خط مغاير لما كانت عليه الاغنية العربية وما كان يقدمه الفنانين المبدعين والصادقين مع انفسهم وجمهورهم. حياته وفنه بدأ طلال حياته منذ ان ولد في جبل القلعة في منطقة جياد في مكة المكرمة وسماعه لاول مرة للأذان المنبعث من الحرم المكي وهو في منزله، وكيف امضى خمس سنوات من عمره في مكة المكرمة انتقل بعدها الى الطائف والتحق بالمدرسة السعودية الاولى تلميذا يبحث عن العلم والمعرفة ، وفي السنة الدراسية الثانية طلبت منه ادارة المدرسة ان يقوم يوميا بتلاوة القرآن الكريم في طابور الصباح نظرا لجمال صوته وهو لا يعلم ذلك. وتعتبر من اهم مراحل طلال مداح تلك المرحلة الاولى التي تشكلت فيه هيئة الفنان حين شاهد آلة العود لاول مرة في منزل الفنان عبد الله المرشدي في مدينة الطائف، وغناؤه لاول مرة امام الحضور، الاغنية المصرية الشهيرة «على بلدي المحبوب» وعندما بلغ من العمر 9 سنوات بدأ طلال يعشق الفن والموسيقى، بل انه استطاع بعد ذلك حفظ جميع اغاني الموسيقار فريد الاطرش الذي كان معجبا به وكذلك اغاني كبار الفنانين مثل محمد عبد الوهاب وام كلثوم، وحين غنى طلال مداح لاول مرة قدم وصلات غنائية في مدينة الطائف السعودية اظهر خلالها قدراته الفنية، واستمر بعد ذلك يواصل نشاطه الفني باهتمام ورعاية احدى الشخصيات الاجتماعية جعفر السقاف وكان مديرا لجوازات الطائف انذاك، حتى عرف طلال على مستوى المدينة. وفي عام 1959 احترف طلال مداح الغناء بشكل رسمي، وانتقل من الطائف الى جدة تنفيذاً لرغبة عباس غزاوي الذي كان مدير الاذاعة، وكان سبق وان التقى طلال في الطائف في احدى المناسبات وطلب منه الحضور الى جدة بأقرب وقت ممكن، وكانت الاذاعة المحطة الاولى لانطلاقته فنيا على مستوى السعودية،وبعدها غادر الى بيروت في عام 1961 حيث كانت هذه اول زيارة له خارج السعودية، وهناك استطاع ان يؤكد امام الفنانين اللبنانين موهبته الفنية، وبسببها التف حوله عدد من الادباء والمفكرين والشعراء ساهموا في خلق الثقافة الفنية والعامة لديه. ذكريات لاتنسى للفنان الراحل طلال مداح الكثير من المواقف والذكريات التي لاتنسى، فلقد كان فنانا يحب المزاح واضفاء اجواء الضحك بين الحضور، ولكن هنا نستعيد ذكرياته مع الفنان المنلوجست حسن دردير او ماكان يعرف باسم «مشقاص» والذي يروي لنا هذه الحكاية النادرة بينه وبين الفنان الراحل يقول دردير : أخي العزيز على نفسي الفنان طلال مداح رحمه الله كان لي موقفا معه لاينسى عندما ذهبنا إلى بيروت وهناك التقى الموسيقار محمد عبد الوهاب وكان يدور بينهم حديث حول تعاون موسيقي يجمع بينهم، وعندما تحدد الموعد فضل طلال ان يذهب برفقة صديقنا الثالث لطفي زيني وان يتركوني في الشقة في بيروت ويذهبوا هم لإنهاء الإتفاق وتوقيع العقد بينه وبين الفنان محمد عبد الوهاب ، وبالفعل اتفقوا وسجلوا أول أغنية وتركوا الأشرطة في استديو «شلهوب» ليعودوا بعد ذلك لعمل المونتاج بحضور عبدالوهاب، وبالصدفة وأنا اقرأ العقد لاحظت عبارة ما معناها أنه يمكن للفنان عبدالوهاب أن يمنع طلال مداح من تسجيل أي أغنية لأي شركة أو مؤسسة ، إلا بعد الإنتهاء من تسجيل ألحان محمد عبدالوهاب، وليس في العقد ايضا تاريخ انتهاء هذا الشرط ، وأعتقد أن طلال ولطفي من فرحتهم بتوقيع العقد لم يلاحظوا هذه الفقرة وتفاجأوا بها حيث قال طلال رحمه الله «هذا ذنب عدم اصطحابنا لأبو المشاقيص» فقد خافوا أن أقول أي كلمة بصراحتي وتلقائيتي المعهودة التي قد تغضب محمد عبد الوهاب و «تتفركش» الاتفاقية، المهم سألني طلال: مالعمل الآن، قلت له : شوف عليكم تسليمي الأشرطة وبعدها لكل حادث حديث. وبالفعل ذهب لطفي زيني واحضر الاشرطة، وبمجرد تسلمتها ذهبت بها إلى المطار فوجدت شخص سعودي مسافر الى جدة لااعرفه ولكن اخبرته ان لدي 4 أشرطة رجوته ان يحملها معه ويسلمها للمحل الذي املكه في جدة «دنانير مشقاص» وان يقول للموظف ان يحتفظ بها في منزله أو يسلمها إلى شخص يدعى علوي العطاس، وفعلا اخذها معه وسافر، وفي المساء حضر الفنان محمد عبدالوهاب للأستديو وطلب إحضار الأشرطة لعمل المونتاج وسأل عن طلال فأخبروه أنه ولطفي حضرا بعد خروجهم و أخذا الأشرطة، وهنا ثارت ثورة عبدالوهاب وحاول الإتصال على شقتنا فأخبروه أن طلال غير موجود، ولاجل الاسراع بسفر طلال وزيني استعنت في ذلك الوقت بضابط شرطة في بيروت ليتمكن طلال من السفر في طائرة المساء وبالفعل سافروا معه أخي لطفي ووصلوا بسلام للسعودية واستلموا الأشرطة ولحقت بهم في اليوم التالي، كل هذا لانه باعتقادنا ان طلال مداح بهذا التعاون يكون قد انطلق بانطلاقة فنية قوية مع واحد من اهم قامات الموسيقى العربية. ومن ذكرياته مع الشخصية الاقتصادية العربية احمد زكي يماني، مايرويه يماني بنفسه، حيث يقول : طلب مني في احدى المناسبات ان القى محاضرة في احدى الولايات الاميركية وكان برفقتي صديقي الفنان طلال مداح، كان موضوع المحاضرة حول الصراع العربي ـ الاسرائيلي والجمهور الحاضر للمحاضرة اغلبه من اليهود، وبعد ان انتهيت من المحاضرة قدمت للحضور صديقي طلال باعتباره احد رموز الموسيقى الخليجية، فقدم لهم وصلات موسيقية لمدة عشرين دقيقة وشهدت القاعة صمتا وذهولا ودهشة نظرا لتعامله ببراعة مع آلة العود، وغنى يومها طلال اغنيته الشهيرة «مقادير» وانتهت المحاضرة بتصفيق حار وهتاف من الجمهور واعجاب بهذا الفنان. شهادات الفنانين بعد رحيل الفنان طلال مداح نعاه الكثير من الفنانين الخليجيين والعرب وكان اكثر تأثرا الفنان محمد عبده الذي يعتبر من رفاق دربه، والفنان ابوبكر سالم الذي عاشا معا في بيروت وتقاسما الكثير من الذكريات، وكان البعض من الفنانين الخليجيين قد عبر عن فراق هذا الفنان بهذه العبارات الحزينة، حيث اعتبروا غيابه خسارة ليس للفن الخليجي فحسب بل للفن الغنائي والموسيقي العربي، باعتباره احد القامات المهمة في الغناء العربي الحديث. وكان الفنان الاماراتي عبد الله بالخير من اكثر فناني الامارات تأثراً برحيل الفنان طلال مداح ، نظراً لتواجده في ابها ومشاركته الراحل في افتتاح مهرجان ابها، حيث قدم عبد الله بالخير فقرته الاولى في حفل نفس الليلة التي شهدت سقوط طلال على خشبة المسرح. يقول الفنان عبد الله بالخير : اتفقت مع الراحل على الالتقاء قبيل الحفل لاجراء التنسيق فيما بيننا حول ترتيب فقرات الحفل، اذ كان من المقرر ان يفتتح طلال مداح الحفل، لكن ضيق الوقت وانشغال كل منا في اجراء البروفات، حال دون اللقاء، وتولت ادارة المهرجان ترتيب الفقرات ، على ان اقوم بافتتاح الحفل وطلال مداح للختام، ويواصل بالخير قائلا : لقد شاهدت سقوطه من على خشبة المسرح وانا في استديو التلفزيون السعودي الذي استضافني عقب انتهاء فقرتي الغنائيه، وظنيت في البدايه ان هذا السقوط المفاجئ نتيجة وعكة بسيطة ولم اتوقع ان تكون نهاية احد اهم المطربين العرب في العصر الحديث، لقد كان رحمه الله من اكثر الفنانين الخليجيين صدقاً في احاسيسه، وله اسلوب مميز وبسيط في الغناء مما اكسبه حب الجماهير في كل ارجاء الوطن العربي، كما ان التزامه بالفن العربي الاصيل جعل منه علماً موسيقياً مرموقاً، والدليل على ذلك الترحيب الجماهيري الذي لقيه لحظة صعوده على خشبة المسرح في حفلته الاخيرة، ووقوف جميع الحضور والتصفيق المتواصل الذي استقبله به الجمهور، وكأنهم على علم بأن الراحل الكبير سيختتم مشواره الفني هذه الليلة، فلقي منهم التقدير الذي يستحقه. الشاعر الامارتي سالم سيف الخالدي قال عن فقدان فنان بقامة طلال: ان غياب طلال مداح، يعد خساره مهمه للفن العربي، وان حالة حزن شديده انتابتني لدى سماعي النبأ، خاصه واني اعرف الراحل عن قرب، واعرف مدى انسانيته وبساطته وحبه لكل الفنانين، فقد كان يعتبر نفسه اباً واخاً كبيراً لكل الفنانين الخليجيين الشباب، ويضيف الخالدي انه كان من المقرر ان يلتقيا في غضون الايام المقبلة، لترتيب تعاون فني بينهما، كانا قد اتفقا عليه عبر الهاتف قبل اسبوع واحد من وفاة طلال مداح، وبأن طلال طلب منه نصاً شعرياً لتلحينه للفنان المصري «محمد ثروت» وانه بالفعل ارسل له القصيدة، وباشر الراحل الكبير بتلحينها، لكنه لا يعلم الى اي مرحلة وصل هذا المشروع، ولذا كان في نيتهما الالتقاء لاتمامه. الفنان الملحن الاماراتي ابراهيم جمعه وصف الفنان الراحل طلال مداح بأنه اضافة موسيقي من الطراز الخاص، وانه الاقدر من الفنانين العرب على فهم واستيعاب الكلمه واعطائها الحس الموسيقي الملائم لمعناها وقوة تعبيرها، وان غيابه يعد خسارة للفن الغنائي العربي، لا سيما أن طلال مداح هو اول مطرب عربي يسقط وهو يغني محتضنا عوده حب شديد، وهذه اشارة الى عشقه الابدي للموسيقى. واخيرا فان تفاصيل قصة وفاة طلال مداح قد عرفها جميع محبيه ومتابعي فنه، وايضا الجمهور المتابع للموسيقى العربية في كل مكان، ولكن الاكثر تأثرا كان الحاضر من الجمهور في المسرح الذي فوجئ اكثر ما يزيد عن 3 آلاف متفرج حضروا حفل الافتتاح في مهرجان عسير السياحي بسقوط الفنان طلال مداح على خشبة المسرح أثناء تقديم وصلته الغنائية، حينها إلى احد مستشفيات أبها «جنوب السعودية» لكن قلبه توقف قبل وصوله، وكان قدأصيب بهبوط في الضغط قبل الحفل بساعات ونصحوه الاطباء بعدم المشاركة، ولكنه أصر إرضاء ومحبة لجمهوره. وكان طلال قد دخل المسرح وسط تصفيق من الجمهور الكبير استمر لدقائق كثيرة، حيث وقف الجميع لتحيته وبدأ وصلته الغنائية بموال أطرب الجمهور ثم قدم الاغنية الاولى والاخيرة وهي «الله يرد خطاك» من كلمات الشاعر الامير بدر بن عبد المحسن والحان الموسيقي سراج عمر . ان غياب الفنان طلال مداح قد اثر كثيرا في الاغنية العربية، خاصة وانه كان يعد من الرواد الاوائل ان لم يكن الوحيد في السعودية. اعداد: جميل محسن

طباعة Email
تعليقات

تعليقات