الخميس 7 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 8 مايو 2003 شهد مسرح الطليعة احتفالية بثلاثة رموز رائدة في المسرح المصري: توفيق الحكيم كاتبا، وأمينة رزق ممثلة، وسعد أردش مخرجا، وذلك في افتتاح عرض مسرحية «يا طالع الشجرة» في الفناء الخارجي قبل الدخول نصبت شاشة، تسجل مسيرة الفنانة الكبيرة أمينة رزق التي كانت قد جاءت مرتكزة على عصا، شاهد رواد العرض أمينة رزق الممثلة الشابة في بدايتها على مسرح رمسيس مع استاذها يوسف وهبي، حتى آخر دور مثلته في مسرحية «الليلة الثانية بعد الألف» على خشبة مسرح مركز الهناجر في أواخر العام الماضي، حيث احتفلت بها الدكتورة هدى وصفي مديرة المركز باليوبيل الماسي لاعتلائها خشبة المسرح كانت أمينة رزق سعيدة مشرقة يقظة وهي تتحدث مع الصحافيين عن ذكرياتها، كما ضم شريط الفيديو لقاءات مع فنانين وكتاب أشادوا بفنها واصرارها والتزامها، في مدخل مسرح الطليعة، أقيم معرض صور لمسرحيات توفيق الحكيم التي قدمتها مختلف الفرق من بينها «إيزيس» التي قدمتها الفرقة المصرية الحديثة اخراج نبيل الألفي 1957 و«بيجماليون» التي قدمت عام 1964 على مسرح محمد فريد (المغلق منذ سنوات)! اخراج نبيل الألفي، و«الطعام لكل فم» التي قدمت على المسرح القومي عام 1963 اخراج محمد عبدالعزيز، و«يا طالع الشجرة» التي قدمت على مسرح الجيب موسم 1963 - 1964 اخراج سعد أردش و«السلطان الحائر» اخراج فتوح نشاطي المسرح القومي 1967 - 1962 وضم معرض أمينة رزق صورا لمسرحيات قديمة مع يوسف وهبي من اخراجه مثل «بنات الريف» و«كرسي الاعتراف» وأواخر الثلاثينيات من القرن الماضي و«مصرع كليوباترا» اخراج فتوح نشاطي 1959 ـ 1960 و«بداية ونهاية» التي أخرجها عبدالرحيم الزرقاني موسم 1959 ـ 1960 وضم معرض سعد أردش صورا لمسرحيات مثل «الأرض» و«مهر العروسة» و«السبنسة» و«دائرة الطباشير»و «سكة السلامة» و«الندم» و«الانسان الطيب». الشريط ومعرض الصور من تنظيم المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية برئاسة الدكتور أسامة أبوطالب. حضر الحفل جلال الشرقاوي بطل عرض عام 1963 مسرحية «ياطالع الشجرة» بعد أربعين سنة من عرضها الأول، ويقدمها نفس المخرج في نوع من التحدي لنفسه في رؤية جديدة، أو قراءة جديدة مستفيدة مما في روح النص من سخرية وتناقض تدفع الى كوميديا راقية يرى فيها أردش أنها من أهم إبداعات الحكيم في إطار أحدث التيارات المسرحية في أوروبا بعد أن ارتاد كل الأساليب الكلاسيكية والواقعية في تراث مسرحي واسع الأرجاء، حيث أصر على أن يبحث عن مقومات الحداثة في فنون الشعب المصري. مقدمة توفيق الحكيم نفسه للمسرحية عند نشرها عام 1962 تفسر أكثر رؤيته كمبدع، فقد كتب أنه في مسرحية «شهرزاد» استلهم المنبع الشعبي في اطار الأسطورة الشعبية نفسها، وهو هنا يستلهم المنبع الشعبي في اطار موضوع عصري وفي كتابته لشهرزاد كان احساسه موسيقيا، أما في مسرحية طالع الشجرة فإن بؤرة احساسه مسرحية بحتة تحمل العلاقات التشكيلية والتركيبية فوق خشبة مسرح بين أشخاص وأزمنة وأمكنة وأصوات يتداخل بعضها في بعض تداخلا ماديا لست أريد هنا تفسيرات خارجية إنما الذي أريده هو استخراج كل ما يتوقع وما لا يتوقع من نتائج فنية تشكيلية لهذه المقابلات المادية بين أحوال مختلفة لشخص واحد في مكانين معا، وفي زمانين معا، وليس هناك من أصوات خارجية إلا صوت حفلة «السبوع» وأصوات القطار، وإنشاد الصبيان، ويمكن أن تحل محل الموسيقى المسرحية في فترات السكوت والتحركات هذا من ناحية الشكل، أما من ناحية المضمون يقول أردش أن الحكيم قد قرأ الأغنية الشعبية قراءة مستقبلية ليقدم في عام 1962 عملا من أهم أعمال الخيال العلمي، ندرك من خلاله همومه وكل القضايا التي تؤرق المجتمع الإنساني، والتي تساهم تكنولوجيا العلوم المختلفة في البحث عن حلولها ويختتم اردش بأن المسرحية رحلة ممتعة للعقل الانساني في البحث عن المعقول من خلال اللامعقول. حقق أردش رؤية الحكيم في المسرح داخل المسرحية والجمع بين الأزمنة والأماكن المختلفة في نفس اللحظة، من خلال كوميديا تجمع بين المنطق واللامنطق، وايقاع لاهث في الحوارات، بين مختلف الشخصيات، تطرح تركيبة السؤال والجواب، الفعل ورد الفعل، الظهور والاختفاء، الواقع والهم، المحقق يمارس القمع على الزوج متهما إياه بقتل الزوجة، في حين يتحدث الزوج عن اختفاء الزوجة التي تعيش أسفل الشجرة، المحقق يعدد أسباب قتل الرجل العصري لزوجته، الخيانة.. يرد الزوج عمرها 60 وعمري 65 سنة.. كثرة أسئلة الزوجة.. يرد زوجتي لا تسألني.. الدرويش يتنبأ بقتل الزوجة ودفنها تحت الشجرة التي تطرح أربعة أنواع من الفاكهة على مدار العام يلاحقه مفتش القطار لأنه لا يحمل تذكرة فإذا به يأتي بعشر تذاكر من الهواء ما هو المنطق واللامنطق.. ما هو الواقع وما هو الوهم إذن؟ عوامل متناسقة متكاملة في العرض، الشجرة بجذورها الممتدة في الخلفية في إطار ديكور يمنح سلاسة للحركة من تصميم الدكتور سمير أحمد العميد السابق لمعهد الفنون المسرحية، حول المنظر في يسر الى قطار، الأداء الهادئ لأمينة رزق في دور الزوجة تجلس على مقعد متحرك بسبب إصابة في ساقها، متمكنة كالعادة تعتمد على ملقن، تألق أحمد فؤاد سليم الزوج بين خبث وادعاء البراءة، وطارق اسماعيل في دور المحقق وعبدالله الشرقاوي في دور مفتش القطار، ومحمد درديري في دور الحفار، ومحمود عبدالغفار في دور الدرويش وعبير مكاوي في دور الخادمة يحققون في تكاملهم حوارا بين الأجيال كما أشار انتصار عبدالفتاح مدير مسرح الطليعة، وحتى لا ينفرط العقد وينقطع الحبل الذي يشد به كل جيل، الأجيال التالية كما أشار الدكتور هاني مطاوع رئيس البيت الفني للمسرح. بعد سنوات من الغياب يعود توفيق الحكيم خلال العامين الأخيرين بقوة الى خشبة المسرح، حيث قدمت له مسرحية «رصاصة في القلب» في قالب غنائي، بطولة المطرب علي الحجار، ثم في قالب آخر درامي اخراج حسن الجريتلي، ويقدم له مسرح الغد مسرحية «طعام لكل فم» اخراج محمد متولي بطولة وفاء الحكيم كما قدم له مسرح الطليعة مسرحية «ليلة مبروكة» عن «الصفقة». لعل هذا يكون دافعا لعودة أعمال كتاب آخرين مثل نعمان عاشور وسعد الدين وهبة ويوسف ادريس وميخائيل رومان وعبدالرحمن الشرقاوي ليتعرف الجيل الجديد على التراث المسرحي. القاهرة ـ فوزي سليمان: