الاحد 3 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 4 مايو 2003 زياني شريف عياد مسرحي جزائري بدأ حياته الفنية كممثل ثم سرعان ما تحول للإخراج المسرحي، شكل رفقة مع الراحل عبد القادر علولة جيلا من مسرحيي الاستقلال الذين أعطوا نفسا جديدا للمسرح الجزائري في الثمانينيات. لقد أوجدوا ما يسمى بالمسرح السياسي الذي يستمد جذوره من برتولد بريخت والمسرح السوفييتي، وبعد اغتيال علولة من قبل الجماعات الإرهابية سنة 1996، غادر زياني بلاده إلى المهجر، لكنه عاد إليها قبل نحو عام كمدير للمسرح الوطني الجزائري مكلفا بتنظيم سنة الجزائر بفرنسا التي انطلقت في الفاتح من يناير الماضي وتدوم عاما كاملا تشهد خلالها أكثر من مئة مدينة فرنسية نشاطات ثقافية جزائرية في نحو ألفي نشاط في مجالات الفن والثقافة المتنوعة. في هذا الحوار تحدث زياني الشريف عياد لـ « البيان» عن نظرته الجديدة للمسرح، ويلخص مقدما نقدا ذاتيا الى أن المسرح الجزائري الذي عليه أن يتخلص من التأثير السوفييتي، ويكف عن ترديد الخطاب السياسي على الخشبة ـ قضيتم أكثر من عشرين سنة في المسرح الجزائري الذي يعاني اليوم من أزمة حقيقية،ما هي في رأيكم أسباب هذا التراجع؟ ـ أزمة المسرح الجزائري هي أساسا أزمة النص المسرحي التي تعود الى عشرين سنة خلت، وسبق لي أن نبهت لهذا المشكل من قبل. والدليل على ذلك أني لم أقدم في مساري المسرحي سوى اقتباسات لروايات. أما النصوص المسرحية الموجودة على قلتها فقد استغلها المسرحيون المعروفون من أمثال سليمان بن عيسى، ومحمد بن فطاف، وبمقابل ذلك أنا أعرف المسرح الفرنسي وكيف تتم البرمجة في المسارح الفرنسية ،وهنا صادفنا اختيارين اثنين إما أن نعتمد على فكرة تأجير القاعات، وهو ما يعني أننا لا نضمن حضور الجمهور المسرحي، وإما أن نختار الخوض في الشبكة المحترفة ،وفي هذه الحالة نحن ملزمون بالخضوع لقواعد العمل الاحترافية ـ وما هي هذه القواعد ؟ ـ كل مسرح له خط افتتاحي، وجمهور معين أكتسبه بعد وقت وعمل طويلين، وهو لا يريد تضييعه، ومنه فهو يملك حساسيات فنية خاصة به يتجاوز من خلالها عند الانتقاء النواحي الجمالية للعرض، فمثلا هو يتوقف عند المسرح الكلاسيكي، وعليه فإنه يركز عند اختياراته على العروض الكلاسيكية التي يتفاعل معها جمهوره، وهناك أيضا ممن هم منفتحين على أشكال مسرحية أخرى أكثر عصرية، ومن هذا المنطلق نجدهم يبرمجون المسرح العصري ضمن تعددية الفضاء المسرحي في فرنسا، ولما نستدعي مسرحيين فإنهم يحضرون حسب افتتاحيتهم المسرحية، إن الأولوية إذن لما نرغب اقتحام المجال الاحترافي علينا أن نقدم عروضا محترفة، ولما أتحدث عن الاحترافية فهذا معناه أن كتابة النص شيء مهم. وإلى جانب هذا يوجد محتوى النص والتأويل والإخراج المسرحي كذلك، وهو ما يفرز، إذن، عملا متكاملا. ونحن أحببنا أم أبينا فإن المسرح الجزائري يعرف أزمة خانقة على مستوى الإخراج والكتابة المسرحية. وأنا أتحدث هنا عن المسرح الجديد الذي عرف كيف يتجاوز الأزمة المعروفة لدينا، فالمشكل يبدأ من سوء الفهم والتقدير. لقد تعودنا على فكرة أن المسارح الجهوية يجب أن تشارك في كل التظاهرات وكأن الأمر عبارة عن مكسب، وهذه هي العقلية الفاسدة. لو دققنا في الأعمال المسرحية المقدمة من طرف المسارح الجهوية المنتشرة في بعض ولايات القطر ذات التقاليد المسرحية مثل وهران وعنابة وقسنطينة و بجاية و باتنة وسيدي بلعباس وغيرها لأدركنا أن هذه الأعمال لا يمكن عرضها إطلاقا في أي مكان. وأريد أن أوضح نقطة أعتبرها مهمة، فأنا لم أطلب من الوفد الفرنسي المجيء إلى الجزائر لانتقاء الأعمال التي ستعرض بمناسبة سنة الجزائر في فرنسا، كما تردد بعض الأصوات ذات الصلة بعالم المسرح عندنا. ـ ألا ترون أنه يوجد تناقض في كلامكم بخصوص سنة الجزائر بفرنسا. فمن جهة تقولون أننا لم نختر الجزائر الرسمية، علما أن هذه التظاهرة في حد ذاتها رسمية ترعاها الدولة الجزائرية بأموالها؟ ـ الشيء الوحيد الذي أخذته بعين الاعتبار خلال هذه التظاهرة هو الجانب الفني، أما الباقي فلا يهم. أريد أن أوضح أن الدولة الجزائرية وفرت أموال التظاهرة لكنها لم تعترض سبيل عملي ولو مرة واحدة، ولم تمارس علي أي ضغط، فلماذا تحل الشكوك دائما عندما تقوم إحدى دول الجنوب بتقديم الدعم المالي؟ وعلى كل فلو كان الأمر كذلك لما قبلت. خصوصا وأن معركتي الدائمة هي في الدفاع عن حرية التعبير والفكر. أنا لا أريد تنظيم حفلات، وإصراري كبير على تجنب تقديم صورة بلد متخلف، فأنا أريد تقديم مسرح ورقصات عصرية تستطيع حجز مكانة لها في أي شبكة، وفي هذا الصدد يجب أن يعلم الجميع بأنه ولأول مرة منذ 35 سنة ستفتح الكوميديا الفرنسية أبوابها لعروض فرق عربية، ومن دول الجنوب، وهنا أغتنم الفرصة لأقول بأنه يجب أن نظهر عبقرية المسرحيين الجزائريين على غرار كاتب ياسين. لكن ألا ترى بأنه ونحن مطالبون بتصحيح صورة الغرب إزاءنا، كان من الأجدر أن نبين لهم قوة تفتحنا وعدم جمودنا باختيار عروض مقتبسة عن موليير ،وشكسبير؟ إذا أقبلنا على تقديم أي عرض في فرنسا أو في أي بلد آخر، وحمل ذلك العرض إضافات جديدة للمسرح العالمي فلا بأس، أما أن يشابهه فما الداعي لذلك، وعليه أقول بأن هؤلاء أخذوا الثقافة الجزائرية، وقاموا بتطويرها في بعدها الحداثي، فعبد القادر علولة من الناحية الفكرية يمتلك حدثا يحيط بالكثير من مسرحياته، ويشكل محورا لأعماله، وهذا هو الأهم لأن ذلك يترك بصمات مؤلف جزائري انطلق من الهوية، والثقافة الشعبية الجزائرية، وطور مسرحا يخاطب به الآخرين، وهذا يعني بأن هناك مسرحيات صممت من قبل جزائريين، لكن وأيضا من قبل مخرجين فرنسيين، وهو ما يعني أيضا أننا أصبحنا عالميين، وخرجنا من المساحة المحلية الضيقة، وعلى هذا الأساس تم اختيار مثل هذه النصوص التي تعد بمثابة مرجعية المسرح الجزائري، لكن أن نتكلم عن اللا عدل فهذا ما لم أفهمه ـ قلت بأن الفرنسيين حضروا الى الجزائر خلال التحضير لسنة الجزائر بفرنسا كملاحظين فقط، فهل هل لنا أن نعرف من قام بمهمة انتقاء الفرق والمجموعات التي ستشارك في التظاهرة؟ ـ لقد اشتغلنا على ثلاثة جوانب، ففي المرحلة الأولى ركزنا على عملية المعاينة قصد إقامة تظاهرة الانتقاء التي عقدناها في فبراير من العام الماضي، ومنه قمنا بوضع بعض الفنانين في اتصال دائم حتى ينجزون أعمالا مشتركة على غرار العرض الشعري للمطرب والشاعر القبائلي آيت منقلات الذي تقدمه فرقة من تيزي وزو يشرف عليها أحمد خضير، ومسرح سان دوني، بالإضافة الى مسرح باتنة ـ على ذكرك مسرح باتنة، كيف تجاوزتم عرض عالم البعوش للمرحوم عز الذين مجوبي، والإجماع حاصل بقوة على هذه المسرحية؟ ـ لا يمكن أن نطلق أحكاما بهذه الطريقة عالم البعوش عرض قديم جدا. قديم على المستوى الفني ولا يتماشى مع ما هو معمول به في المسرح الآني العالمي ، وهذه هي مشكلتنا و لسنا على علم بالتطور الحاصل في المسرح ولا أقصد المسرح الفرنسي بل و مسرح جيراننا، فنحن جد متخلفين، ولا نقرأ، ونجهل المسرح العصري ، لقد صرنا لا نرى العروض المسرحية وتقوقعنا على أنفسنا، إننا لا نملك التكوين اللازم و كل ما نقوم به في هذا المجال يجب إعادة النظر فيه، ونحن في الجزائر لم نحاول أبدا إقحام الكُتاب المقتدرين في التأليف المسرحي الجزائري بل أكثر من ذلك قمنا بإقصائهم، لقد فعلنا المستحيل لمصادرة المسرح. تصوروا أننا صرنا نقوم بكل شيء مرة واحدة، وأصبح الممثل مخرجا ومؤلفا ومدير أعماله ونسينا ربما أنه يمكن أن نكون فنانين مقتدرين ولا نستطيع التأليف والإخراج، أو أن نكون مخرجين ومؤلفين لامعين لكن لا نستطيع التمثيل. فقد تحول الأمر عندنا في السنوات الأخيرة وكأنه ضرورة مطلقة أن يكون الممثل هو المخرج وهو الكاتب. وهذه ليست بوادر أزمة قيم فحسب بل انغماس في الأزمة. الجميع يسير في مجالات غير محددة المعالم... الجميع يتعدى على أعمال الآخرين... وهكذا تراكمت التجاوزات فكان المسرح ضحيتها. الظاهرة كما قلت تفاقمت في السنوات الأخيرة وإن كانت التجاوزات في ذاتها ليست جديدة، بمعنى لم تبدأ في العقد الماضي فقط، ومشكل المسرح الجزائري يعود الى ما قبل التسعينيات، فعبد القادر علولة كان مخرجا في مسرح وهران، وبحجة أن أي كان يمكنه التأليف صار علولة ينتظر دوره للتأليف، لأن ثمة شلة من الممثلين فرضوا منطقهم الجائر، ورفعوا أصواتهم قائلين من يكون علولة هذا ؟ فلينتظر دوره كأي أحد منا، هذه وقاحة ما بعدها وقاحة لكن هذه النظرة سادت واعتمدت في الكثير من مسارحنا و بهذه الطريقة لم نقم أبدا بإثارة الغرائز الإبداعية لمؤلفي الروايات والحدوتات حتى يكتبوا في المسرح، وعليه فقد اعتمد الممثلون على التزود بكتاباتهم بحجة ندرة النصوص، ونحن لا ننتظر أن يكون لدينا مؤلفين ما لم نعمل على إيجاده، فهناك ميكانزمات، كتقديم ومِنح لتشجيع الكتابة، أو إقامة ورشات للكتابة، وهناك عملية تبادل لكتابات المؤلفين وما إليها من المبادرات التي يمكن أن تخلق جوا يسمح بتطوير وتوفير النص المسرحي،وبهذا نتمكن من بناء فن درامي راق، وعدا ذلك فإننا لو بقينا 40 سنة ونحن نقر بافتقادنا لمؤلفين لما تغير الحال، وفي هذه الظروف هناك من وجد ضالته. إنني أطرح هذه الأمور لأنها واقع قائم، ولا أقصد أن أنقص من قيمة الجهد المبذول في السابق لتحسين الوضع. فقد جرت محاولات في هذا الاتجاه، وأريد هنا أن أذكر بعض الأمثلة، فعلى مدار أربعين سنة من العمل بعد استقلال البلاد، وبرغم الرقابة التي كانت مفروضة إلا أن ذلك لم يمنع بعض رجال المسرح من التمسك بحريتهم في التعبير، فقاوموا وكافحوا من أجل كلمتهم ورسالتهم وحققوا نتائج جيدة. وعليه ينبغي أن لا ننساق في دائرة انتظار القرارات الفوقية ، لكن إن لم تكن هناك ضغوط من القاعدة في إطار منظم لا يمكن التقدم. وأنا أتحدى أي كان أن يعرف مهنتي أحسن مني، فعليه أن يسمعني، ويضع الإمكانات التي أراها أنا في خدمتي، فأي وزير، ومهما كانت قوة درايته بالميدان، ومهما تكن حنكته، وحتى وإن تسلح بالإرادة السياسية المطلوبة، فإنه لن يتمكن من إصلاح القطاع هكذا لأنه أراد ذلك، ولكنه و إن أحس بالضغوط من القاعدة فإن النتائج ستأتي بلا شك. ـ طيب جميل أن تقوم بعرض حالة المسرح، وقد قلت بأنك كنت من الأوائل الذين نبهوا بالسقوط الى الهاوية، فما الجديد الذي حملته معك وقد مرت سنة كاملة من تنصيبك على رأس المسرح ؟ ـ أولا أنا أتكلم بالملموس و عليه أقول أنه لأول مرة منذ 40 سنة صار للمسرح الجزائري موسما مسرحيا مدعما بمبررات الاختيار الفني، وقد أطلقنا على التظاهرة اسم «موسم الشعراء»، وبالنسبة لي فإن هذا الموسم يحمل تصور أهداف المسرح الوطني ،الذي من مهامه حفظ ذاكرة المسرح الجزائري، هذا لا يعني تحويله الى متحف، بل الإبقاء على العروض التي تقف في وجه الزمن، ولا تتآكل وتصاب بالقدم، ولكي نحقق ذلك يجب أن نعيد زيارة تلك العروض بأجيال من المخرجين، فالنص إذا كان قويا فإنه يستطيع تبليغ رسالة معينة في وقت معين ويجددها إذا ما تغير ذلك الوقت ،وهذا هو هدفنا، فعندما أقبلت على إعادة الشهداء يعودون هذا الأسبوع ( من رواية للأديب الطاهر فإني أصر على القول بأن هذا النص الذي أخرجته منذ 13 سنة كان يحمل خطابا معينا في ذلك الوقت في عهد الحزب الواحد، واليوم له صدى آخر، فهذا النص يخترق الأزمنة، يقاوم الموت، و عندما نتكلم عن مسرح وطني أو مسرح محلي فيجب أن نتساءل أولا ما ذا يعني مسرح وطني ومحلي؟، ما هي مهمة كل منهما ؟وما هي معايير تعيين المدراء؟ ما هي مواصفات المدير ؟وهل نعين هذا المدير على أساس قيمته الفنية؟ أم انطلاقا من البرنامج الذي يقدمه؟ وإذا الأمر كذلك فهذا يعني أننا قمنا بتحديد عهدة ما، ونمتلك سياسة مسرحية معينة، من هنا نصل الى التعددية، لأن كل مدير إذا كان فنانا، ويجب أن يكون كذلك فإنه من الطبيعي أن يثير حساسيات فنية معينة، ونفس الشيء يحدث مع من يخلفه في المنصب، وبهذا نصل الى التنوع في الحساسيات الفنية، وكل هذه الورشة المفتوحة مثلا على الكتابة التي أنا بصدد الاشتغال عليها، حيث قرأت مؤخرا عددا من الروايات وأطلعت على حقيقة مفادها أن هناك بعض من الروائيين يمكنهم الاقتراب بأعمالهم الى الفضاء المسرحي، وما علينا سوى موافقتهم، وعليه فقد قمت بجلب مؤلفَين أحدهما جزائري والثاني فرنسي وشرعا في العمل مع بعض الكتاب الجزائريين ،ونحن في انتظار ميلاد أولى النصوص المكتوبة من قبل مؤلفين يجري تحفيزهم لذلك، وما هذا إلا بداية، إذ نفكر في الاتصال بالديوان الوطني لحقوق التأليف قصد طلب النصوص، ووضع الإمكانات اللازمة لذلك ـ في وقت مضى كان الاحتجاج السياسي هو الذي يضمن جلب الجمهور، أما بعد الانفتاح السياسي، وظهور الأحزاب فوجب عليكم البحث في مواضيع أخري تثيرون بها اهتمام هذا الجمهور فما هي هذه المواضيع؟ ـ بالفعل، اليوم نعيش قطيعة، لأن شباب اليوم لا يمكنك أن توظف له الخطاب السياسي الذي كان سائدا بالأمس، وهنا يجب إعادة بعث المسرح الوطني، فاليوم صارت هناك جماهير متنوعة من حيث الذوق ومن حيث المطالب والنظرة للأمور بحسب التعددية التي تبدو في الواقع حاضرة بقوة، وليس جمهورا واحدا، ففي السابق كان الأمر سهلا كنا نتبنى الخطاب الشعبوي، وربما صح أن نقول التهريجي ونأخذ على عاتقنا دور الناطق الرسمي لكل الحساسيات الاجتماعية بمن فيهم المسؤولين، أما اليوم فقد تخلينا عن كلمة نحن وعوضناها بـ أنا ،وعندما أقول ذلك فأنا أتجاوز رأي الثلاثين مليون المتبقية، وهذا الموقف من شأنه أن يفتح مجال الكتابة والتأليف، وهو ما نلتمسه في الرواية الحالية، والحدوتة أيضا. الجزائر: مراد الطرابلسي: