السبت 2 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 3 مايو 2003 تلعب الألوان دورا مهما في الفيلم الروائي القصير «ألوان الحب» لمخرجه الشاب أحمد غانم ابن الروائي الكبير «فتحي غانم» الدارس لسياسة واقتصاد استجاب، لنداهة السينما فكتب وأخرج «ألوان الحب» الذي أنتجته له شركة سمات التي كونها ستة من شباب السينمائيين هادفين إلى تقديم أعمال شابة بعيدا عن المؤسسات الرسمية ولجانها المتعددة التي تحمل جواز المرور للشاب إجازة أو إعاقة لطموحه الفني. صور «أحمد غانم» فيلمه بكاميرا الفيديو واستعان بممثلين لهما خبرة في الأعمال السينمائية مما شكل مساندة قوية لعمله وجعله جاذبا للجماهير سواء كانوا من الخاصة أم كانوا من المشاهدين العاديين المحبين لفنون الصورة. «كارولين خليل» تقوم في الفيلم بدور البطلة «ليلى» وهي بطلة فيلم «جنة الشياطين» كما شاركت في بطولة أفلام مهمة أخرى مثل «خللي الدماغ صاحي» الذي قدمت فيه دور الزوجة الفقيرة المحبة لزوجها «خالد صالح» وهو أيضا بطل فيلم «ألوان الحب» الزوج الذي يعشق الحياة المحب لنفسه والمسرف في استمتاعه بكل ملذاتها من ملبس ومأكل ومشرب والأهم استمتاعه بممارسة الحب مع زوجته محافظا على طقوس يمتزج فيها الرومانسية مع الشهوانية راسما شخصية لا يمكن أن ترفضها بالكامل حتى لو ظهرت أنانية تفضل نفسها على الآخرين قدم «خالد صالح» دورا كبيرا في «ألوان الحب» يضاف إلى رصيد أدواره التي قدمها في «محامي خلع» و «خللي الدماغ صاحي» ولا ننسى دور الأب في الفيلم الروائي القصير «طيري يا طيارة» للمخرجة «هالة خليل» والفيلم أنتج المركز القومي للسينما منذ عدة سنوات واشترك في العديد من المهرجانات وحصل على عدة جوائز ونتوقع لمخرجته نجاحا في الأعمال الروائية الطويلة التي تستعد لإخراجها قريبا يتسم أداء «خالد صالح» بالخصوصية ففي فيلم «محامي خلع» جعلنا نتعرف على قاض غير نمطي لم نشاهده في أي فيلم آخر ، وفي «خللي الدماغ صاحي» جعلنا نتعاطف بشدة مع رغبته الطبيعية في الانفراد بزوجته دون مضايقة من طفليه حيث يعيش في منزل ضيق من حجرة واحدة ، وهنا في الفيلم القصير «ألوان الحب» غلبت قوة أدائه على رفضنا لملامح الشخصية ولا أعرف إن كان هذا في صالح العمل أم لا فالمشاهد يندمج مع طريقة أداء «خالد صالح» الحميمة الصادقة جدا التي بلغت روعتها في مشهد وفاته وهو يلقى ربه مبتسما بعد أن استعرض في خياله صور حياته مع زوجته وطفلته ليموت وابتسامة الرضا على وجهه ، ويسود اللون الأصفر ، لون ضوء الشمس على الصورة قبل أن يتحول الفيلم إلى الأبيض والأسود بعد وفاته في مشاهد حياة «ليلى كارولين خليل» أرملته الشابة ولن يعود اللون إلا مع لحظات التذكر لحياتها مع الزوج «طارق» الذي أسعدها في حياتهما القصيرة معا وعندما تستعيد الماضي نكتشف معها حجم الخلافات والمشاكل التي كانت مختفية تحت سطح مظاهر الاستمتاع بالحياة. قسم المخرج «أحمد غانم» فيلمه إلى فصول بدأها بكتابة التواريخ على الشاشة فبدأ بتاريخ عيد الأم «12 مارس» الذي يحتل مكانة مهمة بين الأعياد في مصر ، وتنحسر الآن هذه المكانة بعد نزول السيدات إلى حقول العمل وتغير الصورة النمطية للأم المضحية وهو ما يمكن تفهمه من موقف الزوج «طارق /خالد صالح» البطل الذي يختار لنفسه حذاء غالي الثمن بالنقود المخصصة لهدية أم زوجته «حماته» مكتفيا بعد إقناع زوجته بشراء هدية رمزية بحجة عدم احتياج الأم لشيء كارولين خليل /ليلى التي كانت مندمجة في اختيار هدية الأم وسعادة الحب تغمر وجهها تتكلم مع زوجها بصوت عال، المخرج يقدم مشهده في صورة قريبة ونفاجأ مع «ليلى» بعدم وجود «طارق بجوارها» فقد اتجه لمحل أحذية رجالي ليشتري حذاء لنفسه ، سيصبح الحذاء رمزا لأنانية الزوج وأنانيته التي تشبه أنانية الأطفال أو الأشخاص غير المعطاءين وسيتضح من المشهد الافتتاحي كون الزوجين مختلفين ولكنهما متحابين. ينقلنا المخرج للمشهد التالي والزوج يداعب زوجته تحت ضوء الشموع يفاجئها بسوار كهدية لها «كل سنة وأنت طيبة يا أحلى ماما في الدنيا»، يقطع المخرج بعد جملة الحوار على لقطة مكبرة للحذاء الجديد فوق علبته يلمع بعده يسود الظلام ويكتب على الشاشة تاريخ اليوم الثاني 22 مارس ومشهد صباحي لخروجه للعمل بينما تستعد هي لأعمالها المنزلية وما يحدث في المشهد لا يمثل أهمية خاصة سواء تعليق الزوج على جملة تقولها الزوجة : «شامم فيها ريحة أمك» مما يؤكد على رفض الزوج للأم وسيتضح أن لديه عقدة حيث تركتهم أمهم صغارا وتزوجت من رجل آخر أحمد غانم يصور المشهد في لقطة واحدة دون تغيير في زوايا الكاميرا معتمدا على أداء ممثليه ، اللقطات طويلة نوعا مع حركة الكاميرا وثبات زاويتها. ينهي مشهده بدعابة عندما تختار فيلما للمخرجة إيناس الدغيدي لسهرة المساء فيرد عليها «شكلنا حنتفرج على أريد حلا» وهو فيلم شهير عن زوجة تطلب الطلاق من زوجها وهو يرفض حتى تصل للمحكمة. يقدم المخرج مشهدا متتابعا لاستغراق الزوجة في أعمال المنزل ، ثم زيارة جارتها «منى مختار» وتناول القهوة معا في تقديم لطقوس شائعة في الحياة المنزلية للأسر المتوسطة ثم يدق الباب ويدخل زميليلان للزوج يسندانه بعد أن شعر بتوعك في العمل ورفض الذهاب للمستشفى وفضل الحضور للبيت ، الزوج مطمئنا لزوجته القلقة عليه يطلب منها إحضار زجاجة شراب بينما تخلع عنه حذاءه «الجزمة دي كابسة على نفسك»، وفي دقائق ومع غناء فيروز يستعرض صورا للحظات سعيدة للزوجين في تأريخ سريع منتهيا بهما مع طفلتهما الجميلة وعندما تعود الزوجة بالشراب تجده مبحلقا في سقف الغرفة وقد وافته المنية عن طريق اللوحات المكتوبة باللون الأحمر على شاشة سوداء نعرف تاريخ 2 مايو بعد الأربعين ومشهد مع الأرملة وأمها «نهير أمين» يوضح أنانية الأم وكونها عبئا على الابنة وليست سندا لها المشهد بالأبيض والأسود وعندما تترك الأم ابنتها الأرملة الشابة تعود الألوان للصورة مستعرضة لحظات استرجاع تنتهي باختفاء الألوان وفي كل مرة نكتشف أن حياة الزوجة مع زوجها المتوفى لم تكن وردية بل كانت مليئة بالخلافات مما يجعل الزوجة تفكر في بيع ملابس الزوج وخاصة حذاءه الجديد الذي اشتراه قبل وفاته بيوم واحد والذي جعله المخرج رمزا فجا عن أنانية الزوج. ولن ينتهي الفيلم عند بيع الحذاء بل سيفاجئنا المخرج المؤلف بحمل الزوجة في طفل وتعلق أمها بأنه سيأتي ذكرا ينكد عليها كما والده الراحل لتكتمل رؤية المخرج عن نقده للمجتمع الذكوري وعن تعاطفه مع بعض النساء مستثنيا نوعا منهن يتسم بحب الذات والافتقاد لأهم سمات الأمومة وهى سمة العطاء بلا مقابل. فيلم «ألوان الحب» قدمه مخرجه في أربعين دقيقة وكان مشبعا كفيلم روائي طويل وإن شابه لحظات من خلل الإيقاع نتيجة اعتماده على اللقطة المشهدية دون الاقتراب من بطليه وخاصة في لحظات المعاناة ولكن قياسا كون العمل هو عمله الروائي الأول بعد بعض المحاولات التجريبية تجعلنا نتذكر المقولة السائدة «ابن الوز عوام» ونتوقع له عطاء فنيا على غرار والده الكاتب الكبير «فتحي غانم».