الصراع مع المسرح وظهور الأفلام البوليسية

السبت 2 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 3 مايو 2003 في هذه الحلقة نصل الى الفصل الرابع من كتاب تاريخ السينما العالمية للكاتب ديفيد روبنسون الذي ينتقل بنا الى مرحلة جديدة من صناعة السينما في المانيا على وجه الخصوص، فحين انتهت الحرب الاولى كان من المفارقات ان تقفز الى مقدمة مشهد الانتاج السينمائي العالمي المانيا، البلد المهزوم، لتعطى بذلك اول مثال في التاريخ لحالة ستتكرر كثيراً فيما بعد: حيث تنشط السينما وتزدهر بفعل تدخل رسمي مقصود من الدولة. ومن المدهش اكثر في هذا السياق ان المانيا رغم اهتمامها المتحمس بالمخترعات الميكانيكية في القرن التاسع عشر، ورغم الدور الرائد للأخوة سكلادانوفسكي، لم تكن قد احرزت في مجال صناعة السينما الا تطوراً قليلاً خلال فترة ما قبل الحرب. فمعظم ما كان يعرض بها من افلام في مطلع القرن كان مستورداً من فرنسا وايطاليا واميركا ثم من الدنمارك فيما بعد. لم يكن ثمة مصدر الماني بارز لانتاج الافلام سوى اوسكار ميستر (18661943)، الذي كان يقوم بتصنيع الكاميرات واجهزة العرض في برلين منذ 1896، والذي قام بانتاج الافلام الهزلية القصيرة ذات الدقيقتين وافلام الاحداث المحلية، بل وقد اجرى بعض التجارب لانتاج افلام ناطقة في 1908. كانت سمعة السينما في المانيا بالغة السوء، وتجنبتها النخب الاجتماعية الراقية والمثفة لزمن اطول كثيراً مما فعلت نظيراتها في البلدان الاخرى. كما ظلت رابطة مخرجي برلين المسرحيين ترفض السماح لممثلي المسرح بالعمل في الافلام حتى وقت متأخر، الى مايو 1912، ثم ساهمت في تغيير ذلك الموقف مجموعة احداث. ففي 1911 استطاع المنتج بول ديفيدسون اقناع استانيلسن واربان جاد بالعمل في المانيا، وكان الاداء الفني الرفيع لاستانيلسن سبباً في اقناع الكثير من المتشككين بالامكانيات الفنية للسينما. ثم قام ممثلون المان مرموقون مثل البرت باسرمان بالخروج على قوانين رابطة مخرجي المسرح والعمل في السينما. كما اقنع ديفيدسون، في 1911 ايضاً، الفنان المسرحي البارز ماكس رينهارت (18731943) بالعمل في السينما. ثم بعد ذلك بقليل تم تحويل مسرحية كان يكتبها هوغوفون هوفمنستال الى فيلم بعنوانها الاصلي، «الفتاة الغريبة»، انتج في عام 1913، وانشئت ستوديوهات كبيرة جديدة في تمبلهوف ونيوبابلسبرج. ولعل مساهمات رجال المسرح البارزين وكذلك حملات «حركة اصلاح السينما» و«فيلم المؤلفين» قد انتجت في المانيا اسوأ ما «لفيلم الفن» بمعناه الحرفي من اثار، وان تكن قد نجحت في الوقت نفسه في اكساب السينما مكانة فنية محترمة. اما الجمهور العادي فقد قاوم هذه التقاليد الفنية مفضلاً عليها الافلام البوليسية التي بدأت تظهر في 1913 (وكان لمخبري الافلام البوليسية الالمانية دائماً اسماء انجليزية مثل هنري هيجز وستيوارت ويب). وكان الفيلم الالماني الوحيد في فترة ما قبل الحرب الذي نجح في اجتذاب العامة والمثقفين على السواء هو فيلم بول ويجز «طالب من براغ» (1912) الذي يصور قصة (تناسخ ارواح) معالجة باسلوب بصري سابق لأوانه الى حد ما، مبشراً بما سيكشف عنه صُناع الافلام الالمان في العشرينيات من ميل الى موضوعات الموت المفزعة والخوارق. اوجدت الحرب مثيرات هائلة للانتاج. فبينما كان الجمهور يزداد عدداً وطلباً على الافلام، ودور العرض الجديدة تنتشر عبر القطر كله، انقطعت المصادر الخارجية للأفلام التي كانت جارية قبل الحرب. بدأت الموجة الاولى من افلام الكراهية والدعاية السياسية وسرعان ما انداحت، فالجمهور الالماني، كغيره من جماهير البلاد التي في حالة حرب، بدأ يبحث عن مهرب من الواقع. غير ان السينما الالمانية، وحتى امام كل هذه المثيرات، لم تبد مقدرة كبيرة على الابتكار او الدافعية لخلق اسلوب قومي، وجاءت اكثر افلام فترة الحرب نجاحاً كوميديات فجّة ذات بكرتين تقليداً للكوميديات الفرنسية قبل الحرب. ومع تطور الحرب ادركت السلطات الالمانية بعمق مدى الاثار السلبية لافلام الدعاية المعادية لالمانيا في الخارج. كما ادرك رجال الصناعة مدى عجز السينما الوطنية فأنشأوا «شركة الصور الفوتوغرافية الالمانية» (يشار اليها اختصار باسم «دوليج»)، ثم في العام التالي 1917، «الصور وفن الفيلم «بوفا»» لانتاج افلام وثائقية حكومية وافلام للعرض بالجبهة. كما اوصى الجنرال لوندورف في العام نفسه بدمج شركات الافلام الرئيسية في مؤسسة واحدة، وهكذا ظهرت «مؤسسة يونيفرسم فيلم «اوفا»» التي قدمت الحكومة الالمانية ثلث رأسمالها. وبمهارة شديدة تصدت اوفا لمهمة رفع مستوى الفيلم واعادة تنظيم طرق الانتاج والتسويق. ومع هزيمة المانيا في نوفمبر 1918 آل امر ادارة اوفا الى البنك الالماني، لتبقى عملياً كما هي دون تغيير، وان صارت هنالك الان رغبة ملحة في جعل السينما الالمانية قادرة على الحياة تجارياً، وعلى تجميل صورة البلد الذي اصبح مكروهاً في العالم كله تقريباً. بالاضافة الى الدفعة القوية التي قدمها وجود اوفا كان هناك ايضاً الحماس الفكري والفني الذي صاحب الهياج السياسي في نهاية الحرب. حيث ازيحت كافة الآراء والمزاعم القديمة جانباً واستقبلت الآراء الطليعية بكل اشكالها وفي جميع مجالات الفنّ بترحيب شديد، وكانت التعبيرية هي الشعار المفضل. وانطلاقاً من التلهف لتواصل مع الناس العاديين بأكثر الطرق مباشرة، وضع تيار اليسار يده على السينما بوصفها فناً جديداً مثالياً ومثيراً. ويشير سيجفريد كراكوار في دراسته الشهيرة عن سيكولوجيا السينما الالمانية، الى ان ذلك الاحساس بالحرية كان قصير الامد، وان الثورة الالمانية كانت وهماً: انهياراً اكثر منها ثورة بالمعنى الايجابي.وفي اعقاب الغاء الرقابة جاء طوفان من افلام الجنس، التي كان رائدها وانجح مخرجيها شخصاً يدعى ريتشارد اوزوالد (1880 ـ ؟)، «ضباع الشهوة»، «انوثة رجل» (عن الشذوذ الجنسي)، افلام بعناوين كهذه واضح انها لم تكن ذات مستوى رفيع من الالتزام الاجتماعي. كما كان هناك رد فعل عنيف ضد هذه العروض، حتى قبل اعادة الرقابة في 1920، كالمظاهرات الشعبية المطالبة بمنعها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات