الجمعة 1 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 2 مايو 2003 بعد مضي نحو 35 عاما على افول الفيلم الموسيقي الغنائي او الاستعراضي في هوليوود، بعث فيلم «شيكاغو» الحياة في هذا النوع من الافلام، بفضل النجاح الفني والتجاري الكبير الذي حققه، فقد فاز هذا الفيلم بست من جوائز الاوسكار هذا العام، بينها جائزة افضل فيلم، واصبح بذلك اول فيلم استعراضي يفوز بتلك الجائزة منذ العام 1968، وحصد فيلم «شيكاغو» اكثر من 155 مليون دولار على شباك التذاكر في الولايات المتحدة حتى الآن واحتفظ بموقعه على قائمة الافلام العشرة الاولى التي تحقق اعلى الايرادات في دور السينما الاميركية على مدى اكثر من اربعة اشهر ويعرض الفيلم حاليا في 2400 من صالات العرض الاميركية وهذا الفيلم هو باكورة افلام المخرج المسرحي روب مارشال، وتتقاسم بطولته الممثلتان رينيه زديلويجير وكاترين زيتا جونز مع الممثل ريتشارد جير. ويواصل النجاح الذي حققه فيلم «شيكاغو» مشوار احياء الفيلم الاستعراضي الذي بدأه فيلم «الطاحونة الحمراء» قبل ذلك بعام وقد رشح هذا الفيلم في العام الماضي لثمان من جوائز الاوسكار، وكان اول فيلم استعراضي يرشح لتلك الجائزة لافضل فيلم منذ 22 عاما وفاز باثنتين من جوائز الاوسكار وهذا الفيلم من اخراج المخرج الاسترالي باز ليرمان وبطولة نيكول كيدمان وايوان مكجريجور. ويمثل فيلما «شيكاغو» و«الطاحونة الحمراء» نقلة نوعية في السعي لاحياء الفيلم الاستعراضي في هوليوود بعد اختفائه السريع في اواخر فترة الستينيات من القرن الماضي، وذلك رغم المحاولات التي تبذل من وقت لآخر لاحياء هذا النوع من الافلام وهي محاولات لم تتوقف على الاطلاق، ولو انها متفرقة وقد مني معظمها بالفشل على شباك التذاكر مما جعل المنتجين السينمائيين يترددون في انتاج الافلام الاستعراضية منذ مدة طويلة. ويتضح ان فيلمي «شيكاغو» و«الطاحونة الحمراء» يمثلان محاولة جادة وخلاقة لعودة الفيلم الاستعراضي الى هوليوود، فهما فيلمان ملحميان متميزان وهناك اوجه تشابه عديدة بين الفيلمين منها ان مخرجيهما كانا من مخرجي المسرح الغنائي المرموقين قبل تحولهما الى السينما وان معظم ابطال الفيلمين الذين قاموا باداء الغناء والرقص من الممثلين الذين ليست لديهم خبرة سابقة في الغناء والرقص، وان الفيلمين رشحا لجائزتي الاوسكار والكرات الذهبية وان قصتي الفيلمين مستوحتان من شخصيات واحداث تاريخية. وقد راقبت استديوهات هوليوود النجاح الذي حققه فيلما «شيكاغو» و«والطاحونة الحمراء» على الصعيدين الفني والتجاري باهتمام كبير قبل الشروع في انتاج المزيد من الافلام الاستعراضية، وقد اتخذ بعضها هذه الخطوة بالفعل ومن بين الافلام الاستعراضية الجديدة التي تمر بمراحل انتاج مختلفة فيلم «ايجار» المبني على مسرحية شهيرة بنفس العنوان للمخرج روب مارشال مخرج فيلم «شيكاغو» وفيلم «شبح الاوبرا» المبني على مسرحية شهيرة اخرى للمؤلف والموسيقار المسرحي البريطاني اندرو لويد ويبير، وفيلم «في الغابات» المبني على مسرحية للمؤلف والموسيقار المسرحي الاميركي ستيفين سوندهايم وقد رصدت لهذه الافلام ميزانيات ضخمة وهو شيء متوقع لمثل هذه الافلام التي ينفق عشرات الملايين من الدولارات على استعراضاتها الموسيقية الراقصة. ويعتقد على نطاق واسع ان البرامج الاستعراضية التلفزيونية الاميركية التي انتشرت شعبيتها في فترة الخمسينيات من القرن الماضي اسهمت في نهاية المطاف في القضاء على شعبية الافلام الاستعراضية التي انطلقت مع ميلاد الفيلم الناطق وانتشرت شعبيتها في عصر هوليوود الذهبي في عقدي الثلاثينيات والاربعينيات من القرن الماضي ثم بلغت تلك الشعبية ذروتها في فترة الخمسينيات قبل ان تختفي تدريجيا في اواخر فترة الستينيات ثم تتحول الى افلام خاسرة في معظمها منذ ذلك الوقت. وهناك تفسير آخر لاختفاء شعبية الافلام الاستعراضية في الولايات المتحدة، وهو ان الاجيال الجديدة من رواد دور السينما، الذين يشكل صغار السن غالبيتهم العظمى، لا يتقبلون فكرة انطلاق أغنية على لسان احد ممثلي الفيلم، لان ذلك يؤدي إلى قطع الانسياب الدرامي للفيلم بمجموعة من الاغاني، مما لايبدو طبيعياً أو منطقياً. وقد تفادى فيلم «شيكاغو» ذلك بانطلاق معظم اغانيه ورقصاته من مخيلة بطلة الفيلم، مما جعل تقديم الاستعراضات الموسيقية مقبولاً في السياق الدرامي للفيلم. وقد حاول عدد من اشهر مخرجي هيولوود منذ افول الفيلم الاستعراضي تقديم افلام من هذا النوع، الا ان تلك المحاولات منيت بالفشل. ومن اشهر الامثلة على ذلك فيلم «نيويورك نيويورك» «1977» للمخرج مارتن سكورسيزي ابرز المخرجين الاميركيين المعاصرين، وفيلم «نادي القطن» «1984» للمخرج الشهير فرانسس فورد كوبولا الذي تضم افلامه ثلاثية افلام «العراب». وقد منى هذان الفيلمان ضخما الانتاج بخسائر مالية جسيمة، حتى ان خسائر الفيلم الثاني ادت إلى اشهار افلاس شركة الانتاج السينمائي للمخرج فرانسس فورد كوبولا. كما قدم المخرج هيربرت روس عدداً من الافلام الاستعراضية التي جمعت بين الفشل وبعض النجاح، ومن افلامه الفاشلة على شباك التذاكر فيلم «وداعاً يا مستر تشيبس» «1969» و«السيدة المرحة» «1975» و«بنسات من السماء» «1981» الا انه حقق نجاحاً كبيراً في فيلم «نقطة تحول» «1977» الذي رشح لجائزة الاوسكار. وعند استعراض تاريخ الافلام الاستعراضية في هوليوود تتضح المكانة الكبيرة التي احتلتها هذه الافلام منذ ظهور الفيلم الناطق حتى افوله. وكان اول فيلم ناطق وهو فيلم «مغني الجاز» الذي صدر في العام 1927 فيلماً استعراضياً. وكان أول فيلم استعراضي يفوز بجائزة الاوسكار هو فيلم «لحن برودواي» الذي صدر في العام 1929. وقد ادى النجاح الكبير الذي حققه هذا الفيلم إلى تقديمه في فيلم معاد هو فيلم «فتاتان على برودواي» في العام 1940 وإلى انتاج ثلاثة افلام اخرى تحمل اسم «لحن برودواي» بين العامين 1936 و1940. وثبت الفيلم الاستعراضي مكانته في هوليوود في عصر هوليوود الذهبي في فترتي الثلاثينيات والاربعينيات من القرن الماضي، وكان استديو مترو ـ جولدوين ـ ماير سباقاً في تقديم هذا النوع السينمائي الذي جند له عدداً من اشهر نجوم الغناء والرقص والمخرجين والفنيين وانفق عليه بسخاء غير مسبوق، وكان من اشهر نجومه فريد استير وجين كيلي وجودي جارلاند وفرانك سيناترا وآن ميلر وسيد شاريز، وبين ابرز مخرجيه ستانلي دونين وفنسينت مانيلي وتشارلز واترز. كما ابلى استديو آر. كي. أو. بلاء حسناً في هذا المجال بفضل سلسلة من روائع الافلام الاستعراضية التي تألق فيها الراقصان فريد استير «قبل ان يتنقل إلى استديو مترو» وجنجر اللذين تقاسما بطولة عشرة من تلك الافلام. كما اسهمت استديوهات اخرى في هوليوود بعدد من الروائع السينمائية الاستعراضية في فترة الاربعينيات. وبلغت الافلام الاستعراضية ذروة نجاحها الفني والتجاري في فترة الخمسينيات في افلام مثل «اميركي في باريس» «1951» للمخرجين ستانلي دونين وجين كيلي الذي قام أيضاً ببطولة الفيلم مع مجموعة من مشاهير نجوم الرقص مثل سيد شاريز ودونالد اوكونر وديبي رينولدز وريتا مورينو، وفيلم «سبع عرائس لسبعة اشقاء» للمخرج ستانلي دونين ونجمي الغناء هوارد كيل وجين باول، وفيلم «جيجي» «1958» للمخرج فنسنت مانيلي ونجوم الغناء والرقص الفرنسيين ليزلي كارون وموريس شيفالييه ولوي جوردان. وقد فاز اثنان من هذه الافلام بجائزة الاوسكار لأفضل فيلم، هما «اميركي في باريس» و«جيجي»، ورشح فيلم «سبع عرائس لسبعة اشقاء» أيضاً للجائزة. اما فيلم «غناء تحت المطر» الذي يعد أفضل فيلم استعراضي في تاريخ السينما فإنه لم يرشح لجائزة الاوسكار لأفضل فيلم، بل رشح لجائزتي اوسكار اخريين، ويعد عدم ترشيح وفوز هذا الفيلم بجائزة الاوسكار من اكبر الهفوات في تاريخ جوائز الاوسكار. كما حاولت هوليوود في اواسط فترة الخمسينيات استغلال موجة موسيقى الروك ونجومها في افلامها الاستعراضية، ويكاد يكون الفيس بريسلي نجم اغاني الروك الوحيد الذي حققت افلامه شيئاً من النجاح. فقد قام ببطولة 33 فيلماً حقق معظمها نجاحاً على شباك التذاكر، ولكن لم يكن أي منها من الافلام المتميزة فنياً. واستعانت هوليوود بعدد كبير من نجوم اغاني الروك الآخرين في تلك الفترة، الا ان افلامهم كانت اقل نجاحاً، ومنهم ريكي نيلسون وبوبي دارين وفابيان وبات بون. وشهدت فترة الستينيات اكبر عدد للأفلام الاستعراضية التي فازت بجائزة الاوسكار لأفضل فيلم، وهي أربعة افلام، اي ضعفي العدد الذي تحقق خلال الثلاثينيات سنة السابقة، وهذه الافلام هي «قصة الحي الغربي» «1961» للمخرجين روبرت وايز وجيروم روبنز والممثلين ناتالي وود وريتشارد بيمير، و«سيدتي الجميلة» «1964» للمخرج جورج كيوكر والممثلين جورج هاريسون واودري هيبيرن، و«صوت الموسيقى» «1965» للمخرج روبرت وايز والممثلين جولي اندروز وكريستوفر بلامر، و«اوليفر» «1968» للمخرج البريطاني كارول ريد والممثلين رون مودي واوليفر ريد. والسؤال الذي يبقى الآن هو: هل ان الزخم الذي ولده فيلم «شيكاغو» ومن قبله فيلم «الطاحونة الحمراء» سيستمر لإعادة الفيلم الاستعراضي إلى امجاده السالفة ام ان نجاح هذين الفيلمين مجرد ظاهرة عابرة؟ العامان القادمان كفيلان بالاجابة عن هذا السؤال. كتب محمود الزواوي: