الثلاثاء 27 صفر 1424 هـ الموافق 29 ابريل 2003 تشهد الساحة الثقافية بالعاصمة الجزائرية هذه الأيام حدثا كبيرا بنزول فيلم جديد للمخرج مرزاق علواش بعنوان «شوشو» الى قاعات العرض التجارية. وكان الفيلم قد عرض في خمسمئة قاعة بفرنسا وسجل رقما كبيرا ببيع أكثر من مليون تذكرة حتى الآن. وقد حضر علواش المقيم منذ سنوات طويلة بفرنسا الى الجزائر للاشراف على انطلاق العروض ونشط مؤتمرات صحفية بالمناسبة. وأكد في تصريحاته أنه راض عن الاقبال سواء في فرنسا أو في الجزائر، وهذا عكس ما كان عليه الوضع حين أصدر فيلمه السابق عام 2001 حيث قاطعته الصحافة وكان اقبال الجمهور بالنتيجة ضئيلا. ويتناول فيلم «شوشو» موضوعا حساسا وجريئا في آن يرتبط كما هو الشأن بالنسبة لأعمال أخرى أنجزها في السنوات الماضية بالعلاقة بين ضفتي المتوسط، وجاء في مزيجا من الكوميديا والدراما الاجتماعية. ولعب دور البطولة فيه الممثل الفرنسي ذي الأصل المغربي «جاد المالح»، الذي يجسد دور شاب مخنث يحلم بالحياة في الغرب. وتنطلق الأحداث بوصول «شوشو» القادم من احدى دول المغرب العربي الى باريس متنكرا في زي تقليدي من اميركا اللاتينية. فيلجأ أولا الى كنيسة لاستعطاف الراهب والجمعيات الخيرية كلاجئ هرب من بطش ديكتاتور تشيلي الجنرال بينوشي . ورغم الطابع الكاريكاتوري للشخصية المنتحلة فان «شوشو» يحظى بعطف ومحبة كبيرين من الأب «ليون» الراهب الذي يجسد دوره الممثل الفرنسي «كلود براسور» فيأويه في الكنيسة ويجد له عملا لدى طبيبة محللة نفسانية. وبعد أن استلطف تلك الطبيبة يبوح لها بسره وحقيقة ميوله فتسمح له بأن يتحول الى امرأة أثناء عمله بعيادتها. وتشاء الصدف أن يلتقي «شوشو» بصديق مغاربي في حي «كليشي» الشهير بقلب باريس، وهو مخنث أيضا ويرافقه الى ملهى «ببلي» أين يشتغل قريبه «حميد» الذي تحول الى «فاليسا» كمغن دائم. وتمكن «شوشو» بعد هذه السهرة من الحصول على منصب عمل كنادلة في الملهى ويقع في جبها «سنتليسلاس» الذي يؤدي دوره الممثل والمخرج الفرنسي «آلان شابا». لكن أيام السعادة هذه لم تدم طويلا وما لبثت أن صارت جحيما بعدما اكتشف مفتش الشرطة «جريجوري» أمره وعلم أن النادلة رجل من المغرب العربي يقيم بفرنسا بطريقة غير شرعية. لقد كان الفيلم قصة انسانية مثيرة قريبة من الجمهور. ونجح الثنائي علواش وجاد المالح اللذان يشتركان في كتابة السيناريو في تقديم عمل كوميدي راق بعيد عن التهريج كما مررا رسائل لها علاقة بالواقع في المغرب العربي عموما وفي الجزائر على وجه الخصوص خاصة ما تعلق باللهث وراء الهجرة من جهة وصعوبة الاندماج في المجتمع الفرنسي وهي المفارقة التي حيرت المحللين منذ مدة طويلة. وحين سئل مرزاق علواش عن سر نجاح الفيلم لم يعط الموضوع أهمية كبيرة بل أثنى على الممثلين الكبار الذين شاركوا فيه ومنهم كلود براسور وآلان شابا والمغربي رشدي زام بالاضافة الى الحضور المتميز للممثل جاد المالح الذي سبق وأن تعامل مع علواش في فيلم «سلاما يا ابن العم». كما أثنى على التقنيات الراقية التي وفرها المنتج الفرنسي كريستيان فيشنر والتوزيع الجيد الذي قامت به الشركة الأميركية «وارنر بروس» التي يتعامل معها علواش للمرة الأولى في مشواره السينمائي. لقد استقطب الفيلم ولا يزال خلال عرضه بفرنسا جمهورا أوروبيا كبيرا ربما لجرأته في تناول موضوع يطرح للمرة الأولى بهذه الصيغة ولأنه أتى بجديد واضح ووظف جملة من العوامل النفسية والاجتماعية توظيفا ذكيا، لكنه جلب أيضا اهتمام الجالية المقيمة بفرنسا المنحدرة من أصول المغرب العربي بالرغم من أن الفيلم تتخلله الكثير من الأفكار التي يمكن اعتبارها جارحة للشخصية المغاربية والجزائرية خصوصا. ما يمكن قوله في الأخير أن فيلم «شوشو» الموجه بالدرجة الأولى للمشاهد الفرنسي والذي يحقق حتى الآن نجاحا منقطع النظير من الوجهة التجارية يشكل منعطفا كبيرا في حياة مرزاق علواش السينمائية، ويؤكد أن صاحب «باب الواد سيتي» و«الجزائر بيروت» وغيرها من العناوين الكبيرة غير وجهته الملتزمة الى أعمال تجارية سوقية ولم يعد ذلك المخرج المهموم بقضايا الوطن الأم الجزائر. ويكاد النقاد أن يجمعوا على أن الفيلم هو بمثابة اعلان عن ميلاد عقيدة سينمائية جديدة لدى المخرج علواش. الجزائر ـ مكتب «البيان»: