الاثنين 26 صفر 1424 هـ الموافق 28 ابريل 2003 منتجو الأفلام كانو ينتظرون نجاح الحملة العسكرية أكثر من أصحاب شركات السلاح والنفط والدواء! في مشهد النهاية من فيلم أمريكي يحل اسم (لا تراجع ولا استسلام)، ظهر بطل الفيلم الأمريكي ـ وهو مجرد شاب رشيق وسيم طموح ـ يقضي على منافسه الضخم الشرس الذي يجيد كل فنون القتال، وتصور الكاميرا الشاب البطل وهو يكيل اللكمات والضربات البارعة إلى خصمه العنيف إلى أن يسقط الثاني على أرض الحلبة وسط تصفيق الجمهور، وتقترب الكاميرا أكثر من وجه البطل المنهزم لتصور آثار (العلقة) الساخنة التي نالها على يد منافسه الصغير الوسيم، ويظهر في الكادر إلى جانب وجهه جزء من العلم السوفييتي الأحمر الشهير بما عليه من مطرقة وسندان وهو يسقط أيضا من الحلبة، تعبيرا عن الانهيار السريع للاتحاد السوفييتي وسقوط الشيوعية في العالم! ومنذ ذلك الحين، وجد منتجو أفلام هوليوود في الولايات المتحدة ضالتهم في أسواق روسيا والجمهوريات المستقلة عن الاتحاد السوفييتي السابق ودول أوروبا الشرقية لتسويق أفلامهم التي كانت راكدة إلى حد كبير في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، لتشهد صناعة السينما في فترة التسعينيات وأوائل الألفية رواجا وانتعاشا كبيرا بفضل الأرباح التي حققها منتجو السينما في هوليوود من وراء تصريف منتجاتهم في أسواق جديدة لم تكن أبوابها قد فتحت من قبل، وهذا ما مكنهم من الإنفاق بشكل جيد على إنتاج مزيد من الأفلام الجديدة، وفي هذه الفترة، قدمت هوليوود أجمل أفلام السينما الأمريكية منذ فترة الستينات الذهبية، ونجح المنتجون بفضل هذه الأموال في جذب أفضل نجوم السينما والغناء من مختلف أنحاء العالم إلى تمثيل أدوار البطولة في مزيد من الأفلام المثيرة التي حققت رواجا جماهيريا كبيرا على حساب الإنتاج الأوروبي، خاصة الفرنسي، فظهرت أفلام جان كلود فان دام البلجيكي الأصل وأرنولد شوارزينجر النمساوي الأصل، وظهرت نيكول كيدمان الأسترالية الأصل وأنطونيو بانديراس من إسبانيا، وراسل كرو من نيوزيلاندا، ثم بدأ الاتجاه إلى الوجوه اللاتينية فظهرت جنيفر لوبيز وغيرها، ثم إلى وجوه أبطال الألعاب القتالية من شرق آسيا مثل البطل الصيني جيت لي. وعقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر على الولايات المتحدة، تعرضت صناعة السينما لأزمة قوية ليس سببها فقط تراجع إنتاج الأفلام أو مرور العديد من الشركات والمنتجين بهزات مالية، ولكن هوليوود تعرضت لأزمة مصداقية في الأساس، حيث بدا واضحا أن دور الرجل الشجاع الفاضل للرئيس الأمريكي الذي لعبه النجم هاريسون فورد في فيلم اختطاف طائرة الرئيس (إير فورس وان) أو دور الرئيس في فيلم يوم الاستقلال (داي أوف إيندبندنس) يختلف كثيرا عن الدور الحقيقي الذي قام به الرئيس الأمريكي الفعلي جورج بوش خلال الهجمات عندما اختفى أو تم إخفاؤه في مكان غير معلوم لحين زوال الخطر!كما ظهر للمشاهد الأمريكي أن الشخصيات البطولية التي يشاهدها في الأفلام الأمريكية وخاصة تلك التي مثلها سلفستر ستالوني و شوارزينجر وبروس ويلز وكيفن كوستنر ما هي إلا محض خيال لم يتحقق منه شيء خلال هجمات سبتمبر التي ألقت الرعب في نفوس الأمريكيين، ممن ظنوا أن أبطال هؤلاء الأفلام يمكن أن يتدخلوا لإنقاذهم من المشاهد التي رأوها، وسادت بالتالي أحاسيس بعدم الأمان في الولايات المتحدة كلها. وجاء فيلم علامات أو (ساينز) للممثل ميل جيبسون ليعبر بواقعية وصراحة عن مشاعر الرعب التي يعيشها الأمريكي العادي داخل منزله خوفا من احتمال تعرضه في أي وقت لاعتداء على أمنه من جهة غير معلومة، من خلال قصة راهب معتزل يواجه هو وأفراد أسرته الصغيرة المقيمة في منزل ريفي خطر هجوم كائنات فضائية مجهولة الهوية أو المصدر، وبل ربما لم تظهر صورة أو ملامح هذه الكائنات بوضوح طوال الفيلم، ولم تفلح جهود بطل الفيلم وأفراد الأسرة في مقاومة العدو الخفي إلا عندما عادوا إلى التمسك بمشاعر الإيمان، وعاد البطل نفسه إلى حياة الرهبنة، وكان ذلك تعبيرا عن أن التدين هو الحل لكل ما يعانيه الأمريكيون من مشكلات، وجاءت هذه الدعوة مع بروز أفكار جورج بوش اليمينية النابعة أصلا من انتمائه للماثوديستيين المسيحيين المعروف عنهم شدة التدين إلى درجة يمكنهم معها تبرير القيام بأعمال كثيرة لنشر ما يعتقدون به. وجاء فيلم (علامات) في الفترة التي كانت فيه القوات الأمريكية على وشك الإفراغ من مهمته الرئيسية في أفغانستان ردا على هجمات سبتمبر، رغم أنها لم تكن قد ألقت القبض حتى ذلك الوقت على أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة أو الملا محمد عمر زعيم حركة طالبان، ولكن الفيلم كان قد بدأ عرضه في توقيت بدأ معه بوش وغيره من الساسة الأمريكيين الترويج للحملة العسكرية على العراق، تأكيدا لما ذكرته قصة الفيلم من ضرورة مواجهة العدو أينما كان بدلا من الانتظار لحين مجيئه! وإذا كان قد قيل إن شركات صناعة السلاح وصناعات الأدوية وشركات النفط الأمريكية تقف بقوة وراء الحرب ضد العراق، فإنه من غير المبالغة أن نقول إن شركات صناعة السينما في هوليوود كانت ـ ولا تزال أيضا ـ تعتبر أن حربا ناجحة في العراق ستكون كفيلة ليس فقط بترويج منتجاتها في مناطق جديدة من العالم، وإنما من شأنها إعادة المصداقية لشخصية البطل الأمريكي الذي لا يقهر، بل إن هذه الشركات تدعم أيضا فكرة التغيير إلى الديمقراطية في العالم العربي لأن ذلك من شأنه أيضا تحقيق أهدافها في هذا المجال! ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة