السبت 24 صفر 1424 هـ الموافق 26 ابريل 2003 نتواصل في هذه الحلقة من تاريخ السينما العالمية للمؤلف ديفيد روبنسون من حيث توقفنا في الحلقة الماضية عند اكتشاف سيوستروم لذاته، فقد عثر على المادة الخام الاكثر ملاءمة، له في روايات سيلما لاجرلوف التي كان «ميلها الى الاحلام والاحداث الخارقة للطبيعة يروق للعقلية الفنية المكتئبة نسبيا لسيو ستروم» ـ كما كتب المخرج الاسكندينافي كارل دراير. وقد أوحت اليه روايات لاجرلوف بفيلم «فتاة من مارش كروفت» 1917 وبثلاثية «ابناء انجمار» 1919 و«كارين» 1920 و«حافلة الاشباح» 1921.أما موريتس ستيللر «18831928» فلم يكن لديه على الأرجح ذلك الحس الشاعري الذي لدى سيوستروم، غير ان هذا المهاجر الروسي اليهودي «اسمه الاصلي ماوشا» قدم في افضل انتاجه افلاما تتسم بالحماس والطابع القومي السويدي شأنه شأن زميله الأكبر عمرا. في أول اعماله مع ماجنسون، «ام وابنة» 1912، قام ستيللر بكتابة السيناريو والاخراج والتمثيل. ثم جاء فيلمه الثاني «الأقنعة السوداء» 1912. مذهلا لصناع السينما نظرا لبراعته التقنية الفائقة، حيث كان ستيللر قد تشرب بنهم دروس أفلام جريفيث القصيرة والتي كانت متاحة في السويد بوفرة ذلك الوقت. وعلى مدار السنوات الست أو السبع التالية أسس ستيللر لنفسه وضعا باعتباره مخرجا متعدد الاهتمامات، وفي المقام الأول، مبدعا للكوميديا الاجتماعية الظريفة المركبة، ذلك المجال الذي لم يهتم به سيوستروم صاحب الموهبة الأميل الى الاكتئاب، وان كان قد أثبت انه ممثل كوميدي بارع في فيلم ستيللر العبقري والمعقد البناء «الفيلم الأول لتوماس جرال» 1917. النجاح الذي حققه هذا الفيلم جعل ستيللر يتبعه بجزء ثان هو «الطفل الأول لتوماس جرال» 1918. ولعل أشهر افلام ستيللر الكوميدية هو «خدثةشدز» 1920، رغم انه ليس في جودة سلسلة جرال او حتى فيلمه الاقدم «الحب والصحافة» 1916. في 1919 تطرق ستيللر لاول مرة لاحد موضوعات سيلما لاجرلوف، ليقدم «كنز هر أرن» ذلك الفيلم التاريخي الذي تدور أحداثه في القرن السادس عشر، والذي سيظل قمة أعماله، ببنائه المحكم وثراء أجوائه ودراميته. وقد عاد ستيللر بعد ذلك الى لاجرلوف والاسلوب الملحمي في «ملحمة جونار هيد» 1922 و«ملحمة جوستا بيرلينج» 1924». وقد كان الاصل الروائي لهذا العمل الاخير اطول واعقد من ان يفلح معه اي اعداد سينمائي، ولكنه لا يزال الى اليوم اشهر افلام ستيللر على الاطلاق حيث قدم فيه اكتشافه المثير.. جريتا جاربو، التي لم تكن قد ظهرت قبل هذا الفيلم سوى في عملين أحدهما دعائي عابر والاخر كوميديا قصيرة فجة. غير ان ما اتسم به اداؤها من هدوء غير عادي وتعبير داخلي متقن كان ولا يزال مميزا. كان لنموذج سيوستروم وستيللر تأثير مشجع على سينمائيين آخرين، مما جعل فترة الحرب وما بعدها مباشرة تسفر عن أعمال مثيرة للاعجاب لجون برونيوس «1884 ـ1937» وجوستا مولاندر «1888 ـ ؟»، ولكن لا هما ولا غيرهما من مخرجي هذه الفترة كان لديه من قوة الموهبة ما يدعم مكانة السينما السويدية على المستوى العالمي بعد رحيل سيوستروم وستيللر الى أميركا في بداية العشرينيات. الدانمارك بدأت صناعة السينما لديها في وقت مبكر عن السويد. حيث اسس المخرج المسرحي الاستعراضي «أول أولسين» في 1906 «شركة نورديسك للافلام» والتي ستظل صامدة لتصبح اليوم واحدة من اقدم المؤسسات السينمائية في العالم. وفي سنوات قلائل استطاعت نورديسك ان تحقق جماهيرية ملحوظة عبر أوروبا كلها. هذا النجاح كان أحد أسبابه دون شك الموضوعات المثيرة التي قدمتها الشركة كالدعارة والاجهاض، ولكن السبب الأهم كان جودة المواصفات التقنية والانتاجية. فكما هو الحال في السويد، كانت القصص تعد بعناية والتصوير يتم بمستوى عال، والافلام يجري تنفيذ معظمها في اماكن طبيعية مما ادى الى تمكن الممثلين، شأنهم شأن أقرانهم السويدين، من أساليب الاداء الطبيعية. من بين هولاء الممثلين برز اسمان اثرا تأثيرا ايجابيا قويا في تسويق الفيلم الدانماركي خارجيا: فالديمار سيلاندر، الممثل الوسيم المكتمل الرجولة وكأنه النموذج الاولى لفالنتينو، والذي استطاع ان يبني شهرة عالمية واسعة قبل ان ينتحر بسبب اضطراب نفسي في 1917، وأستا نيلسن.. اول نجم سينمائي بالمعنى الحقيقي. كانت استا ممثلة رقيقة ذكية، ذات ملامح فاتنة بشكل غير عادي، تزيدها سحرا مسحة تراجيدية خافتة وعينان واسعتان معبرتان، وكان طبيعيا ان تؤدي جماهيريتها الى زيادة مهولة في الطلب على الفيلم الدانماركي خلال سنوات ما قبل الحرب مباشرة.اخرج أول افلامها «الهاوية» 1910، اربان جاد «1879 ـ 1947» الذ يتزوجها واخرج جميع افلامها فيما بعد «ملكة فناني السينما ومعبودة الجماهير».. هكذا اعلن عنها في بريطانيا في 1913 الموزع الانجليزي ولتوردو، وهكذا كانت مكانتها في كثير من البلدان.كما حظي بالشهرة العالمية ذاتها تقريبا نجوم دانماركيون اخرون مثل كلارا بونتوبيدان وأولاف فونس، وواصلت نورديسك قيادتها للانتاج السينمائي الدانماركي وقدمت اعمالا شديدة الثراء والحرفية، منها افلام الخيال العلمي «اطلانطيس» 1913 و«سفينة السماء» 1916. كما قامت في الوقت نفسه، وعلى اثر نجاح نورديسك، شركات اخرى للانتاج السينمائي، مثل شركة «دانسك بايوجراف» التي أنتجت أول افلام المخرج البارز بنيامين كريستنسن «1879 ـ 1959» . بدأ كريستنسن حياته دارسا للطب ثم مغني أوبرا، ثم ممثلا و بائعا للخمور قبل ان يشرع في الكتابة للسينما في 1912. وفي العام التالي اصبح ممثلا ناجحا، كما اخرج اول افلامه «اكس الغامض»، وهو عمل ميلودرامي تميز في وقته بحيوية المونتاج وابتكارية الصورة. ثم اعقب ذلك في 1915 بفيلم «ليالي الانتقام» وفي 1922 بقمة اعماله «السحر عبر العصور» «انتاج السويد» الذي احيا فيه باسلوب وثائقي مدهش العديد من مظاهر الاشتغال بالسحر ومطاردة السحرة عبر التاريخ حتى الوقت المعاصر. كما كان هنالك مخرجون دانماركيون اخرون في تلك الفترة، مثل اوجست بلوم وهايلمار ديفيدسون وهولجر مادسن، أما ابرز اسماء السينما الدانماركية فيظل في كارل تيودور دراير «1889 ـ 1868». وقد استطاعت افلامه الصامتة ان تنفذ قدرا ولو بسيطا من شعبية الفيلم الدانماركي في السوق العالمي لعدة سنوات، حين كانت هذه تتلاشى ضائعة وسط المنافسة القادمة من هولي وود وألمانيا والسويد وعقب انهيار أسماء نيلسن وجاد وغيرهما خارجيا. وكان دراير قد بدأ حياته الفنية بكتابة السيناريوهات لشركة نورديسك في 1912، وفي 1919 دخل مجال الاخراج حيث قدم أول افلامه «الرئيس» ومع ميله الفطري الى التنقل، وتعذر شروط الانتاج المناسبة له بالدانمارك، فقد اخرج «أرملة القس» 1920 في السويد، «أحبوا بعضكم البعض » 1921، و«ميخائيل» 1924 في المانيا، «عروس جلومدال» 1925 في النرويج و«آلام جان دارك» 1928 في فرنسا. كما قدم في وطنه بين هذه الافلام التي انتجت بالخارج فيلمين صامتين اخرين «اوراق من كتاب الشيطان» 1919، وهو مستوحى من جريفيث عن عمل لماري كوريللي، و«سيد المنزل» 1925 الذي قدم فيه دراسة دقيقة ولاذعة للشخصية من خلال قصة تمرد زوجة على طغيان زوجها.