الجمعة 23 صفر 1424 هـ الموافق 25 ابريل 2003 تشير الدلائل التاريخية الى ان ظهور الحركة الغنائية الحقيقية في الامارات تعود الى حقبة الخمسينيات من القرن الماضي على يد مجموعة من الفنانين الذين وضعوا اللمسات الفنية التي تحاكي الاغنية الحقيقية وهي البداية التي شكلت العلاقة بين الشعراء والملحنين والفنانين، وكان من بين الفنانين الذي شكل الشخصية الفنية للأغنية الاماراتية بقالبها الحديث الفنان حارب حسن الذي جعل من اسلوبه واغانيه الشعبية قمة في الاداء والابداع وهو ما سهل للفنانين الآخرين طريقاً للتألق والخروج بمدرسة غنائية حديثة تجاوزت الحدود الى بلدان خليجية مجاورة للامارات كالسعودية والكويت والبحرين. وكان الفنان الشعبي علي بن روغة احد الفنانين الذين نهجوا الاسلوب نفسه، الذي ظهر عليه الفنان حارب حسن بل انه استفاد كثيراً من خبرة سابقيه وقدم حصيلة غنائية ثرية ارتبطت مع مرور الزمن بتراث الامارات واصبحت من سمة الغناء الخليجي خاصة وانه عمل على تطوير نفسه فأغنى حصيلته الفنية بكثير من الاعمال الغنائية المتميزة كما تميز بنبرات صوت قوية وبالتعامل مع شعراء كبار مثل سالم الجمري وثاني بن عبود وبن سوقات ويقال بأن صيته بلغ مكانة اكبر اذ احبه الناس ورأوا فيه الفنان الذي استطاع ان يترجم احاسيسهم ومشاعرهم العاطفية والوجدانية. والفنان علي بن روغة مع زملاء آخرين مثل الفنان محمد سهيل وسعيد سالم هم الذين برزوا واجادوا في الساحة الغنائية الاماراتية وظهرت على اكتافهم الاغنية الشعبية بل ان علي بن روغة سيطر على الساحة الغنائية منذ بداية الستينيات حتى منتصف السبعينيات وبعد ذلك قرر اعتزال الساحة الفنية بقناعة ولكن الاغنية الشعبية في الامارات بقيت في اوج عنفوانها الغنائي. التألق الفني ونحن نتناول فن وحياة هذا الفنان الذي ارتبطت اعماله بالتراث الاماراتي لابد من ذكر بعض المعوقات والصعوبات التي عاشها وغيره من الفنانين الاماراتيين مثل صعوبة التسجيل وعدم وجود الآلات الموسيقية او الوسائل الحديثة لتوثيق اعمالهم الغنائية، وكان البعض منهم يلجأ الى السفر والرحيل الى دول خليجية قريبة مثل السعودية والبحرين والكويت لتسجيل بعض الاعمال على ما كان يعرف سابقاً بـ «الاسطوانة الحجرية» واستطاع فنان مثل محمد سهيل من تأسيس مرحلة جديدة في حياته اثناء اقامته في السعودية والتي تمثلت في افتتاح محل للبيع والتسجيل وكما عرفنا فيما بعد انه وعندما عاد الى دبي افتتح له مكانا في احد الاحياء القديمة فيها وفي هذا المكان، الذي اصبح ملتقى لكثير من الشعراء والملحنين والفنانين، تواجد الفنان علي بن روغة. وقبل ان نغوص في جزء من عالم هذا الفنان لابد اولاً من الاشارة الى ان بن روغة ومن خلال ما قدمه من اغان ساهم في نشر قصائد الكثير من شعراء المنطقة ولكن بسبب توقفه واعتزاله وتوقف بيع اغانيه التي تم تسجيلها قديماً فقد اسهم ذلك في اختفاء كثير من اشعار الشعراء التي كان يرددها عامة الناس. الفنان والشاعر ربما العلاقة التي ارتبطت بين الفنان علي بن روغة والشاعر سالم الجمري هي التي مهدت لنشر المئات من القصائد العاطفية للجمري وغيره من الشعراء الذي غنى لهم بن روغة ولكن تبقى هذه العلاقة التي ربطت بين الاثنين من اهم الروابط واشهرها بل واكثرها انتاجاً، حيث اثمر هذا التعاون الفني عن نشر نحو المئات من القصائد الشعبية يقال ان بن روغة تغنى بها، والبداية كما ذكر الكثير ممن عاصروا الاثنين وايضاً ما احتواه كتاب «سالم الجمري حياته وقراءة في اشعاره» للمؤلف سلطان علي بخيت العميمي انها كانت في بداية الستينيات من القرن الماضي وكان التعارف في محل في دبي يحمل عنوان «هدى فون» وصاحبه محمد علي العماني وصدرت من هذا المحل معظم الاشرطة الغنائية التي جمعت لاحقاً بين الجمري وبن روغة، وهذا المحل ليس الوحيد بل سبق لنا وان ذكرنا محلاً آخر للفنان محمد سهيل «صوت الخليج» ومحل محمد بن كدفور المهيري في شارع سكة الخيل «نهضة الخليج العربي». ونعود الى لقاء الجمري وبن روغة حيث يروي الاول ان بن روغة كان ولداً صغيراً يضرب على العود ولهجته لهجة اهل الجزيرة الحمراء «رأس الخيمة» وكان حاضراً في محل العماني ويومها سألته هل تحفظ شيئاً من القصيد فأجاب: نعم قصيدة سعودية وطلبت منه ان يغنيها وفعلاً سمعت منه صوتاً جميلاً وكلما غنى اغنيته كانت اجمل من الاولى، وتمنيت له التوفيق والنجاح بل وتوقعت نجاحه في الخليج خاصة اذا غنى باللهجة البدوية. هذه البداية التي جمعت بين الاثنين ولكن الخلاف هو حول اول اغنية غناها بن روغة للشاعر سالم الجمري فهناك روايات تقول ان اول تعاون كان في اغنية «حارب الجمري منامه» ومن كلمات هذه القصيدة: حارب الجمري منامه بات يلعي والندامة ويل من قلبه متيم بين سلمى مع سلامه اسلبني من غواهن واشرفني في هوامه ليت من عايش معاهن في مساحة وفي مدامه وبحسب ما ذكر ان هذه القصيدة كتبت لابن روغة خصيصاً وفيها غلب الطابع الغنائي، لكن عندما نعود الى بداية التعارف وحين سمع الجمري بن روغة وهو يغني واعجب بصوته يقال بأنه طلب منه يغني «يا علي اعزف بصوت وغني لي» واذا تتبعنا بقية الكلمات فسوف نلاحظ انها جاءت بعد اكثر من لقاء بينهما فالجمري يصف بن روغة بصاحب الصوت الجميل والعزف الحنين وهنا يقول مخاطباً علي بن روغة وليس احد سواه. يا علي اعزف بصوت وغن لي وآنس فؤاد تراني مستهين كود همي من فؤادي ينجلي اطرب لصوتك وعزفك والحنين يا علي لي من عودك رن لي قلبي تذكر وهيضت الكنين بي وله بي حب خل عدملي ادعج العينين وضاح الجبين ومن القصائد التي شكلت ثنائياً بين فنان متألق وصاحب عزف جيد وصوت قوي وبين شاعر مبدع قصائد مثل «تريد الهوى» ليش هذا التجني، يا حبيب الروح خبرني، مشكور راعي الهدية، لي زاروني عشوية، ناح الحمام وشجاني، يا طير سلم على الحبيب، هب نسناس النسايم» وهناك العشرات من القصائد الجميلة والتي يصعب على المرء ذكرها جميعاً فهي من اجمل ما كتبه سالم الجمري وغناها علي بن روغة. وبسبب شهرتهما الواسعة التي تعدت الحدود ووصلت الى دول خليجية قريبة فقد طلب منهما تسجيل عشر اغان في جلسة واحدة ولم يطل الصباح الا وقد كتب الجمري عشر قصائد ولحنها وغناها علي بن روغة في خمس ساعات وكان هذا لصالح شركة «خالد فون» في قطر. وعندما كان يسأل الفنان بن روغة عن احب الاغاني الى نفسه والتي كتبها الجمري كان يردد أغنية من «ضميري دار دولاب المثل، شفت ظبي يا ملا ماله مثيل» وهذه الاغنية بحسب كلام بن روغة كانت النقلة الفنية التي غيرت من طريقتي في الغناء وزادت من الشهرة والتألق انها مرحلة لا تنسى ولكنها اصبحت من الذكريات الماضية. الروح الوطنية اتفق الجميع ان الفنان علي بن روغة شكل في بداية انطلاقته الفنية حتى اعتزاله مرحلة مهمة من الغناء الاماراتي بل انه ولشدة تعلقه بالاغنية الاماراتية اسهب في العطاء وتميز في الكم والكيف ولذلك وعندما شعر انه قدم الكثير في مجاله اراد ان يختلي بنفسه ويرتاح من عناء الحياة وفضل الابتعاد بل الاعتزال ومحاولة طي جزء من حياته، ولكن بن روغة كان ومع بداية دخول المنطقة مرحلة جديدة من الاتحاد قد شعر بمدى انجذابه نحو هذا المشروع الكبير لذلك قدم اغنية وطنية مطلعها: خذت الخبر من عند صوت الساحل والحمد لله اتحدت الشيخان والشعب راض بالتوافق واحد وطاب الفرح في قلب كل انسان وبهذه الاغنية الوطنية يكون بن روغة قد سجل معها البدايات الاولى للأغنية الوطنية في الامارات ولم تكن هذه الاغنية الوحيدة التي تغنى بها بن روغة للوطن بل تبعها بأغان اخرى. حدائق الشعراء يذكر ان الاغنية في الامارات بدأت من اربعة مواقع البادية والبحر والجبل والريف ولذلك كثر الشعراء في هذه المناطق وقدموا ابداعهم الثري كل بحسب ما يراه من جمال وطبيعة وعادات وتقاليد، ولكن الاكثر شهرة في هذه المناطق في جانب الابداع الفكري يكمن في الصحراء حيث امتزج شعر الصحراء بصوت الربابة لذلك خرجت مجموعة كبيرة من الاغاني الشعبية مع ايقاعاتها وموسيقاها النابعة من البيئة وحياة البادية، ما يهمنا هنا هو العلاقة الفنية التي ارتبطت مع الفنان علي بن روغة واذا كانت هناك حالة استثنائية مع الشاعر سالم الجمري الا انه استطاع ان يشكل نموذجاً آخر مع اكثر من شاعر ومنهم سلطان الشاعر المسرحي والفنان والذي بدأ حياته في كتابة اعمال مسرحية منها «الام» و«الشحفان» وهي سلسلة حلقات تناول فيها كثير من المشاهد ومن قصائده التي كتبها للفنان علي بن روغة «آه من ظبي لقيته، حي من لاقيت بعد العصر، صافي الخدين وجناته حمر» كما غنى للشاعر حمد بن سوقات «أبليت عمري في هواكم، ارعى نجوم الليل، آه انا ونيت، دار فكري يا ملا واطري، زرت خلي في غياهب الظلام، سمعت البلبل يغني، شجى قلبي تغاريد الحمام، كذلك تغنى من اشعار مانع سعيد العتية «البارحة يوم الدجى لاح، عجيب طبعه حبيبي، في انتظارك وارقب اخبارك وغيرها»، وللشاعر محمد بن سوقات اذكري ايام ماضينا، اسأل عنك الربا، الا يا من به القلب اشغلاني. وهناك الكثير من الشعراء والشاعرات الذي غنى لهم علي بن روغة حيث يصعب ذكر كافة الاغاني واسماء الشعراء ولكن من ابرزهم بالاضافة الى من ذكروا من قبل ثاني بن عبود، خليفة بن مترف، سهيل بن مبارك، احمد الكندي، فتاة العرب، محمد سعيد بالهلي، يعقوب الشامسي كما ذكر اسم الشاعر سيف سالم الخالدي الذي يقال بأنه كتب لابن روغة «نسيتونا حبايبنا» كما اشار البعض وبالذات ممن عاصر الفنان علي بن روغة انه استطاع كتابة اكثر من اغنية وذكرت عناوينها وهي «ابديت بألف وبا، زارني طيف الحبيب في المنام، على من صابني واحتل حالي، يا رسولي بالعجل شد الضعن، يا هلا بروح روحي، اما اغنية «آه من ظبي لقيته» فقد نسبها البعض له وهي كما ذكر لسلطان الشاعر، وغنى بن روغة ايضاً للشاعر راشد بن سالم السويدي المعروف باسم راشد الخضر وغيره من افاضل الشعراء في الامارات. الأغنية الاماراتية بهذه العجالة من حياة احد رواد الاغنية في الامارات والذي اسهم مع مجموعة كبيرة من الفنانين بداية من حارب حسن ومحمد عبدالرحيم ومحمد سهيل وسعيد سالم، او من الاجيال التي جاءت تباعاً مثل عبدالله بالخير وجابر جاسم وموزة سعيد وميحد حمد نكون قد سلطنا الضوء على الاغنية الشعبية والتي اسهمت الى حد ما في تأسيس ارضية قوية انطلق منها عدد كبير من الفنانين، وخلاصة الامر فإن الاغنية في الامارات قد نسجت خيوطها الشعرية والموسيقية على الشعر الشعبي والنبطي وعلى ايقاعات الحياة المختلفة والمتنوعة وهي بذلك تكون قد شكلت ثقافة شديدة المحلية والخصوصية ويقينا ان الاغنية الاماراتية استطاعت ان تخاطب الوجدان الشعبي وأصبحت افضل تعبير لما يحمله الانسان الاماراتي من قيم ومبادئ وعادات وتقاليد. ان تناول حياة الفنان علي بن روغة بعيداً عن التناول المباشر انما هي تنفيذا لرغبته الملحة في عدم تناول خصوصيته ولكن لا مفر امامنا من سرد مشواره وحياته الفنية مع عدد من الشعراء وخاصة الشاعر سالم الجمري الذي يعتبر احد المؤثرين في شخصية بن روغة الفنية. اعداد : جميل محسن