الخميس 22 صفر 1424 هـ الموافق 24 ابريل 2003 ينتمي الفنان السوري جهاد سعد إلى جيل الفنانين الذين بنوا خطواتهم الفنية بهدوء وصبر بعيداً عن الضجيج الإعلامي المفتعل وعن النجومية والشهرة البراقة، فبعد سنوات طويلة من العمل الفني يقف هذا الفنان في الصفوف الأولى مكتفيا بتقييم الجمهور مبتعداً عن الخلافات والمشاكل التي كثيرا ما نسمع عنها في الأوساط الفنية.. وفي هذا الحوار الخاص يتحدث جهاد سعد عن مسيرته الفنية وأعماله التلفزيونية والمسرحية وأدوار البطولة التي قدمها خلال هذا المشوار الحافل بالتعامل مع عشرات المخرجين ومن مدارس مختلفة لنصل أخيرا الى دوره المتميز في مسلسل «عمر الخيام» وموضوع الساعة وما يتعرض له الشعب العراقي من تدمير وهمجية. ولنتعرف معاً على دور الفن في خدمة القضايا الملحة والانسانية. ـ في البداية كيف ترى دور الفن في خدمة قضايانا العربية الملحة؟ ـ يبدو لي في كثير من الاحيان ان للفن أدواراً كثيرة متعددة تتجاوز دوره في الترفيه والامتاع والتثقيف، وهذا صحيح، لكن يجب الانتباه الى ان للفن دور تحريضياً في استثارة الهمم والتحريض على الطفل الايجابي المؤثر، فالأعمال التاريخية التي كثيرا ما نتحدث عنها بسلبية ونشير اليها بأصابع الاتهام بحجة انها تقدم جانباً أحاديا من حياتنا وتاريخنا، مع أنها تحمل الكثير من الاهمية في ذلك. فمن حق الفنان أن يقدم التاريخ من وجهة نظر محددة شرط أن تكون موضوعية فليست الأعمال الدرامية بالضرورة شريطاً مصوراً للتاريخ، أما بالنسبة لما حدث في العراق فأنا أقول أننا جميعاً مدعون للدفاع عن قضية وفضح كل اساليب الاستعمار الحديث والمعاصر بشتى السبل، قد نجد الأعمال الدرامية في ناحية، لكن لابد من المسيرات والمظاهرات والتعبير العلني عن الرفض بكل فئاته. ـ وهل ترى في مسيرة الشموع الصامتة رد فعل يكفي أمام ما يحدث يوميا؟ ـ بالتأكيد لا تكفي هذه المسيرة ولا العشرات منها لكنها في النهاية تعبير عن موقف وعن حالة رفض حضارية وإنسانية لما يحدث من انتهاكات ووحشية بحق شعب أعزل آمن، والمشكلة ان جميع ما يحدث يشير إلى العجز عن القيام بأي فعل وما يحدث لا يمكن وصفه إلا بالمسرحية السوداء المكتوبة بتشفي وحقد أسود. ـ من جهة اخرى هل ترى في «عمر الخيام» نموذجاً إنسانيا للتواصل بين الحضارات على اعتبار أنه عاش في نيسابور وتنقل بين مدن وأماكن كثيرة؟ ـ ربما لكن الخيام تعرض الى كثير من الظلم حتى أنه اتهم بالزندقة والكفر وحرقت كتبه وأعماله ولوحق وقد توفي وحيداً متشرداً، لذلك جاء مسسل «عمر الخيام» كوقفة حق وتبرئة لهذا العالم الرياضي والفلكي وصاحب الافكار والمقولات المهمة، بالاضافة الى رباعياته التي تفوق شهرته ومعرفتنا الحقيقية به. ـ لكن البعض تحدث عن الايقاع البطيء وعن اخطاء فنية كثيرة في المسلسل؟ ـ في العمل الفني لا مجال للكمال والصواب في جميع النواحي، لأننا في النهاية نقدم مادة درامية فنية وليست مادة تاريخية تحليلية توثيقية، هناك الكثير من الجوانب التي ركز عليها العمل الدرامي ولم ترق لجانب من الجمهور في الوقت الذي اعجبت وتابعها جانب آخر، أما بالنسبة للايقاع البطيء فلا أعتقد أن هذه الملاحظة في محلها خاصة وأن عدد حلقات المسلسل لم تتجاوز الثلاثين على عكس الأعمال التاريخية الأخرى التي تصل الى اكثر من جزء وربما راق للقائمين عليها تقديمها في اجزاء متعددة حتى ولو كانت لا تمت للتاريخ بصلة. ـ تقصد الأعمال التي سميت خطأ بالفنتازيا التاريخية؟ ـ لا أحب الحديث عن نوع محدد، لأن المسألة لا تتوقف عند هذا النوع أو ذاك لكنه في الأعمال التي ذكرتها هناك مساحة للتكرار والملاحظة أكثر على اعتبار أن الشخصيات تحافظ على نمط معين من المسار تتالى الأحدث والتفاصيل الدرامية، لكن يجب ألا ننسى أن هناك الكثير من الاعمال التاريخية وغير التاريخية التي كررت نفس الافكار والمقولات وإن كان بالتفاف بارع أحيانا وساذج في احيان أخرى، وبالنسبة لي لا يمكنني الحديث عن الفنتازيا لأنني شاركت بعدد لا بأس به منها وبالاخص في مسلسل «الكواسر» مع المخرج نجدت أنزور وفي مسلسل «الفوارس» وغيرها من الاعمال كما قدمت دوراً أعتز به في مسلسل «الزير سالم» وهو دور «امرء القيس ابن أبان» الذي يحمل الكثير من الصفات المتمثلة بالوفاء والحرص على العلاقات الإنسانية ونصرة القوم عند الشدة وعدم التخلي عنهم في أوقات الرخاء والشدة على حد سواء، برأيي أننا بحاجة الى الاعمال والأدوار التاريخية الايجابية أكثر من الأدوار السلبية خاصة وأننا نعيش في زمن كل ما فيه يوحي بالسلبية والسوداوية. ـ هل هي دعوة للأدوار الايجابية؟ ـ أبداً ولكنها دعوة للوقوف مع الحقيقة والتاريخ والعدالة الإنسانية، هناك الكثير من الجوانب المشرقة، خذ مثلاً تاريخ الأندلس من الممكن تناول الفترة الذهبية في هذا التاريخ، كما يمكن تناول فترة ملوك الطوائف وما تحمله من انقسامات وخلافات أضاعت الملك وفرقت الحضارة العربية في الآفاق، وفي النهاية ليس مهمة الفن التأريخ والتوثيق كما ذكرت. لكن من الممكن تناول الكثير من القضايا من جوانب متعددة مختلفة، وبالمناسبة الجمهور قد يتعاطف مع الأدوار الايجابية لدرجة كبيرة لكنه في النهاية تثيره الأدوار والشخصيات السلبية التي تتمادى في طغياتها وجبروتها لأنها في النهاية ستجد النهاية الطبيعية لها وهي الانحدار والخذلان وحساب التاريخ والإنسانية لها خاصة إذا ارتكبت حماقات ومساويء كثيرة بحق الناس. ـ وما رأيك بالقول أن المسرح يعبر عن تفاصيل هموم الناس بشكل أفضل من بقية الأنواع الدرامية الأخرى؟ ـ لا يمكن تعميم هذا القول ليشمل جميع ألوان الدراما من كوميديا وتراجيديا ومونودراما لكنه بالمقابل يستطيع الممثل علو خشبة المسرح أن يقدم فيض المشاعر الإنسانية والأحاسيس بدفق كبير من المصداقية مما يتيح له التواصل والتفاعل المباشر مع الجمهور المشدود والمتابع له أولاً بأول، لكناً من جهة اخرى يقدم التلفزيون والسينما بشكل خاص مساحات ابداعية أكثر من ناحية الامكانات التصويرية والابداعية والقدرة على التخييل وتقديم مشاهد ولقطات لا تستطيع التقنيات المسرحية الوصول اليها، وقبل ان تسألني عن أي الأنواع الفنية أقول بأنني مازالت حتى اليوم وحتى هذه اللحظة عاشقا أبدياً للمسرح بكل همومه وتفاصيله وتجلياته. ـ ولهذا السبب تفضل التغريد والتحليق «خارج السرب» كما في مسرحية الماغوط التي قدمتها منذ سنوات قليلة؟ ـ بطبيعتي أميل الى البحث عن كل جديد ومختلف سواء في المسرح أو السينما أو التلفزيون وأي ناقد متابع بشكل جيد لما قدمته في السنوات الماضية يكتشف أنني حاولت قدر المستطاع الابتعاد عن النمطية والتكرار وتقديمي لمسرحية الماغوط منذ سنوات قليلة كما ذكرت لا ينفي انني احاول التجديد في عملي والتجديد في أدواري لقناعتي الاكيدة بأن الممثل على الاخص بحاجة الى هذا الأمور أكثر من غيره حتى لا يصل الى مرحلة يكرر فيها نفسه. ـ لكنك متهم دائماً بأنك تكرر أداءك وخاصة المسرحي الى التلفزيون؟ ـ كثيرا ما سمعت هذا الاتهام وأنا اعرف جيداً أنها تصدر من ناقد واحد يدعي أنه يقيم أدائي بشكل جيد، لكنني بصراحة أقول يكفيني رأي الجمهور الذي لم ير في ادائي التلفزيوني اقترابا كبيرا من المسرح. ـ وهل هذا الجمهور شجعك على تقديم برنامج «خبرني يا طير»؟ ـ بالتأكيد خاصة وأن هذا البرنامج يحمل الكثير من الخصوصية الإنسانية والهم العام من خلال رسالته وهدفه في ايصال الأصوات الغائبة ولم اشمل، من هنا أشعر أن دور الفنان يتجاوز تقديم شخصيات وأدوار درامية فيه الكثير من الهموم الإنسانية، في برنامج «خبرني يا طير» مساحات إنسانية واسعة وقدرة على الدخول الى لواعج النفس البشرية وما تعنيه الغربة والبعد عن الأهل، وعندما طرحت فكرة البرنامج لأول مرة شعرت بالسعادة حين طلب مني المشاركة في هذا البرنامج ومن يتابع الحلقات يجد أننا في كل حلقة قدمنا أشياء جديدة غير مكررة. ـ وماذا عن تجربة تسلمك الادارة الفنية لاحدى شركات الانتاج السورية؟ ـ هذه التجربة كغيرها من التجارب، فيها الكثير من الخصوصية على اعتبار ان تجربة الادارة تختلف عن الجانب الابداعي والمهني، وعملي في هذه الشركة كان متعة لي على اعتبار اني احب الاطلاع على كافة تفاصيل العمل الدرامي وهمومه، هناك الكثير من الهموم والخفايا التي قد لا تبدو ظاهرية للمشاهد والمتابع العادي، لكنها في النهاية تؤثر على اداء الممثل وعلى العملية الانتاجية، واعترف انني لا اجيد الادارة بقدر ما اتوقع انني اجيد العمل الفني والمهني ولهذا السبب اشعر كثيرا بعدم القدرة على المزاوجة بين اكثر من عمل فني، احيانا تضطرني الظروف وضغط العمل الى تقديم دورين في وقت واحد، لكن لو كان الأمر بيدي ولا أسبب مشاكل لبقية زملائى الآخرين لما شاركت في اكثر من عمل واحد، الحياة والفن توأمان للروح ومن واجبنا ان ندرك ونعرف كيف نتعامل مع هذين التوأمين بمحبة وتفان وإخلاص. دمشق ـ أحمد أبوالحسن: