الثلاثاء 20 صفر 1424 هـ الموافق 22 ابريل 2003 يعد فيلم «الساعات» احد فيلمين نسائيين بين الافلام الخمسة التي تنافست على جائزة الاوسكار لافضل فيلم هذا العالم، والفيلم الآخر هو الفيلم الموسيقي «شيكاغو» الذي فاز بست جوائز بينها جائزة افضل فيلم، وتقوم بادوار البطولة ومعظم الادوار المساعدة في هذين الفيلمين ممثلات مرموقات معروفات بمقدرتهن في التمثيل، وبينهن اربع ممثلات رشحن لجائزتي الاوسكار المخصصتين للممثلات في ادوار رئيسة او مساعدة، بل ان فيلم «الساعات» يضم من المواهب النسائية ما لم يشهده اي فيلم انتجته هوليوود منذ اكثر من عشر سنوات. وقد احتل فيلم «الساعات» المركز الثالث في عدد الترشيحات بين الافلام المرشحة لجوائز الاوسكار هذا العام، فقد حصل على تسعة ترشيحات ضمت ست جوائز رئيسية هي جوائز افضل فيلم ومخرج وممثلة في دور رئيسي وممثل وممثلة في دورين مساعدين وسيناريو مقتبس، كما ان الفيلم رشح لجوائز الاوسكار للموسيقى التصويرية والمونتاج وتصميم الازياء وفاز الفيلم بجائزة افضل دور رئيسي تقوم به ممثلة التي منحت للممثلة نيكول كيدمان.يستند فيلم «الساعات» الى سيناريو للكاتب السينمائي ديفيد هير مبني على رواية شائعة حائزة على جائزة بيوليتزر للكاتب مايكل كنغهام مستلهمة بدورها من رواية «مسز دالوي» وهي واحدة من اشهر روايات الكاتبة البريطانية الشهيرة فرجينيا وولف التي انتهت حياتها بالانتحار في العام 1941. ويقدم فيلم «الساعات» قصصا متداخلة لثلاث نساء تقع في ازمنة واماكن مختلفة وتقع احداث كل منها في يوم واحد من حياة كل منهن ومحور القصص الثلاث هو شخصية «مسز دالوي» في الرواية الرابعة للمؤلفة فرجينيا وولف وتأثيرها على حياتهن وتقع احداث الجزء الاول من قصة الفيلم في يوم واحد من حياة الكاتبة فرجينيا وولف نفسها (الممثلة نيكول كيدمان) في بلدة ريتشموند البريطانية في العام 1923 حيث تعتكف في منزل ريفي بترتيب من قبل زوجها للتخفيف من حالة الاكتئاب الانتحاري التي تتعرض لها، فيما هي تعد لحفلة شاي لشقيقتها فينيسا (الممثلة ميراندا ريتشاردسون) كما تمر بفترة تأمل في حياتها الرتيبة وسط نوباتها الجنونية المتكررة وهي تستعد لتأليف روايتها الشهيرة «مسز دالوي». ويستعرض الجزء الثاني من فيلم «الساعات» يوما في حياة ربة بيت تدعى لورا براون (الممثلة جوليان مور) في مدينة لوس انجلوس في العام 1951، وتعكف هذه المرأة الحامل على اعداد كعكة مع ابنها الصغير لحفلة عيد ميلاد زوجها (الممثل جون رايلي)، ولكنها بعد ان تقرأ رواية «مسز دالوي» تبدأ في البحث عن ذاتها وعن معنى حياتها وتنتابها افكار الانتحار، الا انها تعيد النظر في ذلك وتغير رأيها. اما الجزء الثالث من فيلم: «الساعات» فيتعلق بيوم في حياة محررة ومراجعة كتب تدعى كلاريسا فون (الممثلة ميريل ستريب) في مدينة نيويورك في العام 2001، وتعكف هذه المرأة على الاعداد لحفلة تكريم لعشيقها السابق ريتشارد (الممثل ايد هاريس) وهو شاعر واديب منحرف جنسيا يعاني من حالة مميتة من مرض الايدز ويطلق عليها لقب «مسز دالوي» بسبب تأثرهما معا برواية الكاتبة فرجينيا وولف الا ان هذا الشاعر ـ الاديب يقدم على الانتحار، وبعد ان يتم الغاء الحفلة التي كانت ستقام على شرفه تلتقي محررة الكتب بوالدته التي يصورها كامرأة منتحرة في روايته الاخيرة، وتعيد النظر في حياتها الضائعة وتدرك ان تشبثها بعشيقها السابق كان يعود عليهما بالضرر اكثر من النفع. ويؤكد مخرج فيلم «الساعات» ستيفن دالدري على الترابط بين قصص النساء الثلاث باستخدام المونتاج المتداخل، حيث ينقلنا من مشهد في فترة زمنية معينة الى مشهد اخر في فترة اخرى بانسياب سلس، وينجح في تقديم ذلك دون ان يسبب اي ارباك للمشاهد. ويفعل المخرج ستيفين دالدري ذلك بمهارة فائقة حيث ينسج حياة النساء الثلاث في مطرزة غنية بالصور والألوان. ويستخدم اسلوب المقارنة لتعزيز التشابه بين شخصيات النساء الثلاث. اذ تقع كل من القصص الثلاث في يوم واحد، تماماً كما هو الحال بالنسبة لمسز دالوي في رواية الكاتبة فرجينيا وولف. كما ان التفكير في الانتحار يتكرر في القصص الثلاث، كما حدث مع مسز دالوي في الرواية الاصلية. كذلك الحال بالنسبة للنزعة الجنسية المزدوجة الاتجاه لدى بطلات القصة الثلاث ولدى «مسز دالوي». وتشترك النساء الثلاث ايضاً في احساسهن بالقلق وحاجتهن للتأمل في معنى حياتهن وفي الغرق في ضغوط هائلة يفرضها عليهن اشخاص اخرون.واخيراً فإن الموضوع الرئيسي لفيلم «الساعات» والذي يتكرر في قصص بطلاته الثلاث هو: ما معنى ان تحيا؟ فالنساء الثلاث يتصارعن مع هذه القضية. وتتشابك القصص الثلاث في طرح قضايا الحياة والموت والحب والفقدان وامكانية البقاء في الذاكرة وفي الادب. ومع ان شخصية «مسز دالوي» لا تظهر كاحدى شخصيات فيلم «الساعات»، الا ان لها وجوداً قوياً في قصة الفيلم، فهي تتحول الى شبح غير مرئي يلازم حياة النساء الثلاث اللاتي يعشن في ازمنة واماكن مختلفة. ورغم المقومات الفنية المتميزة العديدة لفيلم «الساعات»، فإن الفيلم يبلغ القمة في مجال التمثيل على ايدي بطلاته الرئيسيات وممثلاته وممثليه المساعدين الذين رشح ثلاثة منهم لجوائز الاوسكار. ويجمع الفيلم في ادواره الرئيسية ثلاثاً من اقدر ممثلات هوليوود، هن نيكول كيدمان وجوليان مور وميريل ستريب، الى جانب مجموعة من الممثلات القديرات في الادوار المساعدة مثل توني كوليت وميراندا ريتشاردسون واليسون جاني، وعدد من الممثلين الموهوبين مثل ايد هاريس وجون رايلي والطفل جاك روفيلو. ورغم تميز اداء بطلات الفيلم الثلاث اللاتي تستحق كل منهن الفوز بجائزة اوسكار، فإن تقمص الممثلة نيكول كيدمان لشخصية الكاتبة فرجينيا وولف اصبح من الادوار السينمائية النادرة التي لا تتكرر في هوليوود الا مرة كل عدة سنوات بسبب واقعية الاداء وما بذلته الممثلة نيكول كيدمان من جهود للاعداد لذلك الدور. فقد قامت بتحول تام لتجسيد شخصية فرجينيا وولف، بما في ذلك الانف الصناعي المعكوف الذي حل محل انفها الانيق والملابس الفضفاضة والشعر المنفوش والصوت الاجش باللهجة الانجليزية التقليدية. كما انها مارست لف السجاير كما فعلت فرجينيا وولف وتدربت على تقليد خطها باليد اليمنى بدلاً من اليد اليسرى التي تستخدمها نيكول كيدمان في الكتابة. كذلك قامت بالعيش في كوخ منعزل في احدى الغابات في ضواحي لندن طوال فترة تصوير مشاهد الجزء المتعلق بها من فيلم «الساعات» لكي تعيش الجو الذي عاشته الكاتبة فرجينيا وولف وواظبت خلال تلك الفترة على قراءة كتبها ومقالاتها، اي انها حاولت ان تعيش حياتها. وكانت النتيجة ان الممثلة نيكول كيدمان غاصت في اعماق دورها في تجسيد فرجينيا وولف، الى درجة ان الجمهور لم يتمكن من معرفة الممثلة التي ادت ذلك الدور في الاختبارات الاولية التي اجريت لعرض فيلم «الساعات». وقد كوفئت الممثلة نيكول كيدمان على ذلك بفوزها بجائزة الاوسكار وبجائزة الكرات الذهبية. ورغم تميز دور نيكول كيدمان في فيلم «الساعات» فهو لا يقلل بأي حال من براعة اداء الممثلتين جوليان مور وميريل ستريب في الفيلم. وقد رشحت الاولى عن دورها لجائزة الاوسكار لأفضل دور مساعد تقوم به ممثلة، في حين اثار عدم ترشيح الثانية لتلك الجائزة الكثير من الدهشة، علماً بأن ميريل ستريب، اقدر الممثلات الاميركيات المعاصرات، رشحت لجائزة الاوسكار عن دورها في فيلم اخر هو فيلم «اقتباس» وقد فازت عن هذا الدور بجائزة الكرات الذهبية.ويعود الفضل في المستوى الفني المتميز لفيلم «الساعات» في المحصلة النهائية الى المخرج ستيفين دالدري الذي تولى مسئولية اخراج فيلم طموح مبني على عمل ادبي معقد وتقع احداثه في ثلاثة عقود مختلفة. قد نجح في الربط بين قصص النساء الثلاث اللاتي تقترب كل منهن من مواجهة ازمة عصيبة في حياتها مع مرور «الساعات» في يوم حاسم من ايام حياتها، ثم تواجه كل منهن مشكلتها بنظرة واقعية للامور. ويبرز المخرج ستيفين دالدري المعاناة التي يتعرض لها الانسان العادي في حياته اليومية وفي صراعه مع نفسه على طريق البحث عن الذات. وقد نجح هذا المخرج في تسخير الموارد العديدة المتوفرة له، بما في ذلك السيناريو المتقن للفيلم والمواهب الفياضة لممثلة، لتقديم فيلم مميز يخاطب عقل المشاهد، ويثير فيه مشاعر الحزن والفرح اثناء مشاهدته، كما يثير لديه الكثير من الافكار والتأملات بعد مشاهدة الفيلم. كتب محمود الزواوي: