السبت 17 صفر 1424 هـ الموافق 19 ابريل 2003 في هذه الحلقة نتواصل مع الكاتب ديفيد روبنسون مؤلف كتاب تاريخ السينما العالمية حيث توقفنا عند أفلام فوياد وكيف ان التمثيل فيها كان سابقاً لعصره بكثير. كان فوياد، ببساطة وقبل كل شيء، مخرجاً عظيماً، غير انه يعتبر محافظاً حتى بالنسبة إلى عصره، فبعد جريفث وما قدمه في «التعصب» بوقت طويل ظل يتحاشى أساليب المونتاج الحديث، متمسكاً بالأساليب القديمة في بناء الفيلم من لوحات، مشاهد يتم تمثيلها بشكل مسرحي ليشاهدها المتفرج كما لو كانت على خشبة مسرح، يحكي القصة من خلال محتوى الصور اكثر مما يفعل عن طريق تركيب اللقطات، ولعل في هذا تفسيراً لأفول نجمه في فترة ما بعد جريفيث التي امتدت طويلاً، حيث كانت السيادة لعنصر المونتاج ولاعادة الاعتبار إليه ثانية في وقتنا هذا حين صار التركيز كما سنرى في الفصول المقبلة، ينصب على إخراجم المشهد واللقطة مرة ثانية، لقد كان فوياد يخطط لأفلامه بدقة غير عادية، والصورة عنده مليئة بالتفاصيل الدالة بدقة وايجاز، في مكانها وفي وقتها بأجمل وأنسب ما يمكن ان يعرف جيداً كيف يستخدم أبعاد الاطار كاملة، كيف ينشئ الحركة متى يفصح ومتى يخفي. وفي أماكن أخرى من أوروبا كانت هنالك اكتشافات فنية أيضاً، ففي روسيا على سبيل المثال وكما سنرى في الفصل القادم، كان المخرج المسرحي الكبير فيسفولد مييرهولد يتجه إلى السينما، ليصل إلى نتائج بعيدة المدى، كما كان المخرج الشاب ليف كوليشوف يضع الاساس لنظرية الفيلم، أما السينما الاسكندنافية فهي وحدها التي استطاعت تنمية تراث سينمائي بقي خلال فترة الحرب على مستوى ينافس انجازات السينما الاميركية. يرجع الفضل في وجود السينما السويدية وفي نجاحاتها الأولى بدرجة كبيرة إلى رجل واحد بعينه هو تشارلز ماجنسون (1878 ـ 1948) كان ماجنسون أحد رواد التصوير السينمائي السويديين ولذا استأجرته شركة بايو السويد في عام 1909 لادارة انتاجها، وهناك سرعان ماوجد معاوناً بارزاً هو جوليوس جاينزون احد قدامى مصوري الاخبار، كان ماجنسون يتحلى بصفات المنتج المتميز، وبالايمان بضرورة اعطاء المخرجين حرية الابداع كاملة، وكان أول انتاجه «أهالي فارملاند»(1910) من إخراج كارل انجدال، وهو أحد الممثلين البارزين ذلك الوقت، وقد دشن الفيلم تقليداً فنياً مثمراً، ألا وهو اعتماد الافلام على الفولكلور القومي والريفي، وفي 1912 انتقلت «بايو السويد» على اثر ازدهارها في ظل ادارة ماجنسون، من مدينة كريستيانستاد إلى العاصمة ستوكهولم. ثم بلغت انجازات ماجنسون والسينما السويدية ذروتها خلال الحرب الأوروبية وفي أعقابها مباشرة، حيث أعطى الموقف المحايد من الحرب للسويد ميزة على غيرها من البلاد المجاورة، في ذلك العصر الذهبي القصير تناول صانعو الافلام السويدون افكاراً أعمق كثيراً مما تناوله زملاؤهم في أي بلد آخر وحملوا كاميراتهم إلى خارج حدود ديكورات الاستوديوهات، وقد أدى العمل بمواقع في أحضان الطبيعة إلى اكساب السينما السويدية سمات خاصة: حس غنائي لم تكن السينما تعرفه انذاك، احساس بالدراما في موقع التصوير الخارجي ذاته، وبالانسان إذ يُرى مع خلفية من قوى الطبيعة وبما ينشأ بينه وبينهامن علاقات روحية، اضافة إلى اعتدال وواقعية في أداء الممثلين بعيداً عن أجواء الاستوديوهات المصطنعة. موريتس ستيللر وفيكتور سيو ستورم كلاهما بدأ حياته بالمسرح، وفي 1911 و 1912 التحقا بالعمل بشركة «بايو السويد» باعتبارهما ممثلين، ولد سيوستورم في 1879 وفي عمر التاسعة عشرة كان ممثلاً مشهوراً في البلدان الاسكندنافية كلها «ان ما دفعني لعمل الافلام كان رغبة غضة في المغامرة، وفضولاً لتجربة ذلك الفن الجديد الذي لم أكن أعرف عنهآنذاكأي شيء» مثل سيستورم وأخرج عدداً من الأفلام قبل ان يحقق نجاحه الملموس الأول في «انجبورج هولم» (1913) والفيلم بمثابة هجوم قاس ومأساوي على ضعف النظام القضائي في ذلك الوقت، وهو بالكاد يشير إلى ما سينجزه سيوستورم في المستقبل على صعيد تحرير الشاشة من سطوة المسرح والاستوديو، وان كانت أفلامه العشرون أو أكثر اللاحقة لم يتبق منها إلا أثر قليل فإن فيلمه «Terje vigen» (1917) يكشف عما تتصف به أعماله، في أفضل صورها، من سمات ملحمية وإيمان بوحدة الوجود، ولعل هذا الفيلم على وجه الخصوص يصلح مؤشراً على اكتشاف سيوستروم لذاته، لأنه رغم تردده في البداية في تقديم عمل سينمائي عن قصيدة لابسن إلا ان تغيرا مثيراً ما في احساسه هو دفعه لخوض التجربة في نهاية المطاف، وإن كان احساسه الصوفي بالطبيعة لم يزل واضحاً في فيلم لاحق «الخارج على القانون وزوجته» (1918).