الجمعة 16 صفر 1424 هـ الموافق 18 ابريل 2003 الفن في العراق عريق عراقة البلد نفسه، تاريخه وحضارته وفنونه ارتبطت بالإنسان منذ القدم، وعبر التاريخ قدم العراق المبدعين في كل مجالات الحياة، هنا نتناول جانب الفنون الموسيقية والذين ابدعوا فيها خاصة وان الفنان العراقي هو جزء من تاريخ العراق الممتد عبر الاف السنين، من ذاكرة الفن اليوم نلخص حياة فنان من بغداد من عراق الفن والابداع. ميلاد مبدع ولد الفنان سالم عبد الكريم في منطقة «راغبة خاتون» ببغداد العراق في 21/8/1953 ومنذ طفولته الاولى كانت الرغبة في دراسة الموسيقى هاجسه، وبسبب ظروفه العائلية والمجتمع المحافظ في بغداد في ذلك الوقت لم يستطع تلبية رغبته ولكنه ظل يفكر فيها حتى عام 1973 عندما بدأ دراسة الموسيقى دراسة جدية في«معهد الدراسات النغمية العراقي» الذي أنهاه عام 1978 وفي الوقت الذي كان يدرس الموسيقى كان ايضا يدرس الرياضيات في جامعة بغداد - كلية العلوم - قسم الرياضيات. دراسته الموسيقية بدأها في دراسة آلة العود في المعهد تحت إشراف استاذه روحي الخماش وأظهر سالم موهبة حقيقية وقدرات واعدة ظهرت جليا في أدائه المبكر خلال حفلات وأمسيات المعهد، وفي عام1976 وعندما كان سالم في الصف الرابع من دراسته في المعهد استطاع أن يرافق الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية لتقديم كونشيرتو العود والأوركسترا من ثلاث حركات في مقام ري الكبير من تأليف الأستاذ منذر جميل حافظ، وكانت هذه هي المرة الأولى التي تصاحب فيها الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية عازف عود لتقديم مثل هكذا عمل ولقد كانت هذه المناسبة نقطة مضيئة وبارزة في تاريخ العود. في عام 1978 قدم سالم أول كونسرت منفرد للعود في أنقره بتركيا في عام 1980 ورافق سالم الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية لتقديم تنويعات على لحن شعبي عراقي للمؤلف الموسيقي العراقي عبد الرزاق العزاوي وقد سجل ذلك العمل في التلفزيون العراقي في عزف حي، وفي العام1980 ذهب سالم في جولة فنية لتقديم كونشيرتو للعود شملت دولة الامارات وسلطنة عمان ومصر والبحرين وماليزيا ولندن وتركيا والمغرب، ومنذ ذلك الوقت إعتاد سالم أن يقدم أمسيات للعود المنفرد داخل وخارج العراق. الابتكار والتأليف ويمتلك سالم موهبة التلحين حيث قام عام 1982 بتسجيل لحنه الأول «يا حلم» وغنته الفنانة أنيتا، وقدم بعد ذلك أكثر من 60 لحنا، ونتيجة شهرته ونجاحه في تقديم اجمل الالحان كرم سالم بجائزة أفضل ملحن عراقي في عامي 1986و1987 وكان هذا التكريم دافعا له في إعادة خلق وتوزيع الكثير من الاغاني الفلكلورية العراقية، كما قام سالم بكتابة واحد من أفضل الكتب لتطوير القدرات التقنية لعازفي العود «دراسات لآلة العود» الجزء الأول 400 صفحة و100 دراسة للمستوى الأول والمتوسط، واضافة الى ذلك استطاع تمليك براءتا إختراع هما، الطريقة الجديدة في تدوين الموسيقى وتطبيقها، وجهاز تعليم المكفوفين القراءة والكتابة، كما امتاز سالم كمؤلف موسيقي موهوب، وفي هذا المجال قام بتأليف العديد من المؤلفات الموسيقة منها: 30 مؤلفا موسيقيا في صيغة سماعي، و60 أغنية، وأربع مؤلفات سيمفونية في صيغة القصيد السيمفوني «وطني، بغداد، إفتتاحية، من الشرق إلى الغرب» واكثر من 250 مؤلفا للعود المنفرد، بالاضافة الى مؤلفات بالعود المنفرد، والعديد من الاعمال والتوزيعات الأوركسترالية الموسيقية تدرج في اطار الاعمال الفلكلورية العراقية، وليس اخرها، التوزيع الأوركسترالي لأغاني معاصرة 12 أغنية للفنان كاظم الساهر . عمل سالم كرئيس لقسم الموسيقى العربية والشرقية في مدرسة الموسيقى والباليه ببغداد من عام 1976 حتى عام 1990، كما عمل كعميد لمعهد الدراسات النغمية العراقية ببغداد في الفترة من 1990- 1996، ومدير عام لشركة «صوت الفن للموسيقى» في أبو ظبي في الفترة من 1998- 2000، واخيرا تفرغ للعزف الانفرادي والتأليف الموسيقي . الروح الشرقية تميز سالم كعازف على العود وبامتلاكه أسلوبا مبهرا في التأليف والعزف على هذه الآلة، وهذا الأسلوب عرف به منذ عدة سنوات، ومن مظاهره النقاء الصوتي والتكنيك المتقدم المستند على فهم عميق للعود كآلة عربية وشرقية، وقد عمل سالم أسلوب دوزان للعود خاص به قام بتطويره على أساس رياضي وفيزيائي،الى جانب تطوير وتوسيع المدى الصوتي لآلة العود أفقيا و عموديا، هذا الى جانب المؤلفات الموسيقية التي كتبت أصلا لآلات أخرى مثل البيانو والقيثار أو الكمان أو لفرقه سيمفونية كبيرة، وقام بوضع وعمل الأعداد المناسبة للكثير من هذه القطع محافظا عليها ومنفذا لها على العود بأسلوب مبتكر ومثير وناجح جدا وقد قدم العديد منها في أمسياته المنفردة في العديد من دول العالم، من ناحية أخرى وضع سالم نصب عينيه أن يحافظ على الروح العربية والشرقية لآلة العود على الرغم من المستوى التقني والعزفي الذي طوره على آلة العود ولذلك إستطاع وبنجاح كبير أن يحقق إنجازا مبهرا . حنين بغداد منذ سنوات مضت وبالتحديد منذ عام 1978 تاريخ أول كونسرت عود، أثبت سالم أسلوبا متميزا وناجحا جدا في تقديم صورة جديدة لآلة العود من خلال امسياته المنفردة وإعداداته الجذابة للقطع الآلية بالاضافة إلى مؤلفاته الخاصة أو إرتجالاته الأخاذة، وبإختصار فإن أسلوبه في العزف على آلة العود يغطي مساحة واسعة من الموسيقى الكلاسيكية إلى المقام العراقي مرورا بالموسيقى العربية والتراثية والمعاصرة لعصور وثقافات ودول عديدة، لهذا ولعدة عوامل أخرى يعتبر سالم عبد الكريم الآن عازف العود المتفرد والمتميز ربما يكون الاول على العالم العربي وعلى مساحة تتجاوز وطننا الكبير. والموسيقي سالم عبد الكريم يقوم بتوزيع العديد من الالحان والمؤلفات الموسيقية حتى في زمن الالم والحزن فهو يعمل وله ارتباطات كثيرة بالشاعر العراقي كريم العراقي والفنان كاظم الساهر، اما في مجال التأسيس فقد اسسس الكثير من الفرق الموسيقية منها «رباعي العود 1980 وأوركسترا الرشيد السمفوني «42» عازفا 1986 وفرقة العود «48» عازف 1994 وفرقة الموسيقى والغناء الحديث «42» عازف، وفي هذا العام ألف كونشيرتو للعود والأوركسترا السمفوني في مقام فا الصغير بثلاث حركات وقد قام بتقديمه مع الفرقة السمفونية الوطنية العراقية تحت قيادة المايسترو محمد أمين عزت، ومن الابتكارات وتثبيت صيغة وقالب تأليفي جديد في الموسيقى العربية ابتكر نوعا من الموسيقى سماه «العقيد الآلي» حيث سعى لتقديم لوحة نغمية سماعية بواسطة آلة العود ضمن بناء خاص جديد تماما على الموسيقى العربية ومن هذه الصيغة ألف الأعمال التالية «ذكريات من بغداد، 1976، أندلس 1978، حنين 1985 العيون الخضر 1985، خواطر أندلسية 1993، خواطر عربية 1994، وداع بغداد 1996، خواطر عراقية بغداد 1996، مطر 1999، دقات قلب 1999، حسرة 2000، الجناح البعيد 2000، تحية من بعيد 2001، من كربلاء إلى الحصار،لي رغبة بالبكاء 2001. في العام 1992 وعندما كان سالم يشغل منصب عميد معهد الدراسات النغمية العراقي قام بتأليف «فرقة العود» وكان عددها أولا 28 عازفا وقد تطورت إلى 48 عازفا ثم إلى60عازفا وقد قدمت العديد من الأمسيات وشاركت في العديد من المهرجانات،ونطاق عمل الفرقة هو التراث الموسيقي العراقي والعربي والعالمي بأسلوب حديث وعلمي وقد قدم سالم في هذا المجال قائمة كبيرة من العطاء الموسيقي الجميل واستطاع ان يبرز جوانب الموسيقى العراقية في كثير من المحافل العربية والدولية، واخيرا يمكننا القول ان سالم عبدالكريم والذي يعيش بين ظهرانينا وقريب منا هو واحد من افضل عازفي العود وبشهادة الكثير هو الاستاذ البارع والموسيقي المثقف والمبدع الحالم، وهو في نفس الوقت الانسان العراقي الذي ينتظر حتى الساعة ظهور الصباح، صباح بغداد المشرق حلمه وحلمنا جميعا.