الاربعاء 14 صفر 1424 هـ الموافق 16 ابريل 2003 في السنوات الاخيرة بدا واضحا حرص الفنان السوري جمال سليمان على تقديم ادوار درامية تتسم بالغنى والنضوج والبعد عن الشخصيات البسيطة، خاصة وانه خريج المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق ويعرف جيدا أهمية تقديم الادوار المركبة في اغناء شخصية الممثل وأدواته الحقيقية. ولهذا السبب قدم النجم السوري المعروف العديد من الشخصيات الدرامية المهمة بدءا من مسلسل طرفة ابن العبد مرورا بالثريا وخان الحرير والفصول الاربعة وصولا الى الادوار التاريخية الاخيرة كدور صلاح الدين الايوبي وصقر قريش الذي فضل الحديث عنه باسهاب وهو يستعد لقراءة نصوص وادوار جديدة تضاف الى رصيده الابداعي والانساني. صقر قريش ـ بداية ما الذي شجعلك على تقديم شخصية صقر قريش السنة الماضية، هل حبك للاعمال التاريخية هو السبب يا ترى؟ ـ بالتأكيد فأنا لا انكر تعلقي بالادوار التاريخية وقد صرحت في اكثر من مناسبة ان الشخصية التاريخية تدفعني الى تقديم افضل ما لدي من أدوات تعبيرية، كما تحملني مسئولية القراءة والمطالعة لمعرفة ادق التفاصيل عنها، كذلك مسئولية ان اقدمها بطريقة قد لا تعجب الجمهور الذي رسم في مخيلته صورة قد تبدو مختلفة تماما عن الصورة والمشهدية التي اقدمها، وبالنسبة لشخصية «صقر قريش» فقد اتعبتني هذه الشخصية كثيرا لدرجة انني شعرت انها من اصعب الشخصيات التي قدمتها في حياتي من ناحية تقديم شخصية تاريخية معروفة كشخصية «صقر قريش» الذي استطاع الهرب من اعدائه والوصول الى الاندلس ليشكل دولة ذائعة الصيت، اعتقد اننا امام شخصية فريدة في سيرورتها وتعاملها مع الاخطار والاحداث التي مرت بها سواء على الصعيد الداخلية أو الخارجي. ـ هل تقصد صعوبات التنقل بين مشاهد التصوير ووضع عدسة خاصة في عينيك؟ ـ هذه احدى الصعاب التي لابد منها بالاضافة الى ركوب الخيل وحمل الاسلحة والتفاعل مع الحدث، كذلك الوصول الى اعماق الشخصية واقناع الجمهور بأنني فعلا اقدم شخصية هذا البطل التاريخي ان صح هذا التعبير، وللاسف كثير من الناس يرون ان الشخصيات التاريخية التي تقدم في التلفزيون او السينما تفقد الكثير من بريقها والسبب يعود الى ان الجمهور لا يمكنه الاقتناع بأن هؤلاء الابطال هم بشر مثلنا يضحكون ويبكون، يخافون ويجزعون، لذلك يجب ان نقدم كممثلين وفنانين انفعالات هؤلاء الابطال بعيدا عنه «موضة» التلميع التي راجت في الاعمال الدرامية العربية بشكل عام، ولهذا السبب ارى ان الصعوبات التي تواجه الممثل عندما يقرر تقديم شخصية تاريخية معنية تنبع بالدرجة الأولى من الجمهور الذي لابد من اقناعه اولا ومن ثم يمكن الدخول الى اعماق الشخصية وتفاصيلها فيما بعد. مشروعية العمل الفني ـ هل فكرت بهذه الطريقة عندما قدمت شخصية صلاح الدين الأيوبي؟ ـ طبعا وشخصية القائد التاريخي صلاح الدين الايوبي اصعب من شخصية «صقر قريش» من ناحية الصورة المتخيلة في اذهان الجمهور، فلم يصدق احد ان هذا القائد يمكن ان يجزع او يشعر بالخوف او ان يفكر بطريقة معينة او ان تنتابه الهواجس والقلق، كل ما يريده الجمهور ان يرى «صلاح الدين» محرر القدس بطريقة ظرفية فوق قدرات ومستوى البشر العاديين، في صلاح كانت مساحة الحرية والحركة بالنسبة للممثل محصورة وضيقة لدرجة كبيرة خاصة وان الجمهور يعرف عنه هذه الشخصية من الناحية الخارجية ولكنه بالتأكيد لا يعرف التفاصيل الدقيقة وكيف جرت الاحداث التي صنعت صلاح الدين في قتاله ودفاعه عن القدس الشريف ومقارعة الصليبيين الغزاة. ـ لكن المقارنة حدثت بينك وبين رشيد عساف في حينها؟ ـ هذا امر طبيعي ومفروغ منه، هناك عملان عن صلاح الدين لكاتبين مختلفين ومخرجين وممثلين ولابد ان يكون لدى الجمهور العربي الفضول لرؤية كيف عالج كل مسلسل شخصية واحدة.. انا هنا لا اريد ان اقيّم ادائي ولا اداء الزميل رشيد لكنني احب ان اشير فقط الى ان جمالية ومشروعية العمل الفني تكتسب من تقديم الافضل وما هو مناسب للشخصية بعيدا عن المقارنة، السطحية واساليب الخداع البصري والتكتيك الاخراجي الذي يعطي الاهمية الكبرى للصورة على حساب المضمون والتفصايل الداخلية. انزور لا يعجبه العجب ـ كأنك تعرض بأسلوبية نجدة انزور الاخراجية؟ ـ لم أسم احدا ولا اريد ان اكون طرفا في مهاترات اعلامية لا طائل منها، طول مسيرتي الفنية لم ادخل في مهاترات مع احد حتى عندما اختلفت مع بعض الزملاء على تفاصيل مهنية لم ادع الصحافة والاعلام تتدخل سلبا في هذه الامور لقناعتي ان الجمهور غير مطالب بالاستماع والاهتمام بمشاكلنا الصغيرة وراء الكواليس فما يهمه هو العمل الفني والتقنية الفنية التي يمكن ان نقدمها لهذا الجمهور وهذا العمل الفني بالذات، وما ذكره الاستاذ نجدة حول ادائي في مسلسل «صلاح الدين الايوبي» لا يمكن ان ارد عليه، لانني بت على قناعة اكيدة بأن الاستاذ نجدة يستعمل هذا الاسلوب للتغطية على فشل ما في اعماله فلا احد يعجبه بداية من أسامة أنور عكاشة الى اعمال هيثم حقي ومصطفى العقاد وصولا الى مسلسل أم كلثوم وصلاح الدين وربما صقر قريش، حتى علاقته مع الكاتب هاني السعدي لم تمنعه من الحديث عنه والتشهير به والهجوم عليه كلاميا بعد ان قدم له أهم الاعمال التي صنعت منه مخرجا عربيا معروفا، ربما تكون هذه هي المرة الاولى التي اتحدث فيها عن الاستاذ نجدة بهذه الطريقة لكنني بصراحة سئمت من اسلوبه في الدفاع عن اعماله التي دخل فيها «البزنس» لدرجة كبيرة وهجومه على أعمال الاخرين. ـ لكن هناك اعمالا فنية عربية وسورية دون المستوى المطلوب؟ ـ لا احد ينكر هذا الامر وهو امر طبيعي وضروري في الاعمال الدرامية، حتى هوليوود عاصمة السينما العالمية لديها افلام واعمال فنية هابطة مقارنة بالروائع التي تقدم ويتابعها الجمهور باهتمام وترقب.. ففي زحمة الاعمال الكثيرة وانا هنا اتحدث عن الاعمال الفنية العربية تحشر جميع الاعمال في شهر رمضان حيث السباق على عرضها وتسويقها وقبل ذلك انتاجها وتصويرها وحشد المشاهد المختلفة فيها واقناع الممثل بالتزامه في هذه الاعمال مع ضيق الوقت.. كل ذلك يؤدي الى ظهور بعض الاعمال دون المستوى المطلوب، لكن هذا لا يعني ابدا انه لا توجد اعمال درامية عربية جيدة على كافة الاصعدة. المتابعة قليلة ـ على هذا الاساس هل لفت نظرك مسلسل معين سواء عربي او سوري؟ ـ لا اريد التهرب من الاجابة، لكنني حقيقة لم استطع المتابعة الجيدة لأي عمل درامي عربي والسبب ببساطة انني بقيت حتى العشرين من شهر رمضان وانا منشغل في تصوير مشاهدي في مسلسل «صقر قريش» ولا يمكنني الحديث عنه اعمال لم اتابعها بشكل جيد. ـ من جهة اخرى هل انت راض عن المستوى الذي وصلت اليه الدراما السورية؟ ـ في النهاية اعتبر نفسي من ضمن طاقم هذه الدراما التي قدمت العديد منه الاعمال المهمة وذلك بشهادة الكثير من النقاد على مستوى الوطن العربي، وهذا إن دلّ على شيء فانه يدل على الجهد الواضح الذي تبذله هذه الدراما للوصول الى المشاهد العربي بطريقة ترضي تطلعاته وطموحاته، فلا يكفي ان نقدم عملا تاريخيا ناجحا حتى نستمر في تقديم سلسلة من الاعمال التاريخية على نفس المستوى والمنهج كذلك لا يمكن الاستمرار في موجة الاعمال الكوميدية الخفيفة بحجة الترويح عن المشاهد العربي الذي اصيب بالاكتئاب وهو يتابع بشكل يومي نشرات الاخبار، المسألة اكبر من ذلك بكثير فمن الضروري التنويع في المواضيع والافكار المطروحة كذلك الدخول الى اماكن اكثر قربا من روح المواطن العربي وهمومه. الفصول الأربعة ناجح ـ لهذا السبب غامر فريق مسلسل «الفصول الأربعة» في تقديم جزء ثان لم ينل المتابعة الجماهيرية المطلوبة؟ ـ لا اعتبرها مغامرة بالمطلق، وانما رغبة في تقديم افكار ورؤى جديدة وعميقة بنفس الوقت، وللحقيقة اقول ان حلقات الجزء الثاني ان صح هذا التعبير، فيها من العمق والغنى اكثر من الحلقات السابقة الاولى، لكن ربما زال عنصر الدهشة والفضول لدى متابعة الجزء الثاني او ربما لم تعد هذه المواضيع تثير رغبة المشاهد العربي في المتابعة وهذا حق مشروع له، لكن القول ان «الفصول الاربعة» عمل فني فاشل، كلام فيه كثير من الظلم والتجني على كاتبتين قدمتا لوحات شفيفة مرهفة فيها الكثير من تفاصيل الحياة اليومية والمشاكل التي تعترض النفس البشرية في افراحها واتراحها وهمومها الصغيرة، تماما كالفصول الاربعة التي تتغير فيها الاحوال لكنه يبقى الجوهر هو الاساس والهدف واحد وهو الطبيعة والانسان والحياة بمفهومها الكبير والواسع. ـ أخيرا.. هل ستقدم شخصية تاريخية في هذا الموسم خاصة وان المخرج حاتم علي يستعد لاخراج مسلسل جديد عن «سقوط غرناطة»؟ ـ اخبرني الاستاذ حاتم عن عمله الجديد الذي سيتناول سيرة عبدالله الصغير، اخر ملوك غرناطة، وقد بدأ الدكتور وليد سيف بالفعل بالكتابة الفعلية لهذا العمل الذي سيصور في اماكن مختلفة، لكنني حقيقة لا اعرف ان كنت سأشارك في هذا المسلسل الجديد، لدي العديد من النصوص الدرامية لا اجد الوقت الكافي لقراءتها كما لدي ميل للتنويع في الشخصيات التي اقدمها حتى ولو كانت بعيدة عن الشخصيات التاريخية، المهم ان اجد شخصية تستفزني من الداخل وتجعلني في حالة بحث عن تفاصيل هذه الشخصية ودوافعها الانسانية، ما يهمني حقيقة ان اترك للجمهور العربي وللذاكرة العربية شخصيات وأدوار فيها الكثير من الجدية والمصداقية الواقعية بعيدا عن المبالغة لأن الهدف هو رؤية الاحداث بمرآة الحقيقة. دمشق ـ احمد ابو الحسن: