الثلاثاء 13 صفر 1424 هـ الموافق 15 ابريل 2003 الصدفة وحدها كانت وراء نقل مسرحية في «عز الضهر» الى المسرح القومي بدلا من المسرح الحديث لتكون هذه هي المرة الثانية التي تستقبل فيها خشبة «القومي» عرضا من تأليف أسامة أنور عكاشة بعد النجاح الكبير الذي حققه العرض الأول «الناس اللي في الثالث»، فقد كان مقررا أن يقدم المسرح القومي مسرحية «الاسكافي ملكا» ليسري الجندي واخراج سمير العصفوري وتوقف المشروع مؤقتا بسبب الخلافات بين المؤلف والمخرج فلم تجد ادارة القومي مفرا من الاستعانة بعرض اخر لتقدمه ووقع الاختيار على عرض «في عز الضهر» من انتاج المسرح الحديث وتم الاتفاق بين محمود الألفي المدير الحالي للقومي والمدير السابق للحديث وشريف عبداللطيف مدير المسرح الحديث على نقل العرض فقط الى القومي على أن يتحمل المسرح الحديث تكلفة الانتاج وبالفعل تم نقل البروفات الى القومي حيث يقوم المخرج محمد عمر باجراء البروفات النهائية للمسرحية استعدادا لافتتاحها خلال أيام بعد أن قام مهندس الديكور أيمن أنور بتنفيذ ديكورات العرض كما انتهي أيضا الملحن عطية محمود من تسجيل الألحان الخاصة بالعرض. المسرحية بطولة سميحة أيوب في ثاني لقاء لها مع أسامة أنور عكاشة ومحمد عمر ويشاركها البطولة الفنان توفيق عبدالحميد في أول بطولة مطلقة له على المسرح القومي ومعهما الفنان القدير عمر الحريري وماجدة الخطيب وسلوى خطاب وسامي مغاوري ويوسف داوود وايفا وداليا مصطفى وفلك نور وعلى عبدالرحيم وحسن العدل وصبري عبدالمنعم. محاكمة جيل وعن تجربته الثانية مع مسرح الدولة يقول المؤلف أسامة أنور عكاشة: لقد تحمست بعد النجاح الذي حققته مسرحية «الناس اللي في الثالث» وقررت الافراج عن الأفكار التي كانت لدى ومحبوسة في الأدراج على الورق بسبب موقف الرقابة المتعنتة التي حدثت مع مسرحية «الناس اللي في الثالث» والتي استمرت ثماني سنوات، وعموما ففي هذه المسرحية أحاول التأكيد على مسئولية جيلنا في ضياع الجيل الجديد بعد أن فقدنا حريتنا وإنسانيتنا ولم ندافع حريتنا عن وجودنا فكانت النتيجة ضياع أولادنا أمام أعيننا «في عز الضهر» والعنوان هنا مقصود به أننا شركاء كجيل في هذا الضياع الذي تم في وضوح يشبه وضوح الرؤية «في عز الضهر» ولكننا بتخاذلنا وصمتنا شاركنا في الجريمة التي أرمز لها في العرض بغرق مجموعة الشباب في بحر الاسكندرية لتبدأ محاكمة المسئولين عن هذا الحادث. وعن اختيار أبطال العمل قال: انني كنت أشارك في الاختيار مع المخرج وادارة المسرح ولكن ترشيحي للفنانة سميحة أيوب كبطلة للعرض شبه مؤكد لأنني شعرت أن الدور مكتوب لها وعندما تشاهد العرض ستكتشف أنه من الصعب أن يسند لبطلة أخرى ولا يختلف اثنان على انها «معلمة» مسرح، وبالنسبة لبقية الأبطال فقد تركت للمخرج والادارة حرية الاختيار وكان رأيى استشاري فقط. وعن تقديم العرض على خشبة المسرح القومي قال أسامة: لا يهمني ان كان العرض سيقدم في المسرح القومي أو في شادر بالصعيد المهم عندي هو أن يخرج العرض الى النور ليراه الجمهور، أما المكان الذي سيقدم فيه فهذه مسئولية البيت الفني للمسرح. الواقع والخيال ويتحدث المخرج محمد عمر عن تجربته في التعامل مع 13 شخصية محورية في المسرحية وهو عدد كبير مقارنة بالعروض الأخرى فيقول: رغم صعوبة التجربة في التعامل مع هذا الكم سواء بالنسبة للترشيح أو في البروفات الا انني مستمتع بالتجربة وأشعر أنها تزيدني ثراء فكلما زاد العدد كلما زادت التفاعلات والصراعات وقد أراد المؤلف الذي أتعاون معه للمرة الثانية ان يكسر قاعدة البطل الفردي من خلال نص يقدم مسرح جماعي، وهو نفس اتجاهه في العرض الأول «الناس اللي في الثالث» وان كان قد توسع أكثر هذه المرة، وهذه النوعية من النصوص تحتاج لجهد كبير لكي تخرج الى النور ولعل أصعب مرحلة واجهتني هي مرحلة الترشيحات واختيار الممثلين التي استمرت حوالي شهرين وهي مرحلة أصعب من اخراج العرض نفسه. وعن رؤيته الاخراجية للنص يقول محمد عمر: أحاول تحقيق منهج أسامة أنور عكاشة في الكتابة برؤية تناسب النص الذي يمزج فيه بين الواقع والخيال، وهو مايسمى بالواقعية السحرية، وهذا الأسلوب يظهر بوضوح على مستوى الشخصيات والحوار حيث يركز أسامة على الصراع النفسي لكل شخصية وهذه الشخصيات تشبه الى حد كبير شخصيات تشيكوف، كما يركز أسامة على علاقة الشخصيات بالبحر حيث تدور الأحداث في ساحة يحيط بها مجموعة من البيوت القديمة بالاسكندرية ويستعرض من خلال هذه الساحة نماذج من البشر على مدار يوم وليلة، وتعتبر شخصية زينات التي تلعبها الفنانة القديرة سميحة أيوب هي الشخصية المحورية، فهي التي تمتلك البيوت المحيطة بالساحة وهي تقريبا شريكة في كل الأحداث التي تدور هناك وتربطها علاقات بمعظم الشخصيات، ولأن الأحداث كلها تدور في مكان وزمان محددين فقد فكرت في عمل رؤية جديدة على مستوى الصورة والتكنيك وعلاقة البحر كشخصية درامية بالنفوس التي تتصارع وساعدني في تنفيذ هذه الرؤية مهندس الديكور أيمن أنور الذي صمم بانوراما متحركة لمدينة الاسكندرية تغطي زمن اليوم الذي نرصده في الساحة وكان البحر من أهم لوحات هذه البانوراما المتحركة، كما تتحمل الموسيقى هنا مسئولية كبيرة في التعبير عن تفاصيل الحالة النفسية لكي موقف وشخصية وهي جزء من نسيج العمل والحوار غير المنطوق وقد استخدم الملحن عطية محمود الكورال والمجاميع لتجسيد البحر كشخصية داخل الأحداث. الهروب من الماضي وعن شخصية زينات تقول الفنانة سميحة أيوب أنها ترمز للواقع والحالة التي نعيشها ولأنها تحمل تراث مشبوه من العلاقات فإنها تسعى دائما لاخفائه والهروب من الماضي الذي يلاحقها وهي شريك أساسي في ضياع أكثر من جيل ممثلين في زوجها الذي اختفى في ظروف غامضة، وشقيقها المثقف الضائع وابنها المستهتر. وتضيف الفنانة سميحة أيوب أن هذه الشخصية رغم انها في ظاهرها تبدو وكأنها ليست جديدة على الا أن التفاصيل التي يرصدها أسامة مختلفة تماما. الفنان عمر الحريري يقول عن شخصية «الصول عرفة» التي يجسدها: انها رمز الانهزامية، فقد كان الصول عرفة بين الجنود الذين ذاقوا مرارة النكسة ولم يستطيعوا التخلص من هذه العقدة، وظلت حالة الانكسار هي المسيطرة عليهم، ويضيف الحريري قائلا أنه سعيد بعودته للوقوف على خشبة المسرح القومي بعد غياب 42 عاما في عرض جيد. شخصية جديدة أما الفنان توفيق عبدالحميد فيقول: هذه هي المرة الأولى التي أواجه فيه الجمهور بعد النجاح الذي حققته في مسلسلات رمضان ولذلك أشعر بمسئولية كبيرة وتوتر كلما اقترب موعد الافتتاح، وأنا هنا أجسد شخصية «صاصا» أو جابر أبوالوفا الرشيدي شقيق «زينات» وهو همزة الوصل بين الجيل الضائع السابق والجيل الحالي، وهو شاب جامعي متفوق أحبطته الظروف المحيطة فتحول الى عاطل ومدمن مخدرات يتسكع في الشوارع ويلهث وراء النساء محاولا نسيان الاحباطات المتتالية التي مر بها الا أنه أمام حادث غرق مجموعة من الشباب الذين يرمزون للجيل الضائع يستعيد قدراته على الصمود والمواجهة ويرفض الاستمرار في حالة الضياع. وهذه الشخصية جديدة تماما على أتمنى أن أوفق في تجسيدها. الفنان سامي مغاوري الذي يجسد شخصية «الأحمدي» يقول: هذه الشخصية نموذج لشريحة كبيرة من المجتمع اختارت الفلوس على حساب القيم الاجتماعية وهي أحد النماذج التي يحاكمها أسامة أنور عكاشة في مسرحيته، فالأحمدي تحول الى مجرد بنك يرسل الفلوس لأولاده من الخارج ويتخيل أن كل المشاكل يمكن حلها بالفلوس حتى علاقته بزوجته وأولاده، وقد تسبب الأحمدي في ضياع أسرته بعد فقد مشاعره ودوره الحقيقي في رعايتها والحفاظ عليها. القاهرة ـ محمد هشام: