الاحد 11 صفر 1424 هـ الموافق 13 ابريل 2003 يأخذنا كمال رمزي في كتابه نجوم السينما إلى عالم محمود مرسي الفني والسينمائي على وجه الخصوص حيث يقول ان محمود مرسي من الظواهر المدهشة في السينما العربية، فهو من أكثر الفنانين بعدا عن الأضواء، يرفض باصرار، اجراء أية حوارات صحافية معه، ولا يمكن أن تراه في حفلة أو افتتاح فيلم، ولم يظهر كضيف في أية برامج تلفزيونية. ومع بداية الارسال التلفزيوني سافر الى ايطاليا لتلقي تدريبات في الاخراج التلفزيوني باستديوهات التلفزيون في روما.. وعندما عاد قدم عدة تمثيليات، كما مارس الاخراج المسرحي، وقام بالتدريس في معهد السينما والفنون المسرحية، وترك أثرا عميقا في معظم طلبته سواء في جديته والتزامه الدقيق بمواعيد محاضراته، او في المنهج الذي كان يتبعه في التدريس. الى جانب التدريس، بدأ محمود مرسي العمل كممثل سينمائي.. وظهر لأول مرة في «أنا الهارب» لنيازي مصطفى 1962، حيث قام بدور سجين.. يخطط لهرب مجموعة من السجناء. والعام التالي 1963، شارك في فيلمي «المتمرد» لمحمود ذو الفقار و«الباب المفتوح» لبركات.. واذا كان الفيلم الأول، الهزيل اجمالا، الذي قامت ببطولته صباح مع أحمد مظهر، لم يحقق فيه محمود مرسي أية اضافات، بالنسبة لنفسه.. فان الفيلم الثاني، بموضوعه القوي، المعتمد على رواية للطيفة الزيات بالعنوان عينه، والذي يتابع نضال فتاة مصرية ـ فاتن حمامة ـ من أجل حريتها، وحرية الوطن في النصف الأول من الخمسينيات، أتاح لمحمود مرسي ان يتقدم خطوة للأمام.. فهو هنا يقوم بدور أستاذ فلسفة يريد أن يكسب قلب الفتاة مستغلا قوة شخصيته، وهي تلك القوة التي ستتجلى في أفلام تالية.. وأثار الفيلم ـ حينذاك ـ مناقشات طويلة وبينما كتبت احدى المجلات ان محمود مرسي اكتشاف عام 1963 الفني، كتب مجدي فهمي عنه، انه قام بدور الأستاذ الجامعي بطريقة مقنعة.. وتألق كما لم يتألق من قبل.. أنه كسب كبير للشاشة. والممثل، في افلام كمال الشيخ، قلما يصرخ، او يرتفع صوته، او يبالغ في اظهار الانفعالات.. لذلك فقد كان من المنطقي ان يصبح محمود مرسي بطلا لفيلمين من أهم أفلام كمال الشيخ «الليلة الأخيرة» 1963، و«الخائنة» 1966. لقد دفع محمود مرسي، بطريقته الخلاقة، الخاصة والمؤثرة، النقد السينمائي خطوة الى الأمام. في روايتي «السمان والخريف» و«الشحاذ» لنجيب محفوظ اللتين حققهما حسام الدين مصطفى على شاشة السينما عامي 1967، 1973، يقوم محمود مرسي بأداء دور البطلين، عيسى الدباغ، وعمر الحمزاوي.. وربما لم يصل الفيلمان الى مستوى الروايتين ولكن لا تزال اصداء صورة محمود مرسي باقية في الاذهان بفضل لمساته وقوة تعبيره، عن أزمة الشخصيتين.. واذا كانت الاحداث والحركة الخارجية للفيلمين، قد علاها ضباب النسيان فان بانوراما الانفعالات الداخلية، كما جسدها محمود مرسي، تتمتع بحضور لا شك فيه عند كل من شاهد الفيلمين. في «السمان والخريف» يطالعنا عيسى الدباغ، فارس الأيام الخوالي، رجل التظاهرات والهتافات، نجم السياسة اللامع، وقد أصبح، بعد الثورة، أحد رموز فساد الماضي.. وها هو، بعد عودته الى قصره اثر التحقيق معه، يتحرك وحيدا، ويسترجع كلمات الاتهام التي وجهت اليه.. ويشعرنا محمود مرسي، بفضل تفهمه الروحي لمشاعر الشخصية التي يتقمصها ان الكلمات تمزقه من الداخل، وان قلبه وعقله واحشاءه، انما تنزف دما وألما؟ وعندما يهرب الى الاسكندرية، يكون قد ازداد تدهورا.. وعلى الشاطئ في ظلام الليل، يتهالك نازفا المزيد من قواه الروحية وبعينيه اللتين لا يقوى على فتحهما، وبذراعيه الممدتين في اهمال الى جانبيه، يصبح نموذجا فريدا للانهيار المعنوي الكامل. وفي «الشحات» يقدم محمود مرسي صورا اخرى لمسيرة رجل ينسحب، يائسا من الحياة كلها.. وعلى الرغم من أن الفيلم لم يستطع ان يبرز أزمة بطله، الا ان محمود مرسي تدرج، في تخطيط متزن ومحكم، من الشعور بالملل الذي يعانيه «عمر الحمزاوي» حتى الاستسلام لليأس بعدما أصبح نهبا للشعور باللاجدوى! اذا كانت موجات الشك في «الخائنة» تكاد تتحول الى يقين بخيانة الزوجة فان بركان الريبة الذي انفجر في اعماق الريس مرسي ـ زوجتي والكلب لسعيد مرزوق 1971 ـ منع الهواجس في الاستقرار.. ففي جو العزلة، والحرمان ـ الذي يعيشه «الريس مرسي» في الفنار، لا يستطيع ان يوقف اندفاع خيالات خيانة زوجته الجميلة له.. ويعبر محمود مرسي بعيونه الزائغة، وشفتيه المرتجفتين عن طوفان الصور الذي يندلع داخل ذهنه.. ويجسد محمود مرسي عن أثر ألم ما، يحسه في قلبه، ويتجلى واضحا في اختلاج عضلات الوجه.. تعبير الانهاك الروحي. وفي تنويعة «عطيلية» أخرى، يقدم محمود مرسي دورا هائلا في «ليل وقضبان» لأشرف فهمي 1973، وهو هنا «ملك الغابة» بحق، أو على الأقل، من أشرس كائناتها: مأمور سجن لا تعرف الرحمة الى قلبه سبيلا.. وها هو «الملك» يرى بعينيه، من خلال فتحات خشب النافذة زوجته، في أحضان أحد مساجينه.. وتتجلى ثقافة «الأستاذ» وعلمه وموهبته، عندما يسيطر تماما على سبل الانفعالات الجارف الذي من الممكن ان يكتسح أي ممثل آخر. ان محمود مرسي، بتفهم كامل لأبعاد الشخصية التي يؤديها، اجتماعيا ونفسيا وخلقيا وجسمانيا، يتدرج في الانفعالات، متحولا بليونة من شعور لآخر، وفق منطق سليم وصحيح، ومن خلال لمسات أسلوب مميز وخاص. ان الذهول في البداية يرتسم في عينيه اللتين تملآن الشاشة، ثم تحل الحيرة مكان الذهول، ثم يحني رأسه في خزي خصوصا أنه أمام أحد معاونيه: الصول «توفيق الدقن».. وسرعان ما تمتد كفه لتسحب مسدسه من الجراب وللحظة لا يدري، ضد من سيستخدمه، ضد نفسه، أم ضد الخائنة والسجين.. وكنمر هده الاعياء يندفع نحو باب فيلته، لكن «الضبع» ـ الصول توفيق الدقن ـ يركع أمامه ممسكا بالمسدس طالبا منه التريث، فالزوجة والسجين لا يستحقان ان يدفع مستقبله ثمنا لموتهما.. ومن الواضح ان قائد السجن الأناني، كان يريد ان يستمع الى هذه الكلمات التي تقع في مناطق الموافقة، بل وتبدو كما لو كانت آتية من تلافيف عقله هو .. يقرر، بتخاذل، أن يلجأ في انتقامه، الى طريق آخر. قدم محمود مرسي ما يقرب من أربعين شخصية، بعضها يجسد الرقة في أكثر وأعمق صورها أثيرية وشعرية حيث تبدو في جمالها كما لو كانت «قوس قزح» حلما انسانيا حميما، تصل الى درجة النقاء الكامل في مسلسل «ابو العلا البشري» الذي كتبه اسامة انور عكاشة، مستوحيا شخصية «دون كيشوت» للاسباني سرفانتيس وأخرجه محمد فاضل بحس مرهف وفيه يخرج «البشري» محمود مرسي من بلدته الصغيرة، ذاهبا الى غابة القاهرة ويحاول بوداعته ان يروض وحوشها التي تريد باصرار، ان تفترسه وطول المسلسل لا ينسى محمود مرسي جوهر شخصية «ابو العلا البشري» الذي لا يعرف كيف يكره، او كيف ينتقم، وهو عندما يتألم جريحا فانما يتألم من اجل الذين أثخنوه بالجراح.. انه هنا الصفاء الانساني الكامل.