السبت 10صفر 1424 هـ الموافق 12 ابريل 2003 نتواصل في هذه الحلقة من كتاب تاريخ السينما العالمية مع مؤلفه ديفيد روبنسون حيث يأخذنا إلى مرحلة، بدأت فيها الجماهير تطالب بنوعية من الافلام يهربون من خلالها من واقع الحرب. ومن مجالات الانتاج التي ازدهرت في جميع البلدان المصنعة للافلام خلال فترة الحرب مجال المغامرات المسلسلة، والتي تمثل هروبا صرفا من الواقع. وكانت هذه النوعية قد نشأت في الاصل في فرنسا في 1908 حين قدم النحات وخبير المناظر التاريخية سابقا فيكتورين جاسيه سلسلة أفلامه الناجحة عن مغامرات «نيك كارتر»، والتي اتبعها بسلسلة «زايجومار» (1911) ثم «بروتييه» (1913).وقبل موت جاسيه نفسه كان نظام افلام السلاسل قد اصبح بالفعل بدعة سيارة. في 1909 كان هناك في بريطانيا مغامرات «الملازم روز». وفي 1912 قدمت شركة اديسون اول سلسلة اميركية «ماذا حدث لماري؟». وفي العام التالي ابتدأت شركة سيليج «مغامرات كاثلين» التي قامت ببطولتها كاثلين ويليامز مع مجموعة من الحيوانات تخصصت في عروضها هذه الشركة. من هذه النقطة تدفقت سلاسل الافلام الجيدة بكثافة وسرعة، وكانت البطولة في معظمها نسائية (لنجمات مثل ماري فوللر، نورما فيليبس، فلورانس لابادي، هيلين هولمز)، اما اشهر البطولات الرجالية القليلة للغاية فكانت للرياضي ايدي بولو. وكانت ملكة سلاسل افلام هولي وود بلا منازع (وان كانت معظم افلامها من انتاج باتيه. في نيويورك او باريس، واخراج الفرنسي لوي جاستيه) هي بيرل وايت، صاحبة اشهر هذه السلاسل، «اخطار بولين» (1914) و«بطولات إليان» (1915). كان لكل بلد سلاسله المحلية. قدمت المانيا «هوما نكيولوس»، سلسلة مغامرات لانسان خارق من صنع البشر، وايطاليا «تيجريس» وغيره، والنمسا «اللامرئيون»، وفي بريطانيا وفي اعقاب «الملازم شجاعة» قدم جورج بيرسون «اولتس». غير ان فرنسا هي التي وصلت بالسلسلة إلى مستوى الفن، في اعمال لوي فوياد، الذي يعتبره آلان ربسنيه صنوا لجريفيث، بما لديه من «موهبة شعرية فطرية نادرة، مكنته من تقديم السوربالية كما نتمناها». واغلب الظن ان فوياد كان ليفزع لو سمع هذا الرأي في اعماله، فالرجل لم يكن سوى صانع افلام تجارية متمرس وغزير الانتاج، طموحه الاساسي ان يجمع قدراً من المال يسمح له بالتقاعد في مكان مشمس مريح (وهو ما لم ينله، حيث مات في الثانية والخمسين من عمره عام 1925). لم يكن لفوياد اية دعاوى فنية، كما كان معارضاً لاصحاب الدعاوى الجمالية في السينما (وهو رأى تؤيده اجمالا النظرة التاريخية البعيدة على ما يبدو): «لن تحقق السينما مكانتها في يوم من الايام بفضل الباحثين المتعمقين، ولكن بجهود صناع الميلودراما، وانا بكل الرضا من اشد الناس اقتناعا بها». هكذا، وعلى ضوء رؤيته لنفسه، تبدو انجازات فوياد الفنية وكأنها عمل غير مقصود جاء ضد ارادته. ولد فوياد في 1873، وفي عام 1906 التحق بشركة جومون ليعمل سيناريست، بعد ان جرب الكتابة للصحافة وللمسرح. وفي العام التالي خلف آليس جاي بلاشيه، اول مخرجة في تاريخ السينما، رئيسا للانتاج باستوديوهات جومون. وخلال السنوات القلائل التي تلت اخرج مئات من الافلام المتنوعة تنوعا مذهلا. وفي 1911 حول فوياد اضطرار شركة جومون للتقشف والاقتصاد في الديكورات والملابس إلى انجاز فني، حيث اصدر بيانا قويا يدافع فيه عن اهمية واقعية السينما، وبدأ سلسلة افلامه «الحياة كما هي» التي تناولت موضوعات من الحياة الواقعية يمكن تصويرها بمواقع خارج الاستديو. وقد كشفت هذه الافلام لاول مرة عن موهبة فوياد الفريدة في تأمل مشاهد الحياة المعاصرة وتصويرها تصويرا حيا. هذه الموهبة هي التي اعطت سلاسل افلامه قيمتها الخاصة، وكانت اولى هذه السلاسل «فانتوماس» (1913 ـ 1914) المأخوذة عن مسلسلة روائية شعبية رخيصة لمارسيل آلان وبيير سوفيستر. وعقب «فانتوماس» قدم عشر حلقات من «مصاصو الدماء» (1915) تحكي معارك الشرطة الفرنسية مع الشريرة الجميلة ارما فيب. ولما آثار المتشددون من الجمهور الاعتراضات حول سوء تصوير الشرطة في الافلام قام فوياد، الذي كان ملتزما بالتقاليد في حياته العامة بقدر تفرده في خياله الفني، يجعل بطله التالي شخصية طيبة وسيمة في «جوديكس» (1917). ثم جاءت اثنتا عشرة حلقة من «المهمة الجديدة لجوديكس» (1918). و«تيه مين» (1918)، و«باراباس» (1920).ان الخاصية المتميزة لسلاسل فوياد هي «قدرتها على خلق الغموض والاثار الدرامية من اكثر عناصر الحياة اليومية عادية» كما يرى آلان ريسنيه. قصص جامحة في غرابتها وتطرفها، ابطال، اخيارا او اشرارا، لا يقهرون، نزعات ملائكية او شيطانية بلا مبرر واضح وكأنها شخصيات احدى الحواديت الخرافية. وغالبا ما كانت هذه الاحداث الخيالية في افلامه تبدأ من افكار عابرة لخياله الخصب ثم يتم تطويرها اثناء التصوير. مع كل هذا، ظل اطاره الزماني ثابتا لا تخطئه العين، باريس ,1914. برجالها ذوي القبعات المستديرة السوداء وسيداتها ذوات التنورات الطويلة، صالوناتها الانيقة، سياراتها بزواياها الناتئة من النحاس اللامع والماهوجني، وعمارة الفن الحديث. هذا التناقض ـ وامكانية ان تكشف راهبة مبتسمة بغتة عن وجه مجرم متوحش، ان ينقلب الواقع في اية لحظة إلى كابوس ـ انما يعطي افلام فوياد مذاقا شعريا خاصا، احبه السورياليون حبا شديدا فكانوا اول من ادرك الميزة الفريدة لافلامه.كان التمثيل في افلام فوياد سابقا لعصره بكثير. ان ممثليه معبرون ومنضبطون، طبيعيون في ادائهم، يتحركون بدقة راقصي الباليه محافظين على الدوام على تكوين الصورة. ان الجمال التشكيلي المجرد لجميع افلامه بأخذ اللب، لاشك ان ازياء الراقصين والعباءات التي يميل ابطاله واشراره إلى ارتدائها تساعد في هذا، الا ان فوياد كان يمتلك احساسا مذهلا بالتكوين والجو العام للصورة. كان لديه احساس بما في منظر ارض خراب يلفها الضباب على اطراف المدينة من غرابة وجمال، واحساس مواز لما في منظر سلم حلزوني او طوار مشجر او في بالوعات باريس واسطح منازلها من امكانيات درامية. وكان منهجه في تناول الجانب البصري لافلامه شديد التواضع مع هذا.. «كنا نريد صورا جميلة جيدة الاضاءة، رائقة.. ان افضل تصوير هو ذلك الاكثر اقناعا لمن يشاهده».