الخميس 8 صفر 1424 هـ الموافق 10 ابريل 2003 تذوق الموسيقى منذ صغره ونهل من كتبها في شبابه واصبح خبيراً بشئونها في كبره، جمع بين الفلسفة والموسيقى ثم درس الاولى في بلاد الهلال الخصيب والثانية في ارض الكنانة. الفنان اليمني جابر علي احمد تم اختياره في عام 1985م لعضوية المكتب التنفيذي للمجمع العربي للموسيقى، صدر له كتاب «حاضر الفن في اليمن» ويشغل حالياً مديراً لمركز التراث الموسيقي اليمني بصنعاء، قال في حواره مع «البيان» ان الاغنية الوطنية لم تغب فقط بل غاب الغناء الجاد عموماً، وان الفنان غائب اليوم عن كافة المعارك. الصحيفة التقت الفنان جابر علي في صنعاء وخرجت بهذا الحوار. ـ من هو الفنان جابر علي احمد؟ ـ ولدت في الحديدة ودرست في مدارسها، بعد الثانوية درست الفلسفة في جامعة دمشق والموسيقى في القاهرة وبعد التخرج اصبحت قائداً للفرقة الموسيقية في الحديدة، وفي عام 1985م ركزت اهتمامي على موسيقى الاطفال ومازلت مدرساً لمادة التربية الموسيقية في المدارس الاهلية وفي نفس العام اصبحت عضواً في المجلس التنفيذي للمجمع العربي للموسيقى، واشغل حاليا مدير عام التراث الموسيقى اليمني. ـ عن بداية مزاولتك او تعلقك بالموسيقى: ماذا تقول؟ ـ عندما زاولت الموسيقى في الابتدائية، لقيت رعاية خاصة من مدير المدرسة حسن جمالي، كما ان اخي الاكبر كان يحفظ كثيراً من اغاني التراث وعلمني مبادئ العزف على العود منذ السنة الرابعة ابتدائي وكنت كلما الاحظ اعجاب زملائي الطلبة بغنائى ازداد تعلقاً بفن الموسيقى. ـ هل هناك صعوبات واجهتها في حياتك الفنية؟ ـ الصعوبات ليس لها حصر وبالذات في المجال الفني، ويمكن التوقف عند ظاهرة واقع الفن اليوم، وهذا امر يقوض كثيراً من المشاريع الابداعية الفردية، وانا واحد من الذين يشعرون الان بأن الابداع الموسيقي والفني بشكل عام يفتقر الى اهم وابسط مرتكزاته الاساسية، ومع هذا لا يسع المرء الا ان يستمر في الحياة ويجاهد فيها على امل ان تأتي اللحظة المؤدية الى انتعاش حركة فنية حقيقية. ـ ذكرت ان اهتماماتك بدأت بالاطفال، كيف تقيس تقبلهم للموسيقى؟ ـ الاطفال في بلادنا يستجيبون على نحو فعال مع التربية الموسيقية وخاصة في مجال الاغاني، حيث يجد الطفل فيها ما يلبي حاجاته الضرورية، وهنا يعتمد على نوع التربية عموماً وعلى استقلالية العلاقة الايجابية بين الطفل والموسيقى لتنمية مداركه ومعارفه واحساسه والاسهام في تكوينه الشخصي بشكل متوازن. ـ هل صنعت هذه التربية مواهب واعدة؟ ـ في اليمن يوجد كثير من المواهب الموسيقية غير انها تتوارى وتموت قبل ان ترى النور وان ظهرت تجد نفسها في دوامة غنائية لا ترى في الموسيقى سوى وسيلة للكسب فقط، لهذا فإن الحديث عن تطوير الفن هو حديث عن مشروع ابداعي كبير يبدأ من البيت فالمدرسة ثم الحياة برمتها. ـ هذا المشروع الابداعي كان كما يبدو قائماً في السبعينيات والثمانينيات؟ ـ هذه اشارة صحيحة لكن هذا المشروع تعرض لانتكاسة هائلة، وهناك جملة من الاسباب اوجزها في فشل مشاريع التنمية عموماً في بلادنا وهو الفشل الذي انعكس بشكل حاد على الحياة الموسيقية، ربما لأنها عصب ثقافي حساس للغاية. ـ برأيك ما دور الفنان في معركة اليوم؟ ـ الساحة الثقافية العربية تفتقد الى فنان مدرك لدوره، تزدحم فيها نجوم غنائية لا يهمها من الانتاج الغنائي الا المردود المالي وذلك وفق آلية السوق التي من الواضح انها تنعكس سلباً على الحياة الغنائية، ولهذا فقد تغيب الفنان العربي عن دوره في كافة المعارك التي تواجه الامة، ليس فقط المعارك السياسية والعسكرية وانما كافة المعارك التي يفرضها عالم اليوم. ـ بحكم تخصصك الاكاديمي، كيف تقيم الالوان الغنائية الحضرمي والصنعاني واللحجي؟ ـ هذه التقسيمات لم تكن دقيقة لعدم اعتمادها على منهجية موسيقية، لقد خرجت من اوساط صحفية ويبدو انها استسلمت لمناخ سياسي وفكري ساد ابان فترة الاستعمار البريطاني في الجنوب، حيث يلاحظ ان هذه المصطلحات شاعت اكثر في هذه المناطق، ثم ان اليمن استقبل ابتداء من النصف الاول من القرن الفائت تيارات تجديدية غنائية تأثرت بشكل او بآخر بما كان يعتمل في الحياة الفنية في مصر وبعض بقاع اوروبية. ـ وماذا عن المقامات؟ ـ من واقع البنى اللحنية للغناء اليمني يتبين انها تتضمن طائفة من المقامات التي تلتقي في بعضها مع الدوائر المقامية العربية، بيد انها تتمايز بكونها تحتوي على تفاصيل خاصة وبالذات فيما يتعلق بطبيعة المسافات، حيث ان بعض المقامات تزيد فيها بعض الدرجات وتنقص في بعضها الاخر مما يجعل لألحان الغناء اليمني مذاقاً خاصاً. وهناك مقامات شائعة الاستخدام في الغناء التقليدي اليمني كمقام السيكة ومقام الحسيني، كما يقل استخدام المقامات ذات الابعاد الكبيرة والصغيرة كمقام العجم والنهاوند. ـ والايقاعات؟ ـ من الناحية الايقاعية يتميز الغناء التقليدي اليمني بتراكيب طروبية وبمصطلحات خاصة، تماماً، كما يجري في البلدان العربية الاخرى، عندنا مصطلح الدسعة الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، اما في الغناء الشعبي اليمني فهناك طائفة من المصطلحات الايقاعية التي يعتبر بعضها معلوماً وكثيرها مجهولاً بانتظار المسوحات الميدانية التي من شأنها اماطة اللثام عن هذا المخزون الفني الغزير. ـ لماذا غابت الاغنية الوطنية الحماسية برأيك؟ ـ لم تغب الاغنية الوطنية فقط وانما غاب الغناء الجاد عموماً. ـ ما هي الاسباب؟ ـ هناك احتكار شركات الانتاج الغنائي للنشاط الفني وما يترتب عليه من التقيد بآلية العرض والطلب في هذا الشأن. ونظرة الى خارطة الغناء العربي تؤكد ان المزاج العام قد تبرمج على نحو قاد ويقود الى حالة من تدني الذوق العام، الامر الذي جعل الطلب يتمحور فقط حول الاغاني المبتذلة، كما هناك غياب للمؤسسات الثقافية والاعلامية والتربوية في اشاعة ثقافة موسيقية حقيقية تشكل على الاقل خطاً دفاعاً معنوياً يحد من انتشار هذا التلوث الموسيقي الذي تحمل لواءه شركات الانتاج الخاصة. ـ برأيك هل انتقل هذا التلوث الى الفيديو كليب؟ ـ يبدو ان الفيديو كليب جاء في سياق التطور التقني الذي تأثرت به حياة اليوم، وهذا المنجز كغيره من المنجزات الكثيرة تتباين نتائج تطبيقاته، وهنا نجد انفسنا مرة اخرى في حاجة ماسة الى الفلسفة التي من شأنها ان تمدنا بالكيفيات اللازمة لتوظيف المنجزات العلمية بما يخدم الغايات الانسانية العامة، يبدو ان الخصومة الواضحة بين منتج الغناء ورسالة الفن التي تبرزها الفلسفة، قادت الى الحالة الراهنة التي تتميز بكونها فقيرة جداً في المضمون الانساني هذا الامر غاية في الخطورة خاصة وان اغاني الفيديو كليب الحالية تركز فقط الآن على المغريات الحسية بغرض الكسب الرخيص مما افقد الفن مضمونه الحقيقي كأول مهذب للناس على حد تعبير ارسطو