الخميس 8 صفر 1424 هـ الموافق 10 ابريل 2003 مريم فخر الدين نصف قرن من العطاء الفني، قدمت للسينما العربية ما يقارب المئة والخمسين فيلما، رغم أنها بدأت حياتها الفنية، كنجمة وبطلة أولى إلا أن هذا لم يشغلها بمقدار ما ركزت على تقديم رسالة ومضمون وأعمال راقية لذلك لم يكن غريبا أن تظهر فيما بعد بفيلم «الهارب» أمام كمال الشناوي، وشادية في دور قصير جدا لم يتجاوز الثلاث دقائق لكنه نال تقدير واستحسان النقاد والجماهير لما قدمت خلاله من مشاعر وتعبيرات للزوجة المخدوعة. وربما نجاحها في هذا الدور لخوضها تجربة واقعية في حياتها رأت بنفسها كيف زوجها يخونها في بيتها، ولكن الكل يمتلك تجارب والمهم هو القدرة على تحويل التجربة الى مشاعر واداء تلقائي بسيط وصادق. كان لابد أن تظهر رواية «لقيطة» لمحمد عبد الحليم عبد الله في فيلم سينمائي والى جانب أنها قصة مأساوية تقدم في قالب أخلاقي نادر فان القصة كانت فائزة بجائزة مجمع اللغة العربية أو جائزة فاروق الأول كما يطلق عليها عام 1947، وقد تشجع المنتج عبد الحليم نصر الذي كان يشتهر بعبده نصر للقصة وأسند تحويلها للسينما لصالح جودت والإخراج لأحمد بدخان وكانت البطولة في القصة نفسها فهي التي ستجلب الجمهور لدار العرض لذلك قرر المنتج والمخرج إسناد البطولة النسائية والرجالية لوجهين جديدين، وجاء الاختيار على مريم فخر الدين الفائزة بغلاف الايماج ذات الجمال الساحر والشاب جمال فارسي لذلك تجد في الكتالوج الذي وزع مع الفيلم عند عرضه تحت اسم «ليلة غرام» بسينما الأوبرا عام 1951 تطالعك عبارات إنشائية لجذب المشاهدين هي : «زهرة وحيدة بين الحقول، طفلة بريئة جاءت إلى الحياة في ليلة غرام، - سلاحها قوة في الأخلاق ورصيد كبير من الجمال لا يقاوم، ترى هل تنجح ؟، أم تقسو عليها الأيام ؟ ونجح الفيلم نجاحا كبيرا ونجحت معه مريم فخر الدين لتصبح في السنوات التالية» «بطلة للأفلام الميلودرامية، المكتظة بالخطوب والكوارث، والمشاعر الغارقة في الدموع، والأفلام ذات الطابع الأخلاقي الضيق الممتلئة بالمواعظ والإرشادات حسبما رأى الكاتب كمال رمزي في كتابه بعنوان» نجوم السينما المصرية، الجوهر، والأقنعة» (1997) صدر عام ( والمؤكد أن مريم في المرحلة الأولى وهي الصبية التي لم تتجاوز السابعة عشرة لم تكن تدرك ولاتعي ما تقدمه ولا لأي اتجاه تسير فوالدها كان المقرر والحكم فيما تقوم به في افلامها الأربعة الأولي : «ليلة غرام »، و« السماء لاتنام »، و« المساكين» و« الشك القاتل» وهي تقول عن هذه المرحلة : والدي كان رافض عملي بالفن وحينما اقتنع بالموضوع وضع مجموعة من الممنوعات للمخرجين والمنتجين «ممنوع القبلات، ممنوع المايوهات، ممنوع التدخين أو شرب الخمور» وكان يحرص على أن تكون القصة محترمة تدعو للأخلاق والفضيلة، واعتقد أن هذا انطبع معي طيلة حياتي. ولما تزوجني محمود ذو الفقار حل مكان والدي بالضبط وسار على نفس خطه لانه كان الطريق الناجح لي على الشاشة. ولم يكن الأب والزوج وحدهما وراء الشكل الفني لمريم فخر الدين بل الأعلام أيضا فالصحافة الفنية ساعدت على تثبيت هذه الصورة التقليدية لها في أذهان القراء فأسمتها مجلة الموعد القديسة، وأطلقت عليها مجلة آخر ساعة «الملاك الرقيق »، ووصفتها جريدة الشعب بالجيوكندا وجاء في حيثيات الجائزة التي نالتها من المركز الكاثوليكي المصري عام 1957 : «قررت اللجنة منحك بصفة شخصية جائزة شرف، لقيامك بتمثيل دوري الوفاء والطهارة في فيلمي «رحلة غرامية» و« طاهرة «ولانك داومت على تمثيل هذه الأدوار في الأفلام المصرية حتى أصبحت رمزا بسمو الأخلاق في أغلب أدوارك على الشاشة» ورغم سيادة دور الفتاة الساذجة أو البريئة أو النقية على أفلامها طيلة الخمسينيات فان فيلم «رد قلبي» الذي يعد من كلاسيكيات السينما العربية يحسب في تاريخها للمخرج عز الدين ذو الفقار عن قصة وحوار يوسف السباعي والذي عرض لأول مرة في ديسمبر1957 بسينما أمير بالإسكندرية وفي اليوم التالي بدا عرضه بالقاهرة بسينما كايرو وتقول مريم فخر الدين عن «رد قلبي» : هذا الفيلم من أحب الأفلام لي وأقربها لقلبي فهوا ارتبط ولا يزال يرتبط بوجدان الناس لانه يحكي بعمق وببساطة عن قيام الثورة وأسبابها من الواقع، وأنا لو لم أقدم في حياتي كلها سوي هذا الفيلم لكان كافيا أن يوضح لوحده في سجل أعمالي. وطبعا من جمال الفيلم وروعته حاولوا تقديمه قبل عامين مسلسلاً وتابعت المسلسل الذي جاء« مملا» ومليئا بالأخطاء ويعد فيلم «حكاية حب» ( 1959 ) الذي قدمته مع عبد الحليم حافظ علامة فاصلة في حياة مريم فخر الدين لانه نقلها لعالم السينما الغنائية، ولمست من خلاله النجاح الضخم ولعل هذا هو بداية الوعي لديها فيما بعد وربما هذا ما جعلها سلسلة من الأفلام الغنائية مع فريد الأطرش الذي قدمت معه في نهاية الخمسينيات أربعة أفلام هي : «رسالة غرام» و«عهد الهوي» لأحمد بدرخان و« ما ليش غيرك» لبركات» و« يوم بلا غد» لبركات.. وتقول مريم فخر الدين : «عن هذه الفترة مع بداية الستينيات شعرت بمأساة الأدوار النمطية للفتاة الرقيقة الوديعة وحاولت الهرب منها لكن المسألة لم تكن بيدي إنما بين المنتج والمخرج وأنا كل ما كان يهمني هو أن الفيلم ينجح ويكون مستواه جيداً» وفي عامي 196. و1961 قدمت فيلمين شديدي الروعة وخارج إطارها التقليدي تماما : الأول مع عز الدين ذو الفقار «البنات والصيف» أمام كمال الشناوي والذي قدمت من خلاله شخصية الزوجة التي تعانى من ضعف زوجها النفسي فتسقط ضحية لصديقه الذي يغتصبها وتستسلم له في المرة الثانية، والثاني فيلم «بلا عودة» لريمون نصار حينما تلعب دور الفتاة التي يستدرجها تاجر المخدرات إلى الإدمان. لكن المذهل حقا في مشوارها السينمائي أنها بعد حوالي 7. فيلما ومع بداية السبعينيات قبلت في قمة نضجها ومجدها أن تلعب أدوار الأم على الشاشة مؤكدة أن الممثلة ليست وجها جميلا فقط ولا دور رقيقا وانما المهم هو الرسالة التي تقدمها الفنانة. وشكلت السينما كل تاريخ ومجد وشهرة مريم فخر الدين فهي لم تقف أبدا على خشبة المسرح وتقول : «عن السب في ذلك: طوال حياتي لم اقف على خشبة المسرح لانني منذ بداية الزواج لم يكن مناسبا أن أقضي اليوم كاملا بالخارج بمعني أن أصور نهارا ومن التصوير اخرج الى المسرح حتى صباح اليوم التالي. فأنا ممثلة ملتزمة جدا ببيتي وإذا لم يكن عندي شغل ابقي بالبيت وصداقاتي كانت قليلة جدا. كما فكرة الوقوف على خشبة المسرح ومواجهة الجمهور لم أخضها بل اخاف منها فهي مسألة لم أتدرب عليها». ( أما على الشاشة الصغيرة فقدمت مريم فخر الدين عدداً من الأعمال بدأت مع التسعينيات مع انحسار الأضواء عنها وقلة الأعمال السينمائية منها «عيون الآخر »، و« لكنه الحب »، و« كيمو» ،و «أوبرا عايدة »،» و« صيام صيام» وترصد مريم هذه التجارب بقولها : أول عمل قدمته على الشاشة الصغيرة من خلال المسلسل السعودي «المكوي» في الثمانينيات ولعبت بطولته أنا وفريد شوقي ومحمود المليجي وعفاف شعيب وسمية الألفي التي كانت وجها جديدا وقتها وهذا المسلسل نجح عند عرضه في السعودية وكسر الدنيا وعرض بالكويت وبدول عديدة لكنهم رفضوا تقديمه في مصر بعد ذلك أخذني نور في حلقات متصلة ( 18 حلقة ) وباع الحلقات قبل اكتمال تصويرها للبلاد العربية على انه بطولتي يعني باعه باسمي واحضر الهام شاهين وركبها على مشاهدي بالمسلسل. ثم كرر نفس الأمر مع محمد صبحي في مسلسل «كيمو» الذي قيل انه بطولتي وكل الأعمال التالية استغلوا اسمي فيها فقط ولكني كنت رغم ذلك مقتنعة بالدور الذي أقدمه. ( في فبراير 1998 بث التلفزيون الإسرائيلي برنامجا زعم أن مريم فخر الدين وزميلاتها نجمات الفن نادية لطفي وهند رستم وبرلنتي عبد الحميد بأنهن كانوا يعملون لصالح جهاز الموساد الإسرائيلي ولم تحتج مريم فخر الدين ولا زميلاتها او يدافعن عن انفسهن لا نهن كن كتابا مفتوحا للجميع فشكلت على الفور حملة تضامن عربية من المثقفين والفنانين والسياسيين دافعت عنهن وكشفت رغبة إسرائيل الدفينة في تشويه نجمات الفن العربي وتقول مريم فخر الدين عن هذه القضية : عندما قالوا لي عن هذا البرنامج وشاهدته حيث كان أحد الأصدقاء قد نجح في تسجيله كوثيقة في حملة التضامن معنا أدركت قيمتي وقيمة زميلاتي، وشعرت أن الفن ليس مجرد مهنة، وأنني لست مجرد ممثلة، بل الفن سلاح والممثل رمز وضمير للوطن، وإسرائيل حاولت ببلاهة ذبح هذا الرمز والضمير لكنها فشلت. وهي تحاول اليوم محو فلسطين وتهجير أصحاب الأرض الفلسطينيين ولكنها فشلت وستفشل وستعود فلسطين للعرب أصحابها الاصليين. وشارون مجرد مجرم سفاح مريض نفسيا ولو جاء ألف واحد مثله لن تنتهي قضية فلسطين ولن يضيع الحق العربي وكما أن أميركا ترتكب اكبر جريمة في حياتها بمساندة إسرائيل فهي تخسر العرب وتخسر سمعتها وتخسر في النهاية نفسها وأنا اكره بوش جدا واعتقد أن على يده ستكون نهاية أميركا». مريم فخر الدين تعيش حياة سعيدة ما بين الفن وانشغالاتها العامة حيث تتبني قضية الفنانين في حقهم للحصول على حق الأداء العلني عن أعمالهم مثل الملحنين والمؤلفين وتقنين ذلك بقانون حقوق الملكية الفكرية ولعل القضاء يساند حملتها بحكمه الذي سيصدره خلال الأيام القادمة كما لديها أحلاما في إنتاج 4 سهرات تلفزيونية واقعية عن حياتها وبنات جيلها وشخصيات عامة وثقافية وفنية عايشتها وكتبتها بنفسها !! ولا تزال مريم لدى الكثير من الحكايات والروايات والقصص مابين كواليس الفن ودوائر السياسة وبيوت البسطاء وهذا مجرد ذكريات جديدة إنما الذاكرة بها العديد، ذكريات صريحة بلا أقنعة. هذه هي الحلقة الأخيرة من ذكريات نجمة الشاشة السينمائية المصرية مريم فخر الدين وقد تحدثت من خلال عشر حلقات تم نشرها تباعاً في «البيان» عن حياتها الفنية والشخصية والاسرية وتناولت مشاهد جريئة من حياتها خاصة مراحل زواجها والحياة التي عاشتها في بيروت. مريم فخر الدين وبعد هذا المشوار الطويل من التآلف الفني تستريح الان بأدوار قليلة تجسد من خلالها دور الام خاصة وانها عاشت هذه الامومة الصادقة مع ابنها وابنتها واحفادها منهما.