الثلاثاء 6 صفر 1424 هـ الموافق 8 ابريل 2003 احتج شباب العالم وفي أميركا نفسها ضد الحرب العدوانية على العراق بالمظاهرات الضخمة، وكذا بأغانيهم وموسيقاهم التي تندد بالعدوان وتدعو للسلام.. الموسيقى والغناء، كان لهما دور مهم في ادانة الحروب على مدى التاريخ والتعبير عن مقاومة الشعوب وآمالها. لقاؤنا مع المؤلف والباحث الموسيقى طارق شرارة، الذي كان له اسهامات ابداعية في هذا المجال في حوار حول دور الموسيقى والأغنية في المقاومة.. يقول شرارة: الموسيقى أنواع منها الموسيقى السيمفونية، وموسيقى الحجرة وموسيقى الأوبرا، كذلك هناك الموسيقى العسكرية، والتي تتميز بأن معظم آلاتها نحاسية لتعطي صوتا قويا وعاليا وحماسا ومؤلفات الموسيقى العسكرية هذه كثيرة وهي ليست فقط في أوقات الحرب ولها ايقاع معروف وهو ايقاع المارش الذي يشبه الخطوة العسكرية، وفي التاريخ نجد أن فرقا موسيقية كانت تشترك في الحروب وتضم الطبول بمختلف أحجامها، وتكون في المقدمة، وهي مهمة لأنها تعطي إيقاعا، والحرب فيها ايقاع، وتثير الحماس والطاقة، وهذه النوعية من الموسيقى في الحرب لترفع الروح المعنوية للمحاربين، وفي السلم تعطي ايقاعا للمشية العسكرية نفسها. ـ ما أهم نماذج الموسيقى العالمية في هذا المجال؟ - هناك اعمال موسيقية وضعها مؤلفون موسيقيون دون أن يكلفوا بها، وهناك أعمال جاءت بتكليف من منظمة أو مؤسسة أو حتى من جمعية موسيقية، في روسيا أمثلة عديدة: المؤلف شوستاكوفيتش له سيمفونيتان: السيمفونية السابعة وتسمى «سيمفونية لينيجراد» وضعها «أيام حصار لينيجراد» وهي مسقط رأسه وتؤكد في نهايتها ان النصر قادم تتويجا للمقاومة، والسيمفونية الثامنة.. وضعها أيام معركة «ستالينجراد» ونشاط المقاومة الشرسة ضد العدوان النازي ونسمع فيها نداءات للحرب والمقاومة حتى لنتصور أننا أمام حشود المعركة وإلى جانب هاتين السمفونيتين وضع شوستاكوفيتش موسيقى فيلم «سقوط برلين». وفي هذا المجال وضع المؤلف الموسيقى خاتشا دوريان الموسيقى التصويرية المصاحبة لمشاهد فيلم «معركة ستالينجراد». وقام المؤلف الموسيقي تشايكوفسكي بتأليف عمله السيمفوني.. افتتاحية 1812 وهو العام الذي انهزم فيه نابليون بونابرت امام الجيوش الروسية، وفي هذا العمل يجمع تشايكوفسكي بين نشيدين قوميين مختلفين: النشيد القومي الفرنسي «المارسيليز» والنشيد القومي القيصري ونشعر ان هناك عراكا شديدا بينهما، ثم نسمع في النهاية أجراس الكنائس تعلن السلام ومعها طلقات المدافع تعلن الانتصار واستخدم في هذا الطبول، وفي العرض الأول لهذه السيمفونية أطلقت مدافع فعلا مع الأوركسترا. وفي مقطوعة «مارش سلافي» قام تشايكوفسكي.. بتصاعد الموسيقى التي تعلو حتى يتم الانتصار. ـ السيمفونية البطولية لبيتهوفن.. كيف ابدعها وكيف تراجع عن اهدافها لنابليون؟ - كان بيتهوفن اشتراكيا وثوريا وله اراء سياسية ثورية وكثيرا ما كان يحدث بينه وبين صديقه الشاعر جوته حوارات ثرية وتحمس بيتهوفن للثورة الفرنسية، وبعد ان جاء نابليون بونابرت كان محل اعجاب به ووضع السيمفونية الثالثة التي سماها السيمفونية البطولية «ايرويكا» واهداها الى نابليون، ولكن لما تبدت اتجاهات نابليون إلى الدكتاتورية حذف اهداءه الى نابليون وجعله الى «رجل عظيم» فقط، أي في المطلق.. ـ كان كيف كان للعدوان الثلاثي على بورسعيد اثره في الموسيقى والغناء؟ - لما حدث العدوان الثلاثي توهم الانجليز انهم مع فرنسا واسرائيل سيقضون على عبدالناصر خاصة انه كان له اعداء كثيرون، توهموا كما يحدث الآن في العراق انهم يمكن ان يثيروا الشعب ضده، وكان هذا تفكيرا خاطئا لأن حتى اعداء عبدالناصر وقفوا بجانبه، قبل 1956 كانت هناك أغاني تعضد الثورة تحث على تأييد النظام الجديد وأفكاره الجديدة، ومع عدوان 56 ظهرت أغاني كثيرة تثير روح المقاومة مثل نشيد «الله أكبر» الذي استخدمت فيه الطبول وشارك نجوم الغناء الكبار أم كلثوم والآخرون في تقديم أحلى اغانيهم وكانت أغاني صادقة لانها خرجت عفوية وسريعة.. ومع حرب 1967 وما حدث من نكسة من وقع سيئ على النفوس اتخذت الاغاني اتجاها اخر هو رفع الروح المعنوية، ومع حرب 1973 وما حدث من انتصار اتخذت الاغاني شكلا مختلفا.. لون الفرحة والتفاؤل وعودة الثقة مع النفس.. كل فترة من هذه الفترات الثلاثة أفرزت أغانيها وموسيقاها وكلماتها. ـ وأحداث العراق الحالية وعدوان القوات الأميركية على المدنيين تذكرنا بمقطوعة فنان العود العراقي نصير شمه؟ - انفعل نصير شمه وهو فنان حساس ومرهف بأحداث العراق واحداث فلسطين، ولهذا تخرج أعماله صادقة، كما في مقطوعته العامرية في تصويره لمأساة الأطفال وسقوط القنابل الأميركية عليهم في مخبئهم، واستطاع ان يصور بآلة واحدة فقط هي العود وان يقدم صورة رائعة حتى لنكاد نسمع سرينات الانذار والانفجار، وصراخ الأطفال، كما انفعل شمه بأحداث فلسطين وقدم عنها اكثر من مقطوعة حتى نسمع صوت الدبابات وصوت رمي الحجر.. كل هذا من خلال العود.. ـ تاريخ الموسيقى والغناء الحديث يحفل بالكثير من الاحتجاج على العدوان الاميركي على فيتنام.. كيف كان هذا الاجماع؟ - عبر الشباب عن احتجاجهم ضد الحرب العدوانية لاميركا على شعب فيتنام، وتمثل هذا في أغاني كثيرة تندد بالحرب وتدعو للحب، ولعل أبرز مظاهرة كانت في «وودستوك» حيث تجمع آلاف من الشباب وعاشوا في الطبيعة على مدى أسبوع، يعبرون بفرقهم الغنائية والموسيقية عن إستيائهم للتدخل الأميركي في فيتنام ويحيون بطولات الشعب الفيتنامي، ويدعون للسلام وسمى بعضهم نفسه بإسم «قوة الزهور» كرمز للسلام، وكان رمز ووستوك حمامة سلام تقف على جيتار ونذكر الفيلم السينمائي التسجيلي الطويل الذي سجل هذه التظاهرة الشبابية الضخمة. ـ جموع الشباب بموسيقاهم وأغانيهم اليوم ضد العدوان الأميركي.. كيف تراها ؟ لعلك تلاحظ أنه من بين هؤلاء الشباب الذي نشاهده اليوم هناك عدد غير قليل من المسنين، هؤلاء المسنون هم الذين وضعوا البذرة حينما كانوا شبابا لما يدل على تمسكهم بأفكارهم التي ناضلوا من أجلها في الستينيات، وتعرضوا للاعتقال، مما يدل على إمتداد الاجيال، إذا كانوا من قبل قد قدموا أغاني عن الحرية، انتشرت في العالم حاليا وتجد الشباب في العالم حتى في أميركا نفسها يحتجون على الحرب على العراق بالأغاني والموسيقى، شاركت مادونا وفرق الشباب في التظاهرة الضخمة ضد الحرب على العراق. نذكر أيضا مظاهرة العالم والشباب خاصة ضد التدخل الأميركي في شيلي ودعم الإنقلاب العسكري ضد الحكم الوطني بزعامة الليندي وانتشار عالمي لأغنية بالاسبانية «سننتصر» ومشاركة المغنية الأميركية الزنجية إنجيلا دافيز. رغم أن تلك الاغاني كانت بالأسبانية، فإنها كانت تصل بسهولة إلى العالم، ونجد في أميركا اللاتينية نماذج عديدة من الاغاني الثورية، كما في فترة حكم باتيستا في كوبا ونضال جيفارا وكاسترو، عندي أكثر من البوم من أغاني الثورة تمجد حركة المقاومة في الجبال والغابات ضد الديكتاتوريات، وهي أغاني فيها تقاليد أميركا اللاتينية في الرقص، وهي جزء من حياة الشعب هناك مما جعل لها جاذبية. ـ وكذا الاحتجاج على الحكم العنصري بجنوب أفريقيا بالاغاني؟ كانت ماريام ماكيبا مغنية ثورية عظيمة، أثارت مشاعر العالم بأغانيها التي تحمل الروح الأفريقية، وقد أصبحت سفيرة، وأقيم لها في لندن حفل ضخم، وقبل أن تغني أخذت تتحدث عن اللغة الأفريقية القديمة المستخدمة في الأغنية والتي تدل على قيام حضارة أفريقية قديمة سبقت الحضارة الأوروبية. ـ هل عبرت أعمال كبيرة مثل الأوبرا.. عن الحرب والمقاومة؟ هناك أكثر من أوبرا أهمها أوبرا الحرب والسلام للمؤلف الموسيقي الروسي بروكوفيف، مستوحاة من رواية «الحرب والسلام» للكاتب الروسي الكبير تولستوي، وجسد فيها مأساة الحرب، واثرها على الشعب، وعلى معارك التحرير المقاومة والتضحية