الاثنين 5 صفر 1424 هـ الموافق 7 ابريل 2003 عندما قدم المخرج الشاب حسين كمال فيلمه الروائي الطويل الأول «المستحيل » عام 1965 عن قصة مصطفى محمود وسيناريو له ، مع يوسف فرنسيس وجد فيه الكثير من النقاد والكتاب أملا بازغا لسينما مصرية جديدة، وأن فيلمه الاول هذا يقف «على قدم المساواه مع الافلام الاجنبية الممتازة ـ ويعيد الثقة للفيلم العربي- وأنه مخرج حساس ذكي نجح في التقاط التفاصيل الصغيرة ليعبر بها عن أعمق المعاني وكتب الكاتب محمود أمين العالم أنه لأول مرة يحس بالمخرج الذي يتصدى للتعبير عن الافكار المجردة المدرك لأهمية الرموز والايحاءات في بناء مشاهده وتفسير معانيه، وأثنى البعض على رهافة ذوقة في اختيار الديكور والاحساس العالي بالمكان، والحس السينمائي المتميز للصورة والكادر، وتعامله مع الأسود والأبيض فقط ليستخلص منه صورا وتركيبات لم تعرفها السينما المصرية قبله. كان حسين كمال قد عاد من باريس بعد أن درس في معهد السينما - الايديك وفي معهد خاص للتمثيل وكان قد أتقن أكثر من لغة أجنبية والدته كانت يونانية ولم تأته فرصته الأولى في السينما كما كان يأمل بل عن طريق التليفزيون الذي كان قد أنشئ حديثا وأرسله في بعثة الى ايطاليا، كان عمله الأول به هو سهرة تليفزيونية بعنوان «رنين 1961» بطولة منفردة لسناء جميل وحدها في الديكور مع تليفون،والصوت داخل التليفون لصلاح منصور - نال عنها الجائزة الأولى في مسابقة للتليفزيون ثم قدم فيلمه التليفزيوني القصير المصور سينمائيا - «المعطف 1964» عن قصة نجيب محفوظ الذي فاز بالجائزة الأولى في الدراما بالمهرجان التليفزيون الدولي الثالث بالاسكندريو، مما فتح له الباب لتحقيق حلمه في السينما وعرض عليه صلاح أبو سيف كرئيس لمؤسسة السينما قصة «المستحيل » لمصطفى محمود، التي جذبته لأنها كما قال «ليست حدوته تقليدية بل تصور معاناة الانسان من الداخل ». وقد اختلفت الآراء النقدية حول فيلم «المستحيل » فرغم ترحيب الكثير منها بمخرج شاب جديد، فقد لاحظ البعض غلبة الحوار الفلسفي على السيناريو وأن السيناريو لم يترجم فلسفة الرواية وأفكارها الى مناظر ومشاهد ومواقف حركية الا في القليل النادر بطريقة بطيئة وجامدة، وانتقد البعض وجهة نظر أيديولوجية تناول مشكلة الملل وهو ملل فردي لا يصح أن يكون مشكلة عمل فني ينفق عليه القطاع العام آلاف الجنيهات ، كما لمس الكاتب أحمد بهاء الدين تأثر حسين كمال ببعض المخرجين الايطاليين الجدد وقتها مثل فلليني وأنطونيوني ولكنه تأثر واستفاد ولم ينقل، وكان الاجماع على روعة تصوير عبد العزيز فهمي في تشكيلات الضوء والظل. بعد ثلاثة أعوام يقدم حسين كمال فيلمه الثاني «البوسطجي 1968» سيناريو صبري موسى ودينا البابا، انتاج القطاع العام أيضا عن قصة قصيرة ليحيي حقي، يخرج حسين كمال من أزمة الفرد والقضية الذهنية، الى أرض الواقع ليعالج قضية الشرف والعار فلا يلجأ الى الايغال في الرمزية بحكم الموضوع بل يقدم أبسطها ليعبر عن موقفه، وأثنى عليه الناقد والباحث صبحي شفيق بأنه «فيلم رائع، ارتكز على قوة التكوين، وأن المخرج قد أوجد لنفسه لغته الخاصة وقدم صورا مركبة للحياة والفرد والواقع وأثنت الناقدة خيرية البشلاوي على الاخراج الحساس الذكي والسيناريو المحكم والقدرة على التوفيق بين ملامح الواقع الخشن وروح الفن الشاعرية الشفافية التي تجمل الواقع الخشن برؤية الفنان الشاعرية، في حين يرى ناقد آخر أن الفيلم قد افتقد البناء الدرامي، وفي ادارة كمال لحركة الممثل لم يستطع أن يتخلص من خبرته المسرحية - كان قد سبق أن أخرج ثلاث مسرحيات »، ويضيف اننا لم نعرف الموقف الاجتماعي الذي تبناه المخرج. وكان هناك اعتراض على مشهد نقله كمال كما هو من فيلم «زوربا » عندما أحاط الفلاحون بالغازية، مما يعتبر خطأ فنيا لا يبرر ، في حين عبر رأي أخر عن نفس المشهد بأن تنفيذه ارتبط بتقاليد القرية المصرية وأن به ملامح التأثر وليس التقليد ويؤكد رفيق الصبان على احساس حسين كمال التشكيلي المدهش، واعتماده على الظلال الموحية وبقع النور «التصوير لأحمد خورشيد » وقدم لوحات متحركة أسرة لم ينافسه في صنعها الا شادي عبد السلام في تحفة «المومياء ». فيلمه الثالث «شئ من الخوف 1969» هو أكثر أفلامه اثارة للجدل بسبب ما حدث حوله من ضجة سياسية حينما حاولت الرقابة منعه وموافقة السلطة ممثلة - كما قيل - في عبد الناصر شخصيا الذي شاهد الفيلم وهو عن قصة لثروت اباظة سيناريو صبري عزت وحواره مع عبد الرحمن الابنودي بأشعاره يمكن أن تدور احداثها في أي مكان وأي زمان - كما أشارت الأغنية في المقدمة، وتعالج ما يسببه الخوف في حياة مجتمع ما في مواجهة قوى متسلطة غاشمة، حاول البعض أن يربطوا بينها وبين النظام القائم، رغم أن الفيلم من انتاج الدولة - أو النظام من خلال القطاع العام، ورأى فيه البعض بعدا سياسيا مليئا بالرموز والاسقاطات، وقد ترك أثرا كبيرا بين الناس حتى صار مثل الطقس الروحي وصارت عبارة «زواج عتريس من فؤاده باطل » أمثوله - وتضافرت عناصر فنية عديدة في ظهوره بصورة مبهرة : موسيقى بليغ حمدي التي أضفت عليه قيمة درامية وجمالية تعمق حس المتفرج وانفعاله مع استخدام الكورال في خلفية الاحداث كمعلق عليها ومقدم للشخصيات وقد عمل المخرج على المزج الفني بين كل من الحوار والموسيقى والمؤثرات والكوارال والأغاني «للأبنودي » وروعة أداء محمود مرسى في دوره المزدوج بالفيلم : الجد ثم الحفيد والأداء الفذ لشادية، ووعي مدير التصوير أحمد خورشيد بامكانيات المشهد الطبيعي واعطاءه حجما سيكلوجيا بالغ الايحاء. ورغم أن أكثر النقاد وقفوا مع الفيلم من الناحية الفنية على الأقل - فان هناك من وجه أشد سهامه الى السيناريو ووصفه أنه فكر ميت لا اساس للبناء فيه، والاخراج لتناقض الاسلوب، واتهمه ناقد بتوقيع «ف. ف» لعله الناقد الراحل فتحي فرج في نشرة نادي سينما القاهرة بالادعاء وهو «المسمار الأول في نعش الفنان وبداية النهاية». هذه الافلام تمثل ثلاثية رحلة أساسية في مسيرة حسين كمال تظل أكثر مراحله خصبا وحماسة ووهجا. وان لم تكن أكثرها عمقا ورسوخا واتجاها.. وتبقى هذه الافلام الثلاثة كجزء هام من تراث السينما المصرية. حتى أعتبرت من أحسن مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية. بعد هذا أعرض لرأيين نقديين أحدهما لهاشم النحاس الذي وجد أن فيلم «المستحيل » قدم مشكلة خاصة لا وجود لها في مجتمعنا من خلال شخصيات نصف مصرية، وفي ثاني أفلامه «البوسطجي «قدم شخصيات مصرية لكنه مسح بها الارض، فلم ينج واحد من اهانته مما جعل هذه الاهانة تتخطى شخصيات الفيلم لتصيب الشخصية المصرية عموما - والفلاح المصري على وجه الخصوص وجاء فيلمه «شئ من الخوف» ليغفر له اهانته ويمحو ما سلف من مسالب أفلامه السابقة التي أخذت تتناقض بفضل محاولة جادة من تلميذ مدرسة الغرير ومعاهد فرنسا، بغية الاقتراب من الروح المصرية، مع مراعاة عالم السينما، اسهاما في خلق الفيلم المصري شكلا ومضمونا.