سينما عبدالحليم حافظ تستعصي على محاولات التقليد

الثلاثاء 29 محرم 1424 هـ الموافق 1 ابريل 2003 مع تجدد ذكراه كل عام يبدو حضور العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ أقوى من الغياب فصورته لا تزال ماثلة في الأذهان، وأغنياته لا تزال الأكثر توزيعا ورصيده في القلوب والنفوس لم يستطع أي مطرب آخر أن يؤثر فيه أما سينما حليم فلا تزال شامخة تتضاءل أمامها تجارب المطربين الآخرين الذين سعوا للوصول الى مكانة هذه الأفلام فعجزوا ولم يجدوا أمامهم سوى تقليدها واستنساخها وفي سباق المطربين الشبان نحو الشهرة والنجومية لم يتوقف هؤلاء المطربين عند مجرد تقليد العندليب الراحل إنما سعوا الى تقليد أفلامه واعماله السينمائية كما فعل المطرب الراحل عماد عبدالحليم الذي أعاد تقديم فيلم حليم الشهير «الخطاي» تحت عنوان «حياتي عذاب» ولكن التجربة لم تحقق أي نجاح مما دفع المطرب الراحل للابتعاد تماما عن السينما بعدها ولم يجرؤ مطرب آخر على تقليد أفلام حليم بهذا الشكل السافر وينقل فيلما كاملا وانما اقتصر الباقون على نقل بعض المشاهد أو الاقتداء بتجربة العندليب فاكتفى مصطفى قمر بتقليد بعض المشاهد في فيلمه «الحب الأول» واقتدى هاني شاكر ووليد توفيق بحليم في أفلامهما القليلة وقدم غيرهم نفسه في الأفلام على طريقة عبدالحليم في أفلامه التي كانت تدور في أغلبها حول المطرب الفقير الذي يسعى لقهر الظروف الصعبة المحيطة به للوصول الى الشهرة والأضواء، كما فعل محمد فؤاد في فيلميه الأخيرين «اسماعيلية رايح جاي» و«رحلة حب». وبشكل عام ورغم كثرة المطربين الذين خاضوا غمار السينما إلا أنه لم ينجح مطرب واحد في تقديم صورة مستقلة ويحقق النجاح السينمائي الذي حققه حليم ولم تخرج كل التجارب عن كونها محاولات تقليد لسينما العندليب الأسمر الذي شغل الناس بسينماه كما شغلهم بأغانيه وبدوره الاجتماعي والوطني وفي هذا التحقيق يؤكد النقاد ونجوم سينما حليم وصناع السينما على أن تجربة حليم كانت فريدة ومن المستحيل تقليدها بنفس النجاح لأن ظروفا اجتماعية وسياسية عديدة اجتمعت لتشكل ظاهرة حليم الفريدة سواء في الغناء أو السينما. المؤرخ الفني والناقد فرج العنتري يؤكد أن أفلام عبدالحليم كانت تتطابق في كثير منها مع حياته وظروفه ومعاناته.. فقد جسد مثلا في فيلم «حكاية حب» لحلمي حليم تجربته الشخصية التي عاشها في الحب والفقر والمرض.. وبدا صادقا في أدائه حتى توحد مع أفلامه وصار هو وأفلامه شيئا واحدا، ويضيف العنتري قائلا لاشك أن سبب استمرار نجاح أفلامه هو نفس سبب استمرار عبدالحليم كصوت وهو أنه كان يمثل «نغمة جديدة» تختلف عما يقدمه المطربون في عصره وقد قوبل ما يقدمه في البداية بالهجوم والرفض.. ولم يستقبل بشكل جيد إلا بعد ما قامت ثورة يوليو.. فأصبح مطربها والمتحدث الرسمي باسم الثورة الوليدة. ويقول المخرج كمال الشيخ أن أفلام عبدالحليم حافظ عاشت في وجدان الناس كما عاشت أغانيه.. وهو بعد ربع قرن من رحيله نجده دائما في الصورة الغائب الحاضر لأن أعماله مست وجدان الناس.. لهذا فإن كل من يحاول تقليدها لن يقترب من قامتها وسيضع نفسه في دائرة المقارنة مع العندليب والمقارنة ستكون في صالح العمل الأصلي مهما كانت براعة التقليد. ويضيف المخرج الكبير قائلا بالعكس أنا أرى أن محاولات التقليد تحسب ضد الفنان وليس معه كما أن أفلام عبدالحليم تعبر عن مرحلة زمنية معينة ومضت سنوات تغيرت فيها الدنيا فمن الخطورة أن نعيدها.. وأن نتصور أننا سوف نحقق نجاحا ففي ذلك عودة للوراء. الفنانة الكبيرة «ماجدة» بطلة فيلم عبدالحليم «بنات اليوم» تصف محاولات تقليد تجربة حليم بأنها حالة افلاس يعاني منها بعض السينمائيين الجدد وتقول: لن تكون المقارنة في صالح العمل «المستنسخ» لأن الجمهور ارتبط بالعمل الأصلي وانفعل به وارتبط به.. حتى لو كان هذا الجديد تم تقديمه بشكل أفضل واعتمد على تقنيات أحدث فإن الأصل هو الباقي. وتضيف: لا أعتقد أنها ستكون تجربة ناجحة أن يعاد تقديم فيلم «بنات اليوم» لأن الجمهور ارتبط به ورغم أنه يحفظ حواره وأغانيه عن ظهر قلب إلا أن يعاود مشاهدته حين يعرضه التليفزيون والقنوات الفضائية لهذا أتساءل هل انتهت الموضوعات والقضايا ولم يعد هناك ما يمكن أن يطرحه المطربون الشبان في أفلامهم سوى العودة الى أفلامنا. أما لبنى عبدالعزيز بطلة فيلم «الوسادة الخالية» فتؤكد أن محاولات تقليد سينما حليم يرجع لكون عبدالحليم حقق شكلا ناجحا للمطرب في السينما.. ومن حق الآخرين أن يتطلعوا اليه باعتباره قدوة يحتذى بها في علاقة المطرب بجمهوره، وبالسينما كفن يكمل رسالته الفنية.. لكن يجب أن يتم ذلك في حدود معقولة لا تخرج عن الاعجاب ودرجة من التأثر أما أن يتم اعادة تقديم مشاهد كاملة من أفلامه في أفلام جديدة، أو محاولة اعادة بعضها فإنه يعني «الانتحار» لأن كل التجارب السابقة تؤكد فشل الاقتراب من الرموز الفنية.. وصعوبة المقارنة بين الأصل والتقليد.. فلا أتصور أن هناك من يجرؤ على اعادة «الوسادة الخالية» الآن. أما الفنانة ميرفت أمين بطلة فيلم «أبي فوق الشجرة» فتصف ظاهرة تقليد أفلام عبدالحليم بأنها «محفوفة بالمخاطر» لأن هذه الأفلام ارتبطت بشخص حليم وبظروفه الانسانية واعتمدت على صوته وأغنياته الرومانسية كما أن الجمهور يحفظ أغنياته ومشاهد أفلامه التي صارت جزءا من تراثه الفني. ويقول مخرج «الخطايا» و«أبي فوق الشجرة» المخرج حسين كمال، كان عبدالحليم بطلا شعبيا بأغنياته وأفلامه وحمل كل مواصفات البطل الشعبي وكل الذين سعوا لتقليد سينما عبدالحليم إنما كانوا يعبرون عن حالة إفلاس لذلك فشلت هذه المحاولات ويضيف حسين كمال قائلا قد يكون مقبولا سعي البعض لنقل «الحالة» التي قدمها عبدالحليم في أفلامه وهي حالة المطرب الموهوب الذي يشق طريقه بصعوبة ويتعلق بفتاة من طبقة أعلى قد يكون من حق أي أحد أن يقتبس هذه التيمة ولكن يظل الحكم النهائي على ما يقدمه مرهون بمدى أصالته ومدى قدرته على الابداع.. والنجاح التجاري هنا لن يكون أبدا مقياسا لنجاح التجربة بينما يصف المؤلف والناقد د. رفيق الصبان محاولة تقليد سينما عبدالحليم بأنها «حالة عجز» ويقول لكل زمان ظروفه.. ومحاولة أي مطرب في الألفية الثالثة تقليد تجارب عبدالحليم السينمائية معناه عدم ثقة في نفسه.. لأنه يجر الزمن للوراء.. وعموما فإن هوليوود نفسها التي أعادت تقديم كثير من افلامها الكلاسيكية برؤية معاصرة لم يجرؤ أي من فنانيها على اعادة الأفلام الاستعراضية الخالدة مثل «صوت الموسيقى» و«سيدتي الجميلة» و«الأميركي في باريس» و«تحت المطر» لأن الأفلام الاستعراضية الناجحة لا يمكن اعادتها أو تقليدها فهي تعبر أكثر عن زمنها.. ورغم أن أفلام عبدالحليم حافظ تميزت بالبساطة وتنطوي على مفاجآت وصدف إلا أنها تميزت أيضا بصدق التناول وصدق أداء بطلها الذي توحد مع القضية التي يقدمها فتوحد معه الجمهور وارتبط به وتعاطف معه ويتساءل الناقد رفيق الصبان كيف ينقل مطرب آخر تلك الحالة الفريدة والخاصة في تجربة مماثلة.. فهو في ذلك يقدم سينما مشوهة وممسوخة.. ونجاحه يعد نجاحا مؤقتا.. يعتمد على ذكرى العمل الأول، وبعد ذلك يسقط العمل ويبقى الأصل.

طباعة Email