الاثنين 28 محرم 1424 هـ الموافق 31 مارس 2003 هل أصبح كاظم الساهر خائنا لبلده؟ وهل تنصل من عروبته، باستخدامه جواز سفره الكندي؟ وهل تلقى دعوات مقاطعته عربيا صدى لدى الجمهور؟ هذه الأسئلة وأسئلة كثيرة غيرها، أثارتها رحلة كاظم الأخيرة إلى الولايات المتحدة، البعض رأوا أن الرحلة جاءت في التوقيت غير المناسب، لافتين النظر إلى أن الولايات المتحدة بصدد شن عدوانها على العراق.والبعض قالوا أنهم كانوا ينتظرون من كاظم أن يسافر إلى العراق لا إلى الولايات المتحدة: أن يكون مع أبناء وطنه، لا مع أعدائهم.غير أنه كان هناك من ردوا على كل ذلك، وتولوا أمر الدفاع عن كاظم، قبل أن نتمكن بمنتهى السهولة (وليس كما أشاع البعض) من سماع دفاعه منه شخصيا. الهجوم على كاظم جاء بعد أقل من أسبوعين من احتفاله مع أصدقائه بالقصيدة الجديدة التي غناها تضامنا مع بلاده فهل يكون منطقيا أن يستمر الهجوم بعد أن عرفوا وعرفنا من وسائل الإعلام الأميركية على وجه التحديد أن هذه القصيدة كانت بين القصائد التي غناها للشعب الأميركي الذي تظاهر مئات الآلاف منه اعتراضا على الحرب؟ غنى كاظم الله يحرسك يا عراق، وكثر الحديث، وإلى العزيز وغيرها من الأغنيات الوطنية التي غناها للعراق، واستقبلته وسائل الإعلام الأميركية بحفاوة بالغة كفنان عربي عراقي، ونقلت عنه معارضته الشديدة للعدوان الأميركي على العراق. ورغم ذلك خرجت أصوات في عدد من وسائل الإعلام تهاجمه بشدة، كما اتهمته شخصيات فنية معروفة بخيانة عراقيته والتنكر لهويته العربية مطلقة عليه وابلاً من الاتهامات والتصريحات ووصل الأمر بالبعض حد مطالبة جمهور كاظم الساهر بمقاطعته وعدم الاستماع لأغنياته. بشراسة هاجمه المايسترو خالد فؤاد ودعا لمقاطعته عربيا! وبشدة، ابدت سميرة سعيد استياءها. أما الذين دافعوا عن كاظم فقالوا أنه ذهب إلى الولايات المتحدة حاملا رسالة نبيلة ومنشدا للأغاني الوطنية التي تدعو الشعب الأميركي للتعاطف مع شعب العراق، وقارن هؤلاء بين كاظم وبين نوال الزغبي وإيهاب توفيق الذين لم يهاجمهما أحد رغم انهما ذهبا من قبل إلى الولايات المتحدة في جولات غنائية عادية.وأضافوا أن كاظم غنى على أشهر المسارح، وليس برعاية «جيتانا نايت كلوب» أو في القاعات الصغيرة كنوال الزغبي أو إيهاب توفيق! وإلى جانب هؤلاء كان هناك من أرجعوا الهجوم على سفر كاظم لأميركا لأسباب شخصية بحتة ولا تمت للمواقف والمبادئ بأي صلة، ودللوا على ذلك بمواقف المطربة سميرة سعيد والمايسترو خالد فؤاد. قالوا: إن سميرة سعيد كانت تعانق نوال الزغبي في دبي رغم أن خبر سفر نوال للولايات المتحدة كان معلنا، وخالد فؤاد الذي يدعو لمقاطعة كاظم الساهر كان يحضر حفلة عمرو دياب في دبي قبل أسابيع وصفق له، رغم أن عمرو زار بريطانيا وصور فيديو كليب بها، وبريطانيا هي الحليف القوي للولايات المتحدة في العدوان على العراق، كما أن عمرو ونوال صورا إعلانات لشركة المياه الغازية الأميركية. المدافعون عن كاظم استندوا أيضا إلى اهتمام الإعلام الأميركي برحلة كاظم الساهر مؤكدين أنه استطاع من خلالها أن يقول لا للحرب على العراق على أشهر القنوات الأميركية كـ ايه بي سي والـ ان بي سي والسي إن إن وفي جريدة النيويورك تايمز وغيرها. أما المثير للإعجاب فلم يكن فقط فيما كتبته الصحف الأميركية عن كاظم، بل ما يثير الإعجاب أكثر هو ما نشرته نيويورك تايمز عن إعجاب فنانين كـ كارلوس سانتانا والسوبرانو البريطانية سارا برايتمن بفن كاظم الساهر. والأكثر من ذلك هو أن الصحفي الأميركي نيل ستراس كتب في الجريدة نفسها معبرا عن دهشته من أن كاظم الساهر يتجوّل دون رجال أمن حوله في أميركا! ونعود لمن هاجموا، وتحديدا عند تأكيدهم على عدم الإعلان عن الزيارة، فهل كانت الزيارة سرية وخاطفة كما زعموا؟ الواقع يؤكد أن كاظم الساهر أعلن عن رحلته لأميركا في المؤتمر الصحفي الذي عقده في دبي والذي بثت أجزاء منه قناة دبي الفضائية خلال مهرجانات ليالي دبي 2003، وفي هذا المؤتمر لم يقل كاظم أن هدفه هو الغناء لأبناء الجالية العربية فقط بل أوضح أنه سيغني على العديد من أشهر المسارح الأميركية، للشعب الأميركي حتى يعرف أن في العراق فنوناً وليس كما يروج الإعلام الأميركي بأننا كعرب بشكل عام ضد الفن وضد الحضارة. وبين من هاجموا ومن دافعوا كان لا بد أن نستمع إلى كلمة كاظم.كنا قد اقتنعنا بعض الشئ بما كتبه البعض عن اختفائه، فلم نتصل به منذ فترة، ولم يكن لدي معلومات محددة حول موعد عودته من الولايات المتحدة، لذلك ترددت كثيرا قبل أن أتصل به. لكن لماذا لا أحاول؟ حاولت، وجاءني صوته على تليفونه المحمول الذي أعرفه. وكان أول سؤال وجهته له حول ما ردده البعض عن دخوله الولايات المتحدة بجواز سفره الكندي، واستنادهم إلى ذلك في تأكيدهم على انه يتنصل من عروبته فقال بمنتهى الحدة والغضب:اتهامي بمحاولة إخفاء هويتي العربية باستخدامي جواز سفري الكندي هو اتهام سخيف وجاهل إلى أبعد درج، وقد فات من وجهوا لي هذا الاتهام السخيف أن جوزات السفر الكندية والأميركية تذكر بكل وضوح البلد الذي ولد فيه حامل الجوز. كما اني دخلت الولايات المتحدة بتصريح دخول من نوع فَّيض 3ض ونشرت نيويورك تايمز ذلك وهذا النوع من تأشيرات الدخول يمنح للفنانين غير الغربيين، وأنا غنيت باللغة العربية في حفلاتي، كما تحدث بالعربية في بعض المقابلات التي أجريت معي في وسائل الإعلام الأميركي التي كانت تسبق اسمي دائما بلقب الموسيقار أو المطرب العراقي. فهل يفعل كل ذلك فنان يريد إخفاء هويته العربية!؟ فعلى أية أساس يوجه هكذا اتهام سخيف يفنده المنطق بثوان. ولما سألته عن الهدف من تلك الرحلة قال:كما قلت في كل وسائل الإعلام الأميركية التي التقت بي فإنني أعتبر تلك الرحلة رسالة إنسانية، وأنا سعيد بأن وجودي وحفلاتي وغنائي أسهم في إيضاح كثير من الحقائق غير المعروفة عن العراق وشعبه، لذلك فأنا لا أفهم لماذا ينتقد البعض تلك الرحلة فأنا كنت أغني في قلب أميركا باسم بلدي العراق وأغني لبغداد وأكيد وصل اليكم الصدى الكبير التي حققته أغنية «كثر الحديث» التي أتغزل من خلالها في العراق، لقد حققت هذه الأغنية نجاحا كبيرا للدرجة التي جعلت كل من حضر الحفل يرددون معي بصوت عال «بغداد.. بغداد». وقال كاظم: «أحب أن أشير هنا إلى انهم حين سألوني في أحد الحوارات عن الرسالة التي أريد أن أوجهها للرئيس الأميركي قلت له: فكر في أطفال العراق وشيوخه ونسائه لا تجعلهم يعانون. وحكي كاظم أيضا أنه التقى كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة على الطائرة فقال: «كنت جالسا بالقرب منه على الطائرة فذهبت إليه وقدمت له ألبوما لي وكتبت عليه لا تنسى أطفال بلدي .. لا تنسى أطفال العراق». انتهى كلام كاظم، ولكن قبل النهاية وأنا أتكلم معه تخيلت انه يحدثني من القاهرة، لكن حين طلبت منه تحديد موعد التقيه فيه وقال أن ذلك سيحدث فور عودته من الولايات المتحدة أدركت أنه لم يعد بعد، وأدركت مقدار ما تكلفه وما سيضاف على فاتورة تليفونه، لذلك أنهيت المكالمة فورا.