السبت 26 محرم 1424 هـ الموافق 29 مارس 2003 نتواصل في هذه الحلقة من تاريخ السينما العالمية مع الكاتب ديفيدروبنسون حيث يتعرض للحديث عن ظهور شركات الانتاج القوية ودور العرض الفخمة، ومع تعاظم الأجور وتكاليف الانتاج راح المنتجون يبحثون عن طرق انتاج قياسية، عن قيم موثوق منها يمكن حقن أفلامهم بها لضمان النجاح في شباك التذاكر. من هنا ظهرت إلى الوجود سمات معينة للانتاج الأميركي ستظل قائمة لعدة عقود: نظام النجوم، فيلم القالب الجاهز (حيث يتم تكرار الأسلوب أو الموضوع الذي ينجح جماهيرياً بصورة مملة مقززة)، ضخامة الدعاية والإعلان. على نحو متزايد بات واضحا أن مفتاح النجاح هو السيطرة على منافذ توزيع فعالة. وحاربت شركة زكور، باراماونت، بلا رحمة للتحكم في منافذ العرض الضخمة واستغلالها، عن طريق نظام «الحجز بالجملة» الذي يرغم صاحب دار العرض على قبول سلسلة من البرامج ليحصل على فيلم جذاب واحد. نظام يسمح بوضوح بتجاوزات لا حصر لها من ناحية الموزع، حيث يمكنه ببساطة ان يرسل أية قمامة إلى العارض السيء الحظ. وقد أدى الاستياء العام إلى تكوين «التجمع القومي الأول للعارضين» في 1917، وأطاح التجمع بنظام الحجز بالجملة، ولكن الحرب مع باراماونت كانت طويلة ومريرة، وتركت ندوبا عديدة على كيان السينما الأميركية. وقد أصبحت الأفلام أكبر وأكثر تكلفة وأكثر ثراء من حيث التقنية ومن حيث المحتوى، صار لدور العرض هي الأخرى وضع اقتصادي واجتماعي جديد. كانت هنالك طفرة كبيرة في بناء دور العرض خلال السنوات القلائل التي سبقت بداية الحرب، لم تعد قاعات السينما محض محلات عادية يتم تعديلها لعرض الأفلام، إنما صروح تبنى خصيصا لهذا الغرض، قصور فخمة تشيد في الأحياء الراقية، وفي 1914 غزت دور فيتاجراف وستراند منطقة برودواي ذاتها. وفي المقابل، اجتذبت دور العرض الأكثر فخامة هذه جمهوراً جديدا، من الطبقة الوسطى، كما فرض هذا التغير في نوعية الزبائن تغييرات موازية في محتوى الأفلام. قبل الحرب كان معظم الجمهور من الطبقة العاملة الفقيرة، وكانت الأفلام التي يفضلها هذا الجمهور هي تلك التي تتسم بنبرة تربوية وتعنى بالقيم الأخلاقية، فالذوق السائد كان من ميراث العصر الفيكتوري ولايزال. هكذا فضلت أفلام فترة ما قبل الحرب القصص التوراتي والميلودرامات الأخلاقية حيث يثاب الخير ويعاقب الشر (وحيث كثيرا ما يقترن الخير بالفقر والشر بالغنى). كانت الأفلام متفائلة، وأميركا تصور على أنها أرض الفرص والأحلام (وكانت جماعات المهاجرين سندا قويا لهذه التسلية البصرية التي لم تكن ترهق معرفتهم المحدودة بلغة الأرض التي هاجروا إليها). أكدت هذه الأفلام على فضائل الحياة الأسرية وقدسية الزواج، وانتقدت أحلام الثراء السريع وأصحابها، وأولئك الطامحين إلى الارتفاع فوق مكانتهم الطبيعية. كما كانت هناك أفلام أكثر إثارة عن موضوعات البطولة العسكرية ورعاة البقر لتوم ميكس وهارت وبرونكو أندرسون، كذلك أثيرت بين الحين والآخر بعض القضايا الاجتماعية كمعاناة المرأة أو الرق الأبيض، أما القصص التي تتناول قضايا الفساد السياسي أو نظام العمل الرأسمالي أو العنصرية فقد انحازت في مجملها، وكما يوضح المؤرخ لويس جاكوبس، إلى القيم الرجعية انحيازا صارما. وإن كان جاكوبس يرى بداية اتجاه أكثر حرية مع ظهور مباديء التقدمية الويلسونية، على أية حال، كان ثمة تغير ملحوظ في الرؤية قبيل بداية الحرب الأولى:وقد ظلت أغلب الوقت الى الآن تتعامل مع العمال وعالمهم، ها هي الكاميرا تتحول إلى الطبقة الوسطى. كما أنها ستركز في المستقبل على إلهاء العامل عن عالمه الحقيقي، وليس تفسيره، من خلال عرضها لمشاكل المحظوظين اقتصادياً، تلك المشاكل التي تهمه من باب التسلية لا من باب العظة. ومن الآن فصاعدا لن تلفت السينما إلى حياة هذا العامل إلا لماما.. مع الأزمات الاقتصادية القومية فحسب.