السبت 26 محرم 1424 هـ الموافق 29 مارس 2003 سندخل هذه المرة من عنوان الفيلم إلى الأحداث الداخلية حتى نتبين جمالية هذا العمل الشيق الذي اعتمد على قصة عادية ولكن طريقة التناول، هي التي اخذت شكلاً فنيا ليس جديداً ولكنه أعطى نكهة وإثارة ليبقى المشاهد في حالة من الاستمتاع حتى نهاية الفيلم، وهذا مايعرف بإيقاع العمل السريع أو تفتح الحدث على أشياء جديدة تظهر في الوقت المناسب ملقية الضوء على جوانب حقيقية على المشاهد، ومن عنوان الفيلم نعرف ان هناك شخصية لا نعرفها بالطبع ولا يعرف أسرارها شخوص العمل، ابتداء من الزوجة وانتهاء بمجموعة الاصدقاء فكل واحد منهم يروى أحداثا مختلفة لتتشكل في النهاية ملامح هذه الشخصية، هكذا يضعنا الفيلم منذ البداية أمام شخصية تم قتلها ويتم تبليغ زوجته لتأتي للتعرف على جثته، وباستثناء مشهد وحيد ظهر فيه «تشارلي» القتيل وهو يفسح الطريق أمام امرأة عجوز تصفه بالإنسان المهذب، ومن ثم تنتقل الكاميرا إلى مكان آخر لتعرفنا على شخصية «روجينا» وهي تمضي وقتا سعيداً مع أصدقائها وتنتظر عودة زوجها الذي يعمل في تجارة الأعمال الفنية مما يجعله كثير التجوال والسفر، قلنا إن مشهدا واحداً ظهر فيه «تشارلي» وبعد ذلك أصبح شخصية هلامية لم تأت ملامحها إلا على لسان الزوجة والاصدقاء، ومن هنا يتوافق العنوان مع مجريات الأحداث فنعرف حقيقة تشارلي من خلال الحديث عنه، وهذا هو المحور الذي اعتمده مخرج العمل ليجعل المشاهد على محك مع الأحداث أولاً بأول. أما الشق الآخر من الأحداث فهو بحث الجميع عن الثروة التي يمتلكها تشارلي أو على الأقل البحث عن عائدات آخر عملية شاركت فيها المجموعة. الوحيدة التي لا تهتم بموضوع الثروة هي الزوجة «روجينا» لكنها تتعرض لضغوط ومطاردات كثيرة وتقع فريسة للتحايلات التي قام بها الجميع، فهناك من أدعى انه جاء من الولايات المتحدة إلى فرنسا حتى يحميها، ولم يكن هذا الشخص سوى أحد افراد العصابة الذي أكد الجميع موته اثناء القيام بالعملية، لكن ظهوره على الساحة أدى إلى ذهول شركائه وبالتالي موتهم أما بالصدمة أو بالتعرض لحوادث سير، اما الشخصية الحقيقية التي جاءت من المخابرات الأميركية فقد تخفت تحت اسماء كثيرة كلما اكتشفت «روجينا» سر الأسم المستعار تصاب بالشكوك فيمن حولها خصوصاً انها وقعت اسيرة لمشاعر متبادلة مع شخصية «جوش» لتقتنع في النهاية انه هو الإنسان الذي يقف إلى جانبها رغم التنكر والكذب عليها، أما الثروة فقد ظهرت في النهاية على شكل طوابع بريدية غالية الثمن بعث بها «تشارلي» إلى «روجينا» في رسالة غرامية ولم ينتبه إليها الجميع على الرغم من انها كانت في متناول ايديهم. «حقيقة تشارلي» فيلم جيد اعتمد على مقومات وفنيات العمل السينمائى الحقيقي، وقد تعرض إلى نقاط مهمة قد تغيب عن بال الكثيرين ومن هذه النقاط حالة الاحباط التي تسيطر على المتقاعدين العسكريين وخضوعهم للمغريات المادية حتى لو جاءت عن طريق غير مشروع مثل الانخراط في عمل مع عصابات التهريب، وهذه التفاتة جيدة تسلط الضوء على أحوال هؤلاء، وإذا كنا قد تحدثنا عن جودة الفيلم عموماً فإن اجمل مافيه هو هذا السيناريو الرائع الذي أبقى على الأحداث ساخنة حتى النهاية بل مع الجملة الأخيرة من الحوار، الفيلم من بطولة شاندي نيوتن، مارك ولبرج، ومن اخراج جوناثان ديمي. عز الدين الأسواني