الاحد 20 محرم 1424 هـ الموافق 23 مارس 2003 في كتابه نجوم السينما يأخذنا كمال رمزي إلى عالم فريد الاطرش ويقول لم يكن فيلم «انتصار الشباب» الذي وقف فيه فريد الاطرش، اول مرة امام الكاميرا عام 1941، عنوانا للفيلم فحسب، بل وصفا وتجسيدا، لحالة. لقد كان بالفعل انتصارا للشباب.. فهو جواز المرور إلى اوسع مجالات الشهرة، ليس بالنسبة لفريد الاطرش فقط، ولكن لشقيقته اسمهان ايضاً.. وجاء نجاحه الكبير ليعزز مسيرة المخرج ـ الشاب حينذاك ـ احمد بدرخان.. وفي خلفية احدى الاغاني، ضمن المجاميع، ترقص اول مرة على الشاشة، سامية جمال. وعلى الرغم من ان فريد الاطرش لم يكن له خبرة بفن التمثيل، الذي بقيت علاقته به واهية، الا ان احمد بدرخان، بحسه السينمائي المرهف، قدمه في افضل صورة ممكنة.. بل ووجد له القصة التي تتلاءم معه. والشخصية التي يمكنه ان يعيشها، على نحو عفوي، واحاطه بعدد لا بأس به من «السنيدة» الذين يبعثون الحيوية في اي عمل يشاركون فيه: بشارة واكيم، حسن فايق، ماري منيب، علوية جميل، عبدالفتاح القصري، فؤاد شفيق، والممثل الصاعد حينذاك ـ انور وجدي. خلال اكثر من ثلاثة عقود، واربعين فيلماً، قدم فريد الاطرش شخصية ذات أبعاد جوهرية واحدة.. ربما اختلفت بعض تفصيلاتها، لكنها تتفق في المهنة، والمزاج، وطريقة التصرف والسلوك، الامر الذي ادى إلى ان تصبح معظم افلامه كما لو كانت فيلماً واحداً. في الافلام التالية «انتصار الشباب» مثل «احلام الشباب» لكمال سليم 1943. و«شهر العسل» لبدرخان 1945، و«جمال ودلال» لاستيفان روستي 1945، و«ما قدرشي» لبدرخان 1946. يطالعنا في دور المطرب، القادمة من سحب الرومانسية، الذي يحب بكل جوارحه، والذي يعبر عن مشاعره بوجه محدود الانفعالات، وباغان لا حصر لها. وليست مصادفة ان يسند القاسم الاعظم لافلامه اما لاحمد بدرخان، او بركات الذي بدأ مسيرته معه بفيلم «حبيب العمر» 1947، حتى «نغم في حياتي» 1975، مرورا «بعفريتة هانم» و«ماتقولش لحد» و«رسالة غرام» و«قصة حبي» و«ماليش غيرك». فكل منهما يتميز بنزعة رومانسية واضحة، ويهتم بجماليات شكلية، تتجسد في اختيار اماكن خلابة، مثل الحدائق والكازينوهات وشواطيء البحر وصفحة النيل. ولك أن تدهش، وتتساءل: كيف يشتري فريد وبركات قصة «دعاء الكروان» التي لا يعلمان عنها شيئا؟.. على أن الأهم هو ذلك الاصرار من قبل فريد الاطرش، على ان تبقى صورته كعشاق معذب ولهان، هي الصورة الأبدية له.. وهي الصورة التي فرضها حتى على مخرجين في قامة يوسف شاهين، الذي اخرج له «ودعت حبك» 1956، «وأنت حبيبي» 1957، أو صلاح أبوسيف الذي قدم له «رسالة من امرأة مجهولة» 1957، أو كمال الشيخ الذي اخرج له «من أجل حبي» ,1959. وهذه الأفلام تنتمي لفريد الاطرش أكثر من انتمائها الى المخرجين الكبار الثلاثة.وإذا كان فريد، في أعماله الأولى، يعبر عن نوع من طموح الفنان الذي يريد أن يثبت ذاته، ويقدم «أوبريتاته» الجديدة، فإنه، بعدما تقدمت به السنوات، وأصبح شهيرا، وبدأت التجاعيد تزحف حول رقبته وتحت عينيه، اندمج في دور «العبقري» الوحيد، الذي يعاني أحزاناً لا تنتهي.. وها هو يغرف آلامه، المجهولة المصدر، إما في لعب الورق، أو سباق الخيل، أو «العبث مع النساء»، ولكنه غالبا ما يجد تلك الفتاة التي تنتشله من الضياع، كما في «حكاية العمر كله» لحلمي حليم 1965، حيث تقف فاتن حمامة، إلى جانبه، وتهبه قلبها كاملا.. أو في «الخروج من الجنة» لمحمود ذو الفقار 1967، حيث تتعمد زوجته المحبة هند رستم، الطلاق منه، لكي يفيق إلى نفسه، ويعود إلى فنه، وجمهوره الحبيب. تمتع فريد الاطرش بصوت حنون، دافيء، يمتليء بالشجن، وحافظ في ألحانه على طابعه الشخصي القوي، المستقل، والأهم، أنه في العديد من «اوبريتاته» داخل الأفلام ـ ولعلك تتذكر استعراض «بساط الريح»، في «آخر كدبة» لأحمد بدرخان 1950، حافظ، وأكد على شرقية الغناء المصري، وشرقية الغناء الشامي، وشرقية الغناء التونسي، وشرقية الغناء السوداني، وعلى نحو جعل الجمهور العربي، في كل مكان، يحتفي به، وبفنه، احتفاء عظيما..