السبت 19 محرم 1424 هـ الموافق 22 مارس 2003 توقفنا في حلقة الأسبوع الماضي من تاريخ السينما العالمية للمؤلف ديفيد روبنسون عند الفيلم الأول الذي جمع بين المخرج سبنيت وشاري شابلن وكيف ان شابلن كان يرتدي زي رجل من علية القوم مفلس وعاطف، ومع فيلمه الثاني اختار وفقاً للاسطورة ان يجمع ما سيرتديه بشكل عشوائي فجاء ذلك الزي الشهير، سترة شديدة الضيق، وسروال واسع مضموم بحبل، حذاء كبير، قبعة سوداء، عصا صغيرة.ويبدو أن المشاهدين قد أحسوا بوجود قيمة عالية ما في هذا المتشرد البسيط وهكذا تشجع شابلن وراح يصقل هذه الشخصية مع الأيام، فعلى الرغم من ان الخطوط الرئيسية ظلت متشابهة إلا ان البطل الرقيق، بل والمكتئب إلى حد ما في أضواء المدينة (1931) و«العصور الحديثة» (1936) مختلف للغاية عن الجني الصغير المختلس في أفلامه الأولى مع سينيت حيث يعدو حول الاركان كالملسوع على قدم واحدة ممسكاً بقبعته يطارده بعض رجال الشرطة أو عملاق ملتح غاضب داس شابلن على قدمه المنقرس دون أن يقصد. أما ما ظل ثابتاً محتفظاً بحب المشاهدين في العالم أجمع، فهو تلك الغفلة وإمكانية الخطأ الانساني والمرونة أو القدرة على التكيف ومدى العاطفة والانفعال علاوة على الأصالة وكمال الكوميديا. وقد تزامن صعود شابلن مع الطفرة الكبرى الأولى في نظام النجوم. وفي أي سوق للأفلام في ذلك الوقت كان لأعماله قيمة تجارية ضخمة، وبانتقاله من كيستون إلى شركة ايساناي، ثم قيامه بالانتاج لنفسه اعتباراً من 1916، قفزت ايراداته لأكثر من مليون دولار سنوياً. توماس هاربر أينس (18821924) وإن كان أقل نجومية على المستوى الجماهيري من سينيت أو جريفيث أو شابلن، له دور لا يقل أهمية عن أي منهم في تشكيل صناعة الفيلم في أميركا خلال سنوات الحرب وما بعدها. بدأ عمله على المسرح منذ كان طفلاً في السادسة، وأصبح ممثلاً بفرقة اي. ام. بي في 1910، ثم سرعان ما بدأ في إخراج الأفلام وتأسيس ستوديو خاص. وبالاسراف الذي عرف عنه تعاقد مع فرقة الأخوة ميللر التي كانت تقدم عرض رعاة بقر مشهوراً واستأجر 16000 فدان لتصوير أفلام رعاة البقر. وفي 1915 أصبح هو وجريفيث وسينيت رؤوس شركة جديدة هي «تراينجل» وشيدوا في العام نفسه ستوديو جديدا ضخماً في كالفرسيتي (سيعرف فيما بعد باسم استوديوهات إم جي إم) وفي 1916 أنتج فيلماً يرد به على «التعصب» بعنوان «المدينة» عبارة عن أمثولة سينمائية ضخمة لتأييد مبادئ ويلسون المناهضة للحرب. كان أينس مسكوناً بغرور مزعج جعله يدعي أن كل الأفلام التي أنتجها كانت من إخراجه أيضاً. وإذا كانت نقطة الضعف الأخلاقية هذه قد عتمت على كل شيء فقد عتمت على الإسهام البالغ الضخامة الذي قدمه أينس للسينما الأميركية من خلال عمله باعتباره منتجاً عبقرياً ومبدعاً. حيث كان صاحب حدس مرهف بأذواق الجمهور، اضافة إلى فهم عميق لطبيعة الفن السينمائي. كما أن أينس الذي وضع لمخرجيه معايير لفيلم جيد الصنع محكم البناء، يرجع له أيضاً الفضل في إدخال عنصر السيناريو إلى الفيلم، ذلك التطور العضوي الذي كان له أثره الجوهري على شكل الحكي في السينما. ويقول جون فورد، الذي كان أخوه فرانك فورد أحد مخرجي أينس.. «لقد كان لاينس تأثير عظيم على الأفلام، حيث حاول أن يجعلها تتحرك». إن عناصر التطوير التي أدخلها هؤلاء الفنانون على أسلوب الفيلم لم تقف طويلاً محض خبرات شخصية منعزلة، فالمنتجون والمخرجون الآخرون كانوا يتابعون بلهفة كل خطوة يخطوها مخرج مثل جريفيث، وكان كل ابتكار جديد يتم تقليده وتبنيه على الفور باعتباره خبرة عامة. لقد نشأت معايير صناعة الفيلم في أميركا خلال السنوات من 1910 إلى 1918 وأصبح لأميركا موقع الريادة في المجالين الاقتصادي والفني، وحينما أصبحت صناعة الفيلم عملاً محترماً نسبياً، معترفاً بها ولو بشيء من الريبة باعتبارها فناً، صار هنالك تقدم سريع في معايير الكتابة للشاشة والتمثيل والاخراج وتصميم المناظر والنقد. في هذه الأثناء ذاتها كان التنظيم الاقتصادي يتغير هو الآخر، فالسينما قد أصبحت تجارة أكبر وأكبر، والفيلم الروائي الطويل كان يفترض وجوده ببطء ولكن بثبات حتى فرضه على صناعة السينما في نهاية الأمر من خلال مؤسسة التوزيع القوية التي يملكها «بارا ماونت» مما ساعد على الاسراع بانهيار أو انسحاب كثير من الشركات القديمة الرائدة.