السبت 19 محرم 1424 هـ الموافق 22 مارس 2003 سنحاول قدر امكاننا ان نحيد انبهارنا بهذا الفيلم الرائع وألا نركز على الجوانب المشرقة والمنصفة للمواطن العربي حتى لا تأخذنا العاطفة بعيداً عن فنيات وموضوعية، الحدث التي اعطت مصداقية للمشاهد سواء في البلدان العربية او الغربية على حد سواء، ويكفي ان نقول في هذا الصدد ان هذا الفيلم لو كان انتاجاً عربياً خالصاً لما استطاع ان يطرح قضاياه بهذه الحيادية الجميلة، وتعود احداث الفيلم إلى العام 1884 حيث كانت الامبراطورية البريطانية تبسط نفوذها على مناطق كثيرة في الشرق الاوسط وهي في اوج قوتها وعظمتها، ويحدث ان يهاجم المسلحون قلعة بريطانية في السودان فيتم ارسال كتيبة إلى هناك لتساعد على صد الهجوم، من بين هذه الكتيبة ثلاثة ضباط اصدقاء جميعهم يتمتعون بكفاءات قتالية عالية ومن بين هؤلاء الضابط «هاري» الذي يستعد في هذه الاثناء لاتمام زفافه على «اثنى» التي تربطه معها علاقة عاطفية، لكن «هاري» يقدم استقالته تحاشيا للذهاب مع كتيبته ومن ضمن مبرراته لهذا الفعل ان لا معنى للخروج والقتال وازهاق الارواح فقط لمجرد توسعات ترضي الحكومة البريطانية وعلى رأسها الملكة، غير ان صراعاً رهيباً تبرزه لنا شخصية «هاري» ففي تلك الفترة الزمنية كان ينظر للمجند بكثير من الاعتزاز والفخر وفي حالة «هاري» فإن وصفا بالجبن سيلتصق به إلى الابد خصوصاً بعد ان يرسل اصحابه وخطيبته اربع ريشات بيضاء، والريشة البيضاء هي رمز الجبن والخوف، فتظل الريشات الاربع تمثل لهاري هماً لا ينتهي الا بسفره منفرداً ليلحق بالكتيبة هناك، ولان قصة الفيلم تريد ان تأخذنا إلى حيث لا نتوقع، يقع «هاري» في منطقة تابعة لجماعة المهدي فيضطر لأن يستمع لنصيحة «ابو فاطمة» وهو مناضل صوره الفيلم بأبهى صورة، شخص قوي البنية اي انه ليس ضعيفاً، متفهم إلى ابعد الحدود اي انه ليس متخلفاً، متعاون بما لا يشكك في وطنيته، ومع هذه الصفات نجد «ابو فاطمة» يتعرض لابشع انواع التعذيب عندما ينقل رسالة من «هاري» إلى بقية كتيبته ويحذرهم من هجوم محتمل، اما نصيحة «ابو فاطمة» فقد كانت انخراط «هاري» في المجتمع السوداني فلبس لباسهم واطلق لحيته، وهنا نجد جمالية اخرى لابراز مدى تسامح الشعب العربي ومدى الظلم الذي يقع عليه، وهذا ليس انطباعنا بقدر ما صوره الفيلم في تعرض «هاري» للقهر باعتبار انه مواطن سوداني فعمل في السخرة، المهم انه اعاد لكل صديق ريشته بعد ان ينقذه من موت محقق اثناء المعارك ليبريء نفسه من تهمة الخوف والجبن، إلى ان ينتهي بريشة «اثنى» التي تفكر بالارتباط بالضابط «جاك» الذي عاد من السودان وهو فاقد لبصره. من الواضح ان الفيلم يقدم رسالة مفهومة للجميع ولمن يقرأها الآن عليه ان يستفيد من تجارب بريطانيا في مستعمراتها السابقة وان الحرب لن تعود على الجميع الا بالقتل والدمار والعاهات دون اية فائدة تذكر، ولان الرسالة واضحة يتوجب علينا أن نشير إلى فنيات العمل ونقول بان القصة الجيدة والسيناريو المحكم والتصوير الجيد وادارة المعارك الممتازة قدمت لنا في النهاية عملاً في غاية الروعة سواء المادة البصرية او الحوارية او من ناحية المضمون، الفيلم من بطولة هيث ليدجر، ويس بنتلس، كيت هدسون، ديجمون هونو، ومن اخراج شيكار كابور. عز الدين الاسواني