الجمعة 18 محرم 1424 هـ الموافق 21 مارس 2003 جاءت ورحلت كالنسمة، شهدت عرض فيلمها القصير «مضطرب» ـ الذي كان الفيلم القصير الوحيد الذي يعرض على شاشة الساحة الكبرى لمهرجان لوكارنو السينمائي الدولي أمام 8000 مشاهد ـ أثارت الاهتمام بفيلمها لتناولها وضع المرأة وعلاقتها بالموسيقى والمجتمع الايراني. عرفت مخرجته الفنانة شيرين نيشات Neshat Shirin عالميا بأعمالها كمصورة فوتوغرافية بارعة تبرز معاني عميقة وراء الأبيض والأسود، وقد تحولت من الصورة الثابتة الى الصورة المتحركة في مجموعة من أفلام الفيديو تكشف فيها عن القيم التقليدية وراء مايبدو من سكون المرأة ـ الظاهري ـ وحراكه الداخلي، متوخية عدم المساس بمحظورات التعاليم الاسلامية عن جسد المرأة قدمت معارضها في مدن كبرى بأميركا وأوروبا ونالت جوائز دولية من بينها «الأسد الذهبي» لبينالي فيزيسيا للفنون المصرية 1999، واحتفل بها متحف الفن في فيينا واصدر عنها دراسة، وحديثا نشرت بالألمانية، وعنها نشرت ترجمة في «مجلة فكر وفن» بالعربية في عددها الأخير. سئلت عن الرقابة في ايران والامور التي تعوقها كفنانة اشارة الى سابق قولها أن وجود المعوقات يخلق الحاجة الى التوصل لجوهر الاشياء اجابت شيرين نيشأت: ـ عندما بدأت اهتم بالاسلام وتراثه وفلسفته وبالاخص بالتصورات عن المرأة فيه، قررت عدم التخلي عن اطار الرمز الاجتماعي والثقافي والدين وعدم زحزحة الحدود المفروضة، وانني أدين للسينما الايرانية ـ مابعد الثورة ـ خصوصا فيما يتعلق باللغة الخاصة بها، حقيقة أن هذه اللغة لا تتخطى المواقع، لكنها تبين بصورة جلية التفاصيل الصغيرة وتتميز الافلام بالبساطة والشاعرية والاختزال والقوة، وهي تنتقد المجتمع دون ادعاء. سئلت حول ظهورها في بعض صورها بنفسها الفوتوغرافية والسينمائية، هل هذه استراتيجية فنية؟ اجابت باهمية مشاركتها في الصورة ـ كما فعلت في مجموعة صور نساء الله ـ 1993 اردت الظهور في الصورة لان الأمر يتعلق بشكل أساسي بالجسد الأنثوي، بجسد امرأة ايرانية في نفس عمري، أردت من استخدام جسدي اضفاء نوع من الحميمة، ثم قررت البقاء وراء الكاميرا والاخراج ـ باستثناء فيلم «مناجاة النفس» الذي كتبت له السيناريو وقمت باخراجه ومونتاجه، كما مثلت فيه لأن قصة الفيلم تعتمد على تجربتي الشخصية. تتحدث عن تجربتها كمخرجة سينمائية ومصورة فوتوغرافية وكمنتجة، تقول أنها تبدأ بتحديد الموضوع الذي يستحوذ على اهتمامها ثم تكتب قصته ببساطة وتعتمد في عملها على المزج بين الصور والعنصر القصصي والموسيقى وفي مرحلة اخيرة تجرب مزج السينما مع الفنون التشكيلية الى جانب مؤثرات فوتوغرافية. وكمنتجة تعمل مع فريق الفنانين الايرانيين منذ 1998 يضم مدير تصوير وممثلين ومؤلفة موسيقى تقوم معهم بمناقشة وتحليل الافكار. ونظرا لصعوبة ظروف العمل في ايران تضطر للاسف الى التصوير في بلد اسلامي اخر وتقوم بخبرات مدهشة مع بيئة ثقافية جديدة، كما توفر فرص عمل في تلك المناطق الفقيرة. عن التصوير الفوتوغرافي تقول نيشات: حيث أني اهتممت بالاساس بقضايا سياسية اجتماعية، اعتبرت ان التصوير الفوتوغرافي هو أنسب وسيلة، لانه يقدم الاحساس بالواقع، كما انه وسيلة متاحة لجمهور عريض ثم طورت اسلوبي الشخصي الذي يتعامل مع الصور المتفجرة للنساء المسلمات مع الخطوط الزخرفية وقد تميزت هذه الصور بالاقتضاب والتشكيل واقتربت في شكلها من الاثار المحفورة في الصخر ثم ادركت ان الفوتوغرافيا لم تعد تناسب الاتجاه الجديد لافكاري ومن هنا بدأت التجريب في الفيلم السينمائي. حول مرجعياتها السينمائية الهامة تقول شيرين نيشات انها بهرت بالافلام الكلاسيكية ابيض ـ أسود لارسون ويلز وهيتشكوك، كما تأثرت بافلام المخرج الايراني عباس كياروستامي برؤيته وشاعريته ولغته البصرية واستقلاليته. حول دور الموسيقى والصوت في أفلامها وخاصة فيلم «مضطرب» تقول ان الموسيقى تبعث الحياة: في الصورة ـ وهي تعمل مع المؤلفة الموسيقية والمغنية سوزان دايهيم فهي «لا تكتفي بفهمها الجيد للموسيقى الايرانية التقليدية فحسب، بل لديها معرفة واسعة في مجال الموسيقى الالكترونية. بعد فيلميها «مضطرب» و«نشوة» اللذين اهتما بموضوع حركية الذكورة والانوثة داخل الهياكل الاجتماعية في الاسلام وخاصة في ايران، فان فيلمها الجديد توهج يهتم في المقام الأول بالمحرمات في مجال الجنس والرغبة، ويدور حول رجل وامرأة يتلاقيان لأول مرة في مكان خال ومكشوف، تحدث استثارة جنسية دون حدوث أي اتصال ثم يتقابلان مرة اخرى في اجتماع يلقي فيه رجل ملتح له كاريزما ـ درسا اخلاقيا عن الخطيئة المتضمنة في «الرغبة» من خلال روايته لقصة يوسف وزليخة من القرآن الكريم. ويؤكد رجل المنصة على العبرة من القصة ويهيب بالرجال والنساء ان يكبحوا جماح انفسهم ويقاوموا هذه القوى الشريرة بكل ماأوتوا من قوة.. تتحول الاستثارة المبدئية للرجل والمرأة، الى شعور بالانقباض والذنب في النهاية تهرب المرأة دون أن يحدث بينهما أي اتصال لفظي أو جسدي. تبدو تشابهات بين هذه الأفلام حتى لتبدو ثلاثية، لم تقصد شيرين أن تقدم ثلاثية ـ كما تقول، كل فيلم قاد الى الاخر، هناك تشابهات وهناك اختلافات، في فيلمي «مضطرب» و«نشوة» قدمت علاقة الذكور والاناث بالهيكل الاجتماعي في الاسلام من خلال مفهوم النقائض.. موسيقى معتدلة وموسيقى مجنونة، موسيقى تقليدية وغير تقليدية، المجتمعي والمعزول الفكرة الاساسية في «نشوة» تقديم ردود الفعل المميزة لكل من الرجل والمرأة ازاء الضغوط السياسية والاجتماعية، أما في فيلم «توهج» كان التركيز على الجوانب المشتركة فالمحرمات الخاصة بالجنس والحب الرومانسي شيء مشترك بين الرجل والمرأة، غير أن العقوبة تقع على المرأة وحدها في أغلب الاحيان في هذا الفيلم لا يقدم الرجل والمرأة على انهما صورتان متقابلتان، بل على انهما صورتان متجاورتان ورغم ان هناك ستارا يفصل بين الجنسين، فإنهما شديدا القرب من بعضهما البعض.