الخميس 17 محرم 1424 هـ الموافق 20 مارس 2003 عايشت مريم فخر الدين الملكية في مصر وعرفت أدق تفاصيل المصريين البسطاء بالريف حيث كان والدها مهندسا للري بالفيوم وحينما قامت الثورة ، كانت نجمة وشاركت فيها حتى النخاع ويكفيها بطولتها لاروع فيلم قدم فلسفة الثورة «رد قلبي» وفي السبعينات عايشت حرب أكتوبر والانفتاح الذي انتهي بمأساة اغتيال السادات عن كل هذا تمتلك مريم ذكريات قديمة جدا وحديثه معاصرة عن عهد مبارك!! عن عهد الملك فاروق أخر ملوك عائلة محمد علي في مصر تقول مريم أيام الملك كنت اشوف ناس كثيرة تعبانه، تعيش على الجبنة القريش والسريس والجعضيض والعيش المرحرح والدي كان في الفيوم فكنت أرى ريف مصر من العمق، خاصة في جوانبه الاجتماعية والاسرية وفي عادات وتقاليد الناس، كنت لا أعرف الأحوال السياسية في هذه الفترة لان المدرسة الألماني التي تعلمت بها لا تعلم السياسة، كما أن والدي لم يكن يتكلم معنا في هذا المجال، وكان يدعوأصحابه الى المنزل بعد ان ننام ولا نسمع ما يقولون. لكن والدتي كانت تعلمني حب مصر، وكانت تقول لي: مصر دي عظيمة تزرع بها الطماطم في الشتاء وفي المجر بلدنا لا تظهر الا في شهر واحد بالصيف فقط. وعن حريق القاهرة قبل قيام ثورة يوليو تقول مريم: عندما اشتعل الحريق بالقاهرة نزلنا بعد إخماده وكنا نسكن في الجيزة وعندما شاهدنا الحريق كان ما دمر شئ مأساوي، وشعرت ببشاعة ما جرى وبأني مقهورة فالمحلات التي كنا نحب الشراء منها احترقت بكاملها ورحت أسأل والدتي « هنشتري منين بعد كده؟» لكن كل شئ تغير مع ثورة يوليو. الجهل بالثورة وتتحدث مريم عن ثورة يوليو بتلقائية وعفوية لأنها تعتبر نفسها نتاج هذا الحدث العظيم الذي غير الوطن العربي جغرافيا وإنسانيا وتقول عنها: عندما قامت الثورة كنت عملت حوالى أربع أوخمس أفلام، وكان محمود ذوالفقار لا يزال يدخل ويخرج في منزلنا ولم نكن تزوجنا بعد وحدث خلاف غضب على أثره محمود وأعتقد أن والدتي تعاركت معه كلاميا وعندما خرج اتصل بنا هاتفياً حدثنا وقال: «دي قامت النهاردة ثورة» فقلت لامي بالمجر الخبر أردفت معلقه: عاملها حجة من أجل أن يعود لنا تأنى المهم أنني لم أفهم يعني إيه ثورة والدي مات بعد قيام الثورة بشهر في سبتمبر 1952 حينها وقتها في لبنان مع محمود ذوالفقار نقضي شهر العسل لكن أنا أحببت جمال عبد الناصر أولا من كتاب يوسف السباعي وهذا كان أول كتاب أقراه بالعربية عن الثورة لان تعليمي خوجاتي والعربي عندي ضعيف وعندما كان عندي 12 عاما قرأت للفيلسوف لامارتين كل أعماله، وقراءاتي العربية كانت قليلة أو نادرة واذكر أن والدي احضر في أحد الأيام كتاباً عن رفاعة الطهطاوي فقرأته وعندما قرأت سيناريو «رد قلبي» بدأت أشعر بكارثة فاروق وحكم الملكية على مصر، وعرفت لماذا قامت الثورة وهنا بدأت اربط الأحداث وبدأ عقلي ينضج وأني أبلغ سن الرشد وأنا فعلا لم ابلغ سن الرشد الا مع هذا الفيلم بعد ذلك بدأت أحب الثورة يمكن أكثر من جمال عبد الناصر. قطار الرحمة وتضيف مريم فخر الدين: الثورة أول ما بدأت اهتمت اهتماما بالغا بالفنانين فالرئيس محمد نجيب بعد قيام الثورة مباشرة دعي في بيان الفنانين لمساندة الثورة والحقيقة كل الفنانين كانوا يشعرون بأهمية حركة الضباط الأحرار لمصر وأنها السبيل للتحرر من الاستعمار ولتحقيق العدالة والمساواة لذلك عندما دعت الثورة الى مشاركة الفنانين في مشروع قطار الرحمة كمشروع نبيل لمساندة المحتاجين في جنوب مصر لبينا كلنا النداء، وأنا أتذكر أنني وزوجي محمود ذوالفقار ذهبنا في أول قطار اتجه الى أسوان من محطة مصر وكان معنا مديحه يسري وزينات صدقي وماجدة وثريا حلمي ومحمد فوزي وأحلام وفهمي عمر وخرجنا من محطة مصر على الموسيقي العسكرية وحضر اللواء الرئيس محمد نجيب بنفسه ليشاهد القطار الأول وهويتحرك، أتذكر انه القى فينا كلمة حماسية حيانا فيها وأكد على نبل تحركنا. والحقيقة كنت سعيدة جدا بمشاركتي في هذا المشروع الإنساني الوطني الفريد الذي كان يؤكد أن الفنان دوره ليس أمام الكاميرا أوفوق خشبه المسرح أنما أيضا بين الناس لأنه مؤثر فيهم للغاية. وتجتر مريم فخر الدين الذكريات قائلة: وفي شهر يوليو1954 أجريت انتخابات اختيار جمال عبد الناصر رئيسا لمصر وتأييداً للدستور الذي وضعه من أجل الشعب وفي صباح هذا اليوم ذهبت كأول ناخبة للصندوق وكأنني سأذهب للتصوير أدليت بصوتي في فناء إحدى مدارس الجيزة التي لا أتذكر اسمها الآن. وكنت سعيدة جدا وأنا أدلي بصوتي لاني شعرت بكياني وبأهمية رأيي وقابلت في هذا اليوم زميلي فريد شوقي والذي كان متعبا جدا وعرفت منه انه طاف بأكثر من عشر لجان باحثا بينها عن اللجنة التي بجداولها اسمه الانتخابي حتى وصل اليها في أول طريق الأهرام. وعندما وصل وجد صفا طويلا فاصر أن يقف كباقي المواطنين ورفض أي تسهيلات عرضها عليه الناس والمسؤولين عن اللجنة ومن الطريف أنه لم يكن يحمل معه ما يثبت شخصيته معتمدا على معرفة الناس به، ولكنه فوجئ بطلب بطاقة إثبات الشخصية، ولم ينقذه من المأزق ألا الضمان الشخصي الذي تقدم به أحد الضباط من أصدقائه. ولم أقابل في هذا اليوم فنانا ألا وحدثني عن تجربته في الإدلاء بصوته لان الجميع كان يحب جمال عبد الناصر وفرح بالثورة. وتعتز مريم فخر الدين بمقابلتها للرئيس جمال عبد الناصر أكثر من مرة وتقول: أول مرة قابلت فيها الرئيس عبد الناصر كان أثناء تصوير فيلم «رد قلبي» جاء للاستديو وشاهدنا واثنى على جهودنا وتمثيلنا، وفي استديو مصر جلست وراءه مباشرة وكنت أحضرت صورة له ليوقع لي عليها وانتهزتها فرصة وقلت له: من فضلك يا جمال بيه وقع لي على الصورة فقال لي يا مريم أنا لغيت البهويه فقلت له وأنا لم اكن أجد لقباً لاناديك به أو فكرت أن أقول لك يا جمال بيه ولا باشا ولا أعرف اناديك بأي لقب فقال لي وهويبتسم: سميني جمال ومضى لي على الصورة الى مريم فحر الدين مع إعجابي بها في فيلم «رد قلبي» وهذه الصورة بتوقيعه لا أزال أحتفظ بها للان، وبعدها جاء فيلم «رسالة غرام» مع فريد الاطرش. وطلب فريد: انا لن أذهب العرض الخاص معه وكنت لا اريد الذهاب. فقال لي دا الرئيس سيحضر الحفلة واكد لي ذلك: فعلا فأكد لي كلامه وبالفعل ذهبت مبكرا مع فريد لسينما ديانا وجاء عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وكل رجال الثورة وحضروا الفيلم وتأكدت هذه المرة من جاذبيته كرجل. وحقيقة جميعنا نحبه ويمكن يكون ومن الممكن أن يكون جمال ارتكب أخطاء انما يكفي انه الذي بنى السد العالى وهوانسان من حقه ان يخطئ. ويكفي أنه ايضا عندما انهزمنا في 1967 تنحى ونحن الذين تمسكنا به. وكان لازم بوش عندما ضرب البرجين يستقيل ألف مرة لان فاله نحس على بلاده والعالم. صاحب النصر وتتحدث مريم عن السادات قائلة: إذا كان عبد الناصر بني السد وأمم القناة وعمم مجانية التعليم ووزع الأراضي الزراعية على الفلاحين فأن السادات هوصاحب النصر على جيش إسرائيل الذي لا يقهر واعاد لنا سيناء وربنا يساعد الرئيس مبارك على ما يقدمه للشعب المصري فهو رجل سلام تاريخه معروف منذ كان قائدا للطيران في الجيش المصري ثم نائبا للسادات ثم رئيسا حكيما يحاول أن يصل بمركبة مصر الاقتصادية والاجتماعية لشاطئ الأمان ورغم الزيادة السكانية الرهيبة وارتفاع الاسعار وظهور رجال الأعمال الفاسدين الذين هربوا بمليارات البنوك فانه يحاول ترميم البيت ووضع مصر في مكانتها الطبيعية التي تستحقها بالوطن العربي والعالم. في الحلقة الثامنة من ذكريات الفنانة مريم فخر الدين تأتي بقصة اول لقاء جمعها بالعندليب الاسمر الراحل عبد الحليم حافظ واشتراكهما معاً في فيلم «حكاية حب» عام 1959 والازمات الصحية التي تعرض لها العندليب اثناء تصوير الفيلم بالاضافة الى ذكريات اخرى من حياة مريم فخر الدين. حلقات يكتبها ـ محمد سليمان: