الثلاثاء 15 محرم 1424 هـ الموافق 18 مارس 2003 شهر اول مضى بامتياز من عمر «ملوك الطوائف» المسرحية الجديدة لمنصور الرحباني، والتي تعرض على احد اكبر مسارح بيروت (كازينو لبنان) وهي من اخراج مروان الرحباني، وتمثيل: غسان صليبا، كارول سماحة، بول سليمان، اسعد حداد، زياد سعيد، ونزيه يوسف (في الادوار الرئيسية)، ونحو خمسين ممثلاً وراقصاً ومنشداً، اضافة الى انها من تأليف منصور وتلحينه وانتاجه (والاخير مع المؤسسة اللبنانية للارسال انترناشيونال). في المسرحية الجديدة، المستمرة عرضاً واقبالاً ملحوظاً، يستمر التناول الرحباني للمادة التاريخية بعناوين مشابهة: مسئولون موبوؤن بالفساد والسرقة والانانية ـ شعب مسحوق ينساق بسهولة ـ مدّ اليد للغريب بدلاً من التفاهم الواقعي في الداخل ـ حب طاهر قادر على احتلال مكانة له وسط جحيم السياسة واحقادها ـ اسقاط على الواقع اللبناني بطريقة ساذجة لايزال مشاهدون لبنانيون كثر يتأثرون بها، ويضحكون، ويصفقون لها، وكأنها تقال للمرة الاولى. تشرذم الاندلس لا يتنكر منصور، ولا ينكر، ذلك السياق الرحباني في تكرار التناول المحبب والمرغوب فيه. فلا يتردد بالقول: «ان ملوك الطوائف» عمل يعنى بالتاريخ والحرية وقضية الانسان، كتبته «بكل» اخلاص. واكرر كلمة «بكل» هذه لماذا؟ لانني لا استطيع الا ان ارمي برصيدي كله الى الناس الذين وثقوا بي. ويتابع: «تروي المسرحية مرحلة مهمة من تاريخ العرب في الاندلس، يوم راحت الدولة تصبح دويلات،فاستقل كل امير «بمدينة» سماها «دولة»، وباتوا يعرفون باسم: «ملوك الطوائف»، ومن غرائب الصدف، عربياً، ان يكون عدد هذه «الدول» 22 دولة، تكون شقيقة امام الملأ وفي العلن، وعدوة في السر. ويكيد ملوكها بعضهم لبعض ويتسابقون على نيل رضا ملك كاستيليا الفونسو السادس الذي كان يبتزهم فيفرض عليهم أتاوات مالية بحجة دفاعه عن السلام، كما انه يجبرهم على ان يقاتلوا الى جانبه، ويقاطعوا من يقاطعه، ويتحالفوا مع من يحالفه». ولأن التاريخ عبارة عن محطات، تكرر الواحدة منها الاخرى، فـ «ملوك الطوائف»، كما يقول الرحباني: «يعودون في ازمنة وامكنة متعددة، ولعلنا نعيش هذا التاريخ الان، وقد نصادف احد هؤلاء الملوك يتصدّر احدى الحفلات، او يصرّح لوسيلة اعلامية، مثلاً». يوحي عنوان المسرحية، وكأن مضمونها على صلة مباشرة بواقع الطوائف في لبنان، وقادتها، وعناصرها، ودورها في شئون السياسة وشجونها، الى اي مدى يبدو هذا الايحاء سليماً؟ يرد الرحباني بالنفي:«لان المقصود بالطوائف في المسرحية، ووفق المسار الاندلسي التاريخي، هو المعنى السياسي لا الديني او المذهبي». الانفصال الحتمي ـ هذا يعني ان مسرحيتك لا تتضمن اسقاطاً تاريخياً بين الماضي والراهن؟ ـ انني لا احب ان افسر مسرحي، فاترك للمشاهد (او المتلقي)، فرص المشاركة في عملية خلق المسرحية، وتفسير العمل الفني كما يريد ويرى. افضل عدم اسر المشاهدين في «سجن» وجهة نظري. فربما لا تكون جيدة، لهذا اترك للمشاهد التفسير الذي يرتضيه لنفسه وبنفسه، فهو وحده الذي يقرر ما اذا كانت المسرحية تحمل اسقاطاً تاريخياً ام لا وينطلق هذا التفكير من خلفية مفادها انه اذا لم يحس المشاهد بأنه معني فيما يجري على المسرح، واذا لم يشاهد توقه الى الحرية وفرحه والمه، فإن انفصالاً حتمياً سيحصل بين الخشبة من جهة وبينه وجمهور الصالة من جهة اخرى. لذا، فإنه من غير المهم ان يحكم عمر الفكرة المسرحية ومرور الزمن عليها لصالحها، او ضدها، بل لعل الاعتبارالاول والاخير في هذا التحكيم يعود الى مدى ما تحرك الفكرة في داخل المشاهد، وما تجعله يلمس ويحرك من اعماق الباطن لديه. ويتابع الرحباني موضحاً اكثر بالقول: «الفن بالنسبة لي ليس بلاغاً حزبياً، ولا عملية مناقصة او ترويج لبضاعة عالجت سقراط (في مسرحية سابقة) لانه «ابو الحقيقة» وشهيدها الاول، هذا الرجل كان من اهم الذين القوا ظلالهم على الحضارة، لذا، جذبني موضوعه اليه من دون اية خلفيات معينة، فعندما كتبت عن سقراط كنت اكتب نفسي. كتبت سقراط منصور الرحباني لا سقراط الحقيقي». ـ هل الكتابة المسرحية عن التاريخ تجعلها تاريخية، وعن الشخصيات العظيمة تحولها الى «كتابة عظيمة بدورها»؟ يقول منصور معلقاً: «الواقع ان الكتابة هي التي تجعل الموضوع عظيماً، وليس الشخصية المكتوب عنها مهما كانت عظيمة، فلو جمعت نبوخذ نصر ونابليون وسقراط معاً، فلن تضيف شيئاً جديداً لهم او لكل منهم الا في الكتابة. واقول ببساطة اننا، نحن الرحابنة، نتمسك بخطين، ومن خلالهما عالجنا مواضيع تاريخية كثيرة، انا والمرحوم (عاصي الرحباني)، ومنها مسرحيات «فخر الدين» و«بترا»، وسواها، نحن نعالج دائماً مواضيع تاريخية، واخرى راهنة ايضاً. وهذا ليس هرباً من الواقع، لانه لا تنقصني الجرأة لاقول كل ما اريد، لكنني عندما اعالج التاريخ، فلسبب فني محض، وليس هرباً من شيء». الوحدة الفنية ويختم الرحباني متحدثاً عن تعاونه مع جيل الشباب من الفنانين خاصة مع اولاده الثلاثة: اسامة، غدي، ومروان. فيقول: «يجب ان اقول اولاً انه يصعب تكرار تجربتي الفنية مع شقيقي الراحل عاصي. فقد كنا صديقين اكثر مما نحن شقيقان. فاصبحنا شخصاً واحداً، ينكر الواحد منا ذاته من اجل الاخر، والعكس بالعكس». لذلك كنا نوقع اعمالنا باسم «الرحابنة»، وليس باسمى ولا باسمه. لم يعد هناك عاصي منصور، اصبح الاثنان شخصاً معنوياً واحداً اسمه الرحباني، اما بالنسبة لاسامة وغدي ومروان، فانني لم اتعامل معهم لانهم اولادي، بل لأنهم فنانون اولاً ثم هم اولادي. فالفن لا يكون بالوراثة، وكذلك الابداع، وقد قررت التعاون معهم عندما لمست الموهبة الموسيقية العالية التي يحملونها وما يملكونه من ثقافة عامة وفنية هائلة. وينهي بالاشارة: «اما بالنسبة الى فيروز، فنحن اقارب وصديقان، اما التعاون فسيأتي لاحقاً. ودائماً توجد لدينا مشاريع مشتركة». ـ ماذا بعد «ملوك الطوائف»؟ يجيب منصور بجدية: «بعدها سيكون هناك عمل «ما بيتصدّق». هو عبارة عن مسرحية معاصرة، كتبت بعضها، وسأكملها لاحقاً بعد الانتهاء من المسرحية الحالية (ملوك الطوائف)