السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 في هذه الحلقة نتابع مع ديفيد روبنسون مؤلف كتاب تاريخ السينما العالمية كيف كان الاطار الزماني والمكاني لكوميديات سينيت هو العالم، الواقعي لاميركا وقد اثرت كوميديات كيستون الفولكلور العالمي بعالم من المخلوقات الغريبة التي كانت بكافة المقاييس، اكبر واكثر حيوية وجموحاً من الحياة ذاتها، مخلوقات ضخمة او هزيلة، عمالقة أو اقزام، لها شوارب قذرة او نظارات مزركشة وملابس دائما اضيق أو اوسع مما يجب، وكان نجوم سينيت الاوائل هم فريدميس البدين، فورد سترلنج الممتعض الوجه/لحية العنزة، ميبل نورماند اجمل مهرجات السيرك، كما ضمت قائمة «خريجي» الاستوديو فيما بعد ارباكل البدين. بن تورين الاحول، تشارلي تشيز، بيلي بيفان، شيستر كونكلين، ماك سوين، ادجار كينيدي، لويز فيزيندا، بولي موران، كذلك كانت ستويوهات سينيت موقعا تدريبياً لا نظير له للمخرجين: فمن بين مخرجي الكوميديا الذي برزوا فيما بعد هناك اثنان ممن عملوا مع سينيت في كتابة الحيل والمزح.. مالكلولم سان كلير وفرانك كابرا.. واثنان من فريق كيستون ايدي سوذر لاند وادوارد كلاين.. كذلك ساعدت الجماهيرية العالمية الواسعة لكوميديات كيستون ومن اقتفى اثرها من المقلدين مساعدة كبيرة في السيطرة التجارية لاميركا على السينما. والى جانب هذا «وعلى نحو عرضي، حيث لم يكن سينيت يهدف لاكثر من تحويل الكوميديا الى سلعة تجارية» ساهمت هذه الافلام مساهمة لا تقدر في تطور فن السينما باضافتها احساساً جديداً بالايقاع والتدفق في تركيب الفيلم وحرية جديدة في حركة الكاميرا التي صار عليها ان تصبح اكثر رشاقة لمتابعة المهرجين اينما وقعوا وحيثما تأخذهم مطارداتهم المجنونة. في وقت متأخر من سنة 1913 قام سينيت بتشغيل ممثل انجليزي في الرابعة والعشرين من عمره كان وقتها في جولة بمسارح المنوعات الاميركية ضمن فرقة فريد كارنو «الطيور المتنكرة» وعند مشاهدته للافلام الاولى التي عمل فيها هذا الشاب شارلي شابلن، احس سينيت انه قد اخطأ بتقديم هذا الممثل، فاسلوب الشاب الانجليزي في الكوميديا الشديد الهدوء والاسترخاء كان على النقيض تماماً من اسلوب التقافزات وحركات الوجه المحمومة الذي تقدمه فرقة سينيت غير ان شابلن حقق خلال عام واحد شهرة عالمية واضحة، ليصبح سريعاً أول اسطورة عالمية في تاريخ السينما، من الغريب ان شابلن كان ينتمي من حيث التنشئة الى العصر الفيكتوري. فهو ابن لاثنين من الفنانين المكافحين ممن يعملون في قاعات الموسيقا ـ الاب سكير مبذر والام ضعيفة القوى العقلية. عرف في طفولته مآسي لندن الفيكتورية. حيث الفقر المدقع والمؤسسات الاجتماعية القاسية كما عبر عنها ديكينز هذه الطفولة تركت على شخصيته بصمة لا تنمحي: فكل ما تكشف عنه افلامه فيكتوري بالاساس.. الاجواء، المواعظ الاخلاقية، العواطف، النظرة الى عالم الفقراء والمعدمين، لذا فإن هناك دائما عمقاً جوهرياً من الخبرة الأليمة الصادقة لافضل اعمال شابلن، حتى اذا تستر الألم بستار من الرومانسية او تحول الى كوميديا. استمد شابلن تكنيكه واسلوبه من التدريب بقاعات الموسيقا الانجليزية فهناك تعلم السيطرة على الشخصية وعالمها النفسي وصقل الاداء وتعدد المهارات، والخبرة العالية بفن حركة الممثل التي كان على اي فنان بقاعات الموسيقا ان يعكسها في عمله. اضافة الى انه كان يملك بشكل فطري خصائص الممثل المرهف: الموهبة في التقمص، الرشاقة والاحساس بالايقاع، المقدرة التي لا تنضب على الابتكار وكذلك الحس الشاعري الاصيل. في فيلمه الاول مع سينيت كان شابلن يرتدي زي رجل من علية القوم مفلس وعاطل ومع فيلمه الثاني اختار وفقاً للاسطورة ان يجمع ما سيرتديه بشكل عشوائي فجاء ذلك الزي الشهير، سترة شديدة الضيق وسروال مفرط الاتساع مضموم بحبل، حذاء اكبر مما يجب وقبعة سوداء اصغر من اللازم، قفاز قديم مثقوب وعصاً صغيرة، رابطة عنق وياقة مجنحة.. تشير جميعها الى طموح هباء في اكتساب مظهر ارستقراطي.