الخميس 10 محرم 1424 هـ الموافق 13 مارس 2003 بعد انفصالها عن الدكتور محمد الطويل أصبحت مريم مثل السفينة وسط الأمواج المتلاطمة.. معها طفل رضيع. كان كل شئ في حياتها مرتبكا، ادارة الضرائب تطاردها، والشائعات تحاصرها وكانت قاب قوسين أو أدنى من الانهيار.. لكنها استمدت قوتها من تجاربها القاسية مع محمود ذو الفقار والدكتور الطويل. وكان لابد ان تواصل مسيرتها حتى تصل لشاطئ الأمان. الشمع الأحمر وتقول مريم عن قسوة هذه الأيام: بعد اعتزالي لاكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة قررت العودة للتمثيل لاني لم أكن أملك مليما بعد طلاقي من الدكتور محمد الطويل فقابلت سعد الدين وهبه الذي عرض علي فيلم سيخرجه توفيق صالح ولكن المفاوضات تعثرت بيننا بسبب الأجر. وكانت نكسة 67 قد وقعت، فذهبت لمقابلة الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة وقتها وقلت له: لي أربع سنوات وأنا بلا عمل، أريد أن أعمل، قال: السينما تأممت وما فيش شغل، إن شاء الله على شهر يناير، كنا في شهر أبريل، ومعنى هذا أن أنتظر تسعه أشهر بلا مورد رزق، وفجأة جاءت ادارة الضرائب وطلبت مني 900 جنيه عن أعمالي السابقة وقالوا: يا تدفعي يا نشمع الشقة بالشمع الأحمر، ولم يكن معي سوى 250 جنيه فدفعت أيجار الشقة المتأخر وتبقي معي 13 جنيهاً وتركتهم يشمعونها، وسمعت أن فريد الأطرش، وفريد شوقي، ورشدي أباظة، وشويكار وفؤاد المهندس، وحسن مصطفى وغيرهم سافروا لبنان من أجل العمل هناك، والكل يسكن عمارة يعقوبيان في لبنان. فاشتريت تذاكر السفر وأخذت ابني والدادة وسافرت الى هناك وليس معي سوى 13 جنيهاً لم اخف بل شعرت أن الله سيكون معي. وعندما نزلت لبنان استقبلني اللبنانيون بحفاوة وعندما لاحظت عدم وجود الصحفيين اضطريت اكذب عليهم وقلت لهم: أنا جئت من أجل قضاء الصيف والتنزه وليس من أجل التمثيل. وجاء احد اللبنانيين وطلب أن يوصلني فوافقت لانه إذا لم يوصلني أحد فسوف ادفع ما تبقى معي، واوصلني الى العمارة التي يقيم فيها الفنانون المصريون. دخلت العمارة فصادفني شخص اسمه رياض قال لي: اهلا ست مريم فقلت له بدون مقدمات: أريد شقة، وسوف ادفع الإيجار عند وصول التحويل وكما تعرف التحويلات حالياً تمر بصعوبة وأول ما تصل سأدفع. قال بلهجته اللبنانية: تكرمي عيني، فأعطاني شقة بالدور العاشر من غرفتين ومطبخ وحمام تطل على البحر، وأخذت المفتاح وبدأت المربية تفتح الحقائب ونزلت أنا للسوبر ماركت لاشتري أكل لحمادة. والسوبر ماركت أسفل العمارة. أول ما رآني صاحبه قال: أهلا ست مريم، الحمد لله على السلامة. سألني إذا كنت سأدفع فوري أو على النوتة وأول مرة اسمع عن نظام الشراء بالنوتة فسألته عنها. فقال الدفع آخر الشهر. قلت طبعا على النوتة. فأخذت لبن حمادة و أكله وثلاث عربات مكدسة باللحم و الخضروات و السمك و الفاكهة وكل شيء حتى الورد أخذته منه. وبعد أن ارتحت سألت «رياض» هل يوجد بالعمارة مصريين فقال لي: رشدي اباظة، وحسن الأمام، و البير نجيب ومعه أمه وزوجته وأولاده وكان مونتير وقلت له وصلني بألبير فسلمت عليه وكان سعيد بمحادثتي له وعزمته وزوجته على الغداء عندي. وبعد الغداء والفاكهة قال لي أثناء الحديث: والله أنت بنت حلال بالأمس وأنا على المقهى في الروشة قال لي المنتج حبيب مجاعص: أريد أن اعمل فيلم للست مريم. فقلت له: كلّمه يا البير.. اتصل به فحضر مجاعص وشرب معنا القهوة وبدأ يتفق معي على اجري بالفيلم فقلت له انا لا اعرف الليرة اجري 3 آلاف جنيه استرليني فأعطاني منهم 500 جنيه استرليني عربون، وعندها وجدتها فرصة لاضع امامه شروطاً اخرى من تذاكر سفر وايجار وغيره، فقلت له ادفع لرياض شهر تأمين وشهر أيجار فكلمت رياض بالهاتف وقلت له: التحويل وصل وحبيب مجاعص سيمر عليك الآن ويعطيك حقك، وعدت لحبيب وقلت له: كما أن الطعام علي نفقتك فأذهب للسوبر ماركت وادفع له حسابه بعد كل ذلك وعندما شعر بأنه وفر لي كل شيء قال: سأقيم حفل هذا المساء على شرفك ونحضر الصحافة، وسيحضر بطل الفيلم ونعلن أنني أحضرتك من مصر خصيصا للقيام ببطولة هذا الفيلم، فأرجو أن تحضري في العاشرة مساء بعد حضور كل المدعوين، وعندما نزلت الى الحفلة وجدتها مليئة بالصحفيين والمعجبين والورود في كل مكان وتصفيق حار. وجلست مع المنتج والبير وزوجته ومساعد المخرج والمخرج الذي جلست بجانبه. وفجأة جاء شخص لا أعرف أسمه قدمه المخرج لي على أنه بطل الفيلم أمامي. وقال لي قومي من أجل أن نصوركم معا كأنها مشاهد من الفيلم من أجل الصحافة، وقمت ورقصت معه وكان طويل وضحكت ضحكتي الشهيرة، وبعد التصوير قال لي: مريم قلت: نعم. قال أنا عايز أتجوزك. فنظرت للمرة الأولى في وجهه حتى أعرفه، «فهد بلان»، فقلت له: لكن أنت لا تعرفني، فرد علي انه حافظ كل أفلامك، فقلت له: لكني لا أعرفك ولا يمكن أتزوج إنسانا لا أعرفه «ولكن دعنانمثل معا بالفيلم واترك الموضوع حتى يعرف كل منا الأخر بشكل جيد ثم نقرر بعد ذلك ماذا نفعل (بدأت مريم حياه جديدة تحاول استعادة ذاتها من خلالها لكن الخوف من المستقبل كان يحاصرها فكان لابد أن تدخر كل ما تكسبه لتعود إلى مصر بشكل محترم وكان عليها أن تنهي عدتها لتفكر بشكل جدي في الزواج من فهد بلان من عدمه. شائعات لبنان الصحافة اللبنانية أخذت تكتب عنها وتشيع وتسرد حكايات لا أصل لها على طريقة «جيمس بوند» وهذا دفع كبار الصحفيين المصريين للدفاع عنها وعن باقي الفنانين المصريين الذين دفعتهم الظروف الصعبة للسينما المصرية للسفر و العمل في بيروت فكتب عبد النور خليل في الكواكب مقالا نهاية 1967 تحت عنوان «ماذا يفعل نجومنا في بيروت وفسر تواجد عبد الوهاب بأن صحته تحتاج الى هواء الجبل، وفريد الأطرش لعلاج قلبه، وفريد شوقي من أجل تقديم أفلام جديدة، و إسماعيل ياسين لضيق ذات اليد، ويوسف شعبان لان له تجربة طويلة في العمل بلبنان قبل وقوع النكسة وكذلك هنري بركات وايهاب نافع والإذاعي حسن المليجي وغيرها، ومريم فخر الدين لإنجاز فيلمها «فرسان الغرام» أمام فهد بلان. وكتب صالح جودت مقالة عن مريم فخر الدين بعنوان: «مأساة المآسي» مؤرخا لحياتها منذ البداية و انكسارها مع محمود ذو الفقار ثم هزيمتها الزوجية من الدكتور كمال الطويل ثم مطاردة الضرائب لها وخوفها من أن تعود لمصر ولا تجد مكان تنام فيه لان الضرائب شمعت شقتها وطالب الدولة بأن تمسح دموعها، ومؤسسة السينما ووزارة الثقافة أن يقفا الى جوارها، ومن مصلحة الضرائب أن ترحم هذه الفنانة صاحبة التاريخ الفني العظيم التي أمتعت الجميع وتخفض الضرائب التي عليها أو تقسطها كما تفعل مع التجار. على أن قصة الحب التي جمعت بين مريم وفهد صارت حديث الجميع ما بين القاهرة وبيروت كان الجميع يخمن كل يوم زواجهما وفجأة تنفي مريم الزواج وتقول: هذه مجرد زمالة عمل و الحقيقة أنها كانت خائفة من إن يكون الزواج الثالث فاشلا لكن أخيرا تحققت إشاعة الزواج بين فهد بلان ومريم فخر الدين وتقول عن هذه التجربة كنت قد جمعت من خلال عملي عام ونصف بلبنان 30 آلف جنيه إسترليني وتزوجت فهد فعدت الى مصر واشتريت شقتين تمليك ودفعت الضرائب وفتحت شقة الجيزة المشمعة واشتريت سيارة جديدة. وكان فهد رجل شهم وطيب وظريف عشت معه أجمل أيام عمري. وكان كريم جدا فبعد فترة من زواجنا رجع ابني محمد لي وعمره أربع سنوات وكانت صحة والده الدكتور الطويل قد بدت تتدهور كما توفي محمود ذو الفقار فرجعت أيمان ابنتي لي وعمرها 14 سنه وصار أولادي يعيشون معي وكان فهد يحبهم جدا، وفي الزمالك اخذ شقة وأنا أخذت شقة فوقه كان في شقته يستضيف من يريده من سواق التاكسي الى البواب أو أي إنسان غلبان يعزمه. وعندما يكون لدينا ضيوف مهمين يصعد لي واستمر الحال فترة. حتى جاءت ابنتي إيمان من المدرسة غاضبة وكانت متسلطة وقالت لي بلهجة حاسمة: يا أنا يا فهد بلان قلت لها: ما هو السبب، قالت: أصل العيال في المدرسة يغيظوني ويقولوا لي «واشرح لها» أغنيته الشهيرة فقلت لها: هذه أغنية حلوة. فقالت: علشان واشرح لها أنا مش عايزة فهد. وأخذت الموضوع ببساطة. وبعد فترة فوجئت باتفاقهما معاً ايمان وحمادة. برفض زواجي من فهد، فأصبح استمرار زواجنا مستحيلا فانفصلنا بطريقة محترمة وكان عنده أمل كبير أن أعود إليه ثانية. لكن هذا لم يحدث. في الحلقة السابعة من ذكريات مريم فخر الدين سنتحدث عن اول كتاب قرأته باللغة العربية واول مرة تلتقي بالرئيس جمال عبدالناصر وعن ذكريات لزملائها الفنانين.