الاحد 6 محرم 1424 هـ الموافق 9 مارس 2003 ولم يكن غريبا ان يقدم المخرج حلمي حليم طرفا من حياة انور وجدي في فيلم مؤثر بعنوان: «طريق الدموع» 1961 فحياة انور وجدي العاصفة السريعة القصيرة تستحق التأمل طويلا قد تكون حياته خالية، من المفاجآت، الا انها فاجعة «تراجيدية» في جوهرها، فمن القاع وبراثن الجوع، وغياهب النسيان، ينهض بطلها بدأب وارادة من حديد، ليشق طريقه الى القمة، والثراء، والشهرة، ويظل لسنوات، مدافعا بجلد، وبوحشية، وبكل ما أوتى من قوة وذكاء عن مكانه ومؤسسته ومكانته وينتقل باصرار من نجاح لنجاح ومن مجد لمجد ويذهب سمعة بين الناس ويكسب المعركة تلو المعركة.. لكن الهزيمة تأتي من داخله فالمرض الذي صاحبه طفلا يستفحل في صمت غادر ليقضي عليه في النهاية. ولاشك في ان انور وجدي ادرك بذكائه وخبرته انه ليس ممثلا في قدرة زكي رستم او حسين رياض ولا يستطيع تجسيد الانفعالات المركبة، على طريقة عماد حمدي او محسن سرحان ولكن رصيده يكمن في ملامح وجهه المتسقة، وشعره الناعم الفاحم السواد، وظله الخفيف المستحب.. لذلك انطلق على الشاشة محطما تقاليد الرزانة والوقار التي تميز نجوم الاربعينيات وليؤدي ادواره الجادة، بل والمتجهمة مثل طالب الثأر في «امير الانتقام» لهنري بركات 1950 او ضابط الشرطة في فيلمي صلاح ابو سيف «ريا وسكينة» 1953 و«الوحش» 1954. قام انور وجدي باداء شخصيات ثانوية، فيما يزيد عن الاربعين فيلما وخلال الاعوام العشرة الممتدة من 1945 حتى وفاته 1955 لم يقم بالبطولة المطلقة فحسب ـ فيما عدا غزل البنات ـ بل كتب الكثير من سيناريوهات افلامه التي انتجها لحسابه واخرجها بنفسه. في عام 1945 وحده شارك انور وجدي بالتمثيل في 14 فيلما!! ومن الواضح ان سنوات البطالة والفاقة علمته عدم التوقف عن العمل من ناحية والادخار من ناحية اخرى وفي هذا العام وجد نفسه وقد اصبح شهيرا ويقف على ارض اقتصادية صلبة لذلك قرر ان ينشيء شركته المستقلة، وقادته فطنته الى اختيار ليلى مراد الاوزة التي تبيض ذهبا لتصبح شريكة حياته. مع ليلى مراد قدم من تأليفه واخراجه «ليلى بنت الفقراء» 1945 و«ليلى بنت الاغنياء» 1946 و«قلبي دليلي» 1947 و«عنبر» 1948 و«غزل البنات» 1949 و«حبيب الروح» 1951. قبل هذه الافلام الستة، التقى انور وجدي ليلى مراد، في فيلمين حيث اسند له الدور الثانوي في فيلم «شهداء الغرام» لكمال سليم 1944 المأخوذ عن «روميو وجولييت» ثم قام بالبطولة امامها في «ليلى في الظلام» لتوجو مزراحي 1944. ولعل الطفلة «فيروز» من اهم الوجوه التي اكتشفها انور وجدي وهي اشهر طفلة على شاشة السينما العربية، قدم معها فيلمي «ياسمين» 1950 و«دهب» 1953 وهداه تفكيره الى ان يقتبس فكرة «الصبي» لشارلي شابلن، حيث استبدل الطفل جاكي كوجان بالطفلة فيروز المتعددة المهارات التي تجيد الى جانب التمثيل الغناء والرقص. نجح «دهب» بالقدر نفسه الذي نجح به «ياسمين» فانور وجدي بذكائه استوحى شخصية شارلي شابلن ولم يقلدها وبهذا تحاشى ان تتم اية مقارنة بينه وبين الفنان العظيم، ودعم فيلميه كعادته بكتيبتين مميزتين من الممثلين في ياسمين: زكي رستم وعبدالعزيز خليل ومديحة يسري وزينات صدقي، وفي «دهب» ماجدة واسماعيل ياسين وشكوكو ومحمود المليجي وسراج منير ولجأ بمهارته المعهودة الى منطقة الاستعراضات التي تألق في اخراجها ولعلك تذكر «معانا ريال... معانا ريال» و«احنا الثلاثة.. سكر نباته» وبالطبع اضفى بحسه السينمائي النشط الحماسي جوا من البهجة والمرح، مستعينا بطاقة فيروز التي ملأت الفيلمين بالحياة والحيوية.. واتكأ اولا وقبل كل شيء على فكرة لقاء الشريدين التي ابدعها شارلى شابلن. انور وجدي احب عمله وتفانى فيه، واخلص له فحقق الكثير فنيا ومعنويا وماليا وتحولت بعض حبات عرقه الى عمارة شاهقة بلغت تكاليفها ربع مليون جنيه، هكذا بعدما كان يتسلل الى الكواليس هاربا من البواب لينام فوق احدى الارائك اصبحت له عمارة تضم عشرات الشقق لذلك كان يذهب ليلا، في اثناء تشييدها ليجول منتشيا بين اروقتها وممراتها. ووسط انهماكه في العمل هاجمته آلام الكليتين المتضخمتين منذ كان طفلا ونصحه الاطباء بالسفر الى اوروبا للعلاج فطاف في العديد من مستشفيات فرنسا وايطاليا وحاول بكل شغفه بالحياة ان ينتصر على المرض، فتزوج ليلى فوزي وعقد قرانه في باريس ثم عاد الى القاهرة ليتحدث عن «مؤسسته» التي لن تتوقف وان كان لن يمثل او يخرج الا انه سيؤلف وينتج لكنه بعد اسابيع اشتدت عليه الآلام من جديد، فسافر في هذه المرة الى السويد مع زوجته، وعندما فارق الحياة في حجرته بالمستشفى في 14 مايو 1955 كان يحتفظ في حافظته بصورة له وصورة لعمارته التي انتهى من بنائها اخيرا.