السبت 5 محرم 1424 هـ الموافق 8 مارس 2003 نتواصل من حيث توقفنا في الحلقة الماضية من كتاب تاريخ السينما العالمية لمؤلفه ديفيد روبنسون وكيف وسع جرينيث من نطاق موضوعات السينما ثم جرب الموضوعات الاجتماعية في اغنية «القميص» عام 1908 و«احتكار القمح» 1909. عن رواية لفرانك نوريس، الذي استمد روايته «مكتيج» ستروهايم لاحقا بموضوع فيلم «الجشع» كانت طموحاته تكبر، حاملة معها السينما الأميركية كلها. حينما أقدم على اعادة تقديم «رينوك اردن» في 1911 اصر، كما رأينا، ان موضوعا بهذه الأهمية لا يمكن تنفيذه في بكرة واحدة كما هو سائد وقتها. وكان تقديمه للفيلم المتعدد البكرات بداية لثورة هائلة، ثم بعد عامين، في صيف 1913، جاء فيلمه «جوديث بيثيوليا»، وهو فيلم تاريخي فلسفي متقن الصنع، في اربع بكرات، اي زمن عرض يطول ساعة كاملة، وهو طول غير مسبوق «بالنسبة للفيلم الأميركي». ان افلاما مثل هذا ومثل «نشأة الانسان»، الذي كان بمثابة دراسية نفسية قائمة على نظرية داروين في التطور، قد تبدو طموحاتها الآن اشياء مضحكة تافهة، ولكنها اثارت في زمنها جدلا لا ينتهي واعطت السينما بعدا فكريا جديدا. وفي 1913 ترك سيد الشاشة بلا منازع، جريفيث، شركة بايوجراف ليعمل مع شركة ريلايانس ماجيستيك. قدم اربعة افلام تمهديدية، ولكن طاقته الحقيقية كلها تركزت على عمل «اعظم فيلم عرفته الشاشة» وكان هذا هو ما فعله بالضبط.. فان «مولد أمة» 1915 يظل اعظم الافلام اثرا في تاريخ السينما. الفيلم مأخوذ عن رواية حول الحرب الأهلية للقس توماس ديكسون بعنوان «ابن العشيرة» (وقد قدمت العروض الاولى للفيلم بالعنوان ذاته) وكان غرام جريفيث بالتاريخ الأميركي قد ظهر من قبل في عدد من الافلام القصيرة من أبرزها «المذبحة» 1912 الذي عالج فيه «قضية كاستر». ثمة تحيز كعنصري وجنوبي امتصه جريفيث دون تمحيص او نقد من ديكسون ولكنه لا ينتقص من الانجاز الاكبر للفيلم. لقد وضع جريفيث في هذا الفيلم كل مهاراته وسيطرته على فن السينما وعلى مشاعر المشاهدين التي تعلمها خلال السنوات السبع السابقة، ليقدم ترجمة بصرية ضخمة للحرب الأهلية ترى فيها الاحداث التاريخية الكبرى بالتوازي مع آثارها على حياة الافراد، ان «مولد أمة» قد فرض على الواقع بقوة ادراكا صريحا وتاما للامكانات الفنية للسينما. كانت أرباح «مولد أمة» هائلة (بلغت تكاليفه 000,110 دولار ولكنه أثبت انه واحد من أكثر الأفلام ربحا في التاريخ) وصب جريفيث كل ما عاد عليه منه في فيلمه التالي.. «التعصب» 1916. الفكرة الرئيسية للفيلم قد تكون طموحة الى حد لا يحتمل: فكرة التعصب موضحة من خلال اربع حوادث من التاريخ، بابل القديمة ويهودا التوراتية وفرنسا العصور الوسطى وأميركا الحديثة. وعلى الرغم مما يظهره الفيلم من افتقار جريفيث الجوهري لروح المرح ومن لمسات عاطفية مفرطة وحذلقة وربما نقص في دقة المصادر، الا انه يظل انجازا رائعا. فالحوادث الأربع التي يحكيها الفيلم موصولة بعضها ببعض بتعقيد شديد ولكن بسيطرة تامة في الوقت نفسه، كما ان الذُّرَا الدرامية المتوازية تتجمع في قمة للاثارة والانفعال لم ير المشاهدون مثيلا لها من قبل. لكن جمهور 1916 لم يكن بمقدوره، على ما يبدو، استيعاب مثل هذا الفيلم. فلم يحقق نجاحا جماهيريا، وكان على جريفيث ان يقضي معظم ما تبقى من عمره يكافح في ألم لسداد ما جره عليه الفيلم من ديون. مهندس آخر من مهندسي تفوق اميركا في السينما بعد 1914 ماك سينيت «1880 ـ 1960»، ابن احدى الاسر الايرلندية المهاجرة الى كندا. التحق في شبابه بشركة بايوجراف للعمل ممثلا عندما كان جريفيث ينفذ أفلامه الاولى هناك. وفي 1909 بدأ يهتم بالكتابة (هو صاحب سيناريو فيلم الفيللا المنعزلة)، وفي عام 1910 اصبح مخرجا. ولقد قدم لنا سينيت بنفسه الدليل على انه انتهز كل فرصة ممكنة لدراسة طريقة جريفيث في العمل، وانه اعتاد الانتظار بباب الاستوديو في الليل حتى يتمكن من ملاقاة «الاستاذ» ليرافقه في عودته للبيت سيرا على الاقدام ويناقشه في السينما. وفي عام 1912، وبدعم مالي من اثنين من الناشرين (أو الدائنين، وفقا للاسطورة) اسس سينيت ستوديو «كيستون». في البداية اقتصر على اخراج افلامه هو، ثم سرعان ما وظف الاستوديو فريقا كاملا من الممثلين والمخرجين ليقوم سينيت بدور المنتج المشرف، حيث كان يتابع سير العمل في مؤسسته الغريبة هذه من قمة برج شيده بقلب فناء الاستوديو. كان للافلام التي قدمها ستوديو كيستون عناصر من المسلسلات الهزلية والمنوعات والسيرك والعروض الايمائية والملهاة المرتجلة (كوميديا ديللارتي) والافلام الكوميدية الفرنسية القديمة، ومع هذا فقد كانت أفلاما ذات نوعية متميزة وفريدة. كان الاطار المكاني الزماني لكوميديات سينيت هو العالم الواقعي لأميركا العقد الثاني من هذا القرن ـ الشوارع الفسيحة المغبرة بمنازلها الخشبية ذات الطابق الواحد، محلات البقالة والأدوات المعدنية، السيارات البارزة العظام التي بدأت بالكاد تزيح الحصان وعربات الخيول من الطريق، رجال الشرطة، الرجال بقبعاتهم السوداء المستديرة وسبلاتهم (سوالفهم) العريضة، والنساء بالتنورات الفضفاضة الطويلة والقبعات الكبيرة. غير ان هذه الافلام، بأحداثها الفوضوية والسوريالية التي تتسم بالصخب والعربدة، قد جعلت من هذا العالم الواقعي المألوف عالما آخر.