السبت 5 محرم 1424 هـ الموافق 8 مارس 2003 لكي نكتب عن عمل فني يتناول في مضمونه احداثا طازجة لم تزل فصولها واقعة امام أعيننا فنحن نحتاج إلى خلفيات معلوماتية هي أبعد ما تكون عن متناول أيدينا، الا اذا أردنا ان نقع في وجهة النظر الاحادية التي تخدم مصلحتنا دون شك، فما بالنا اذن بفنان يحاول أن يتعرض للواقع «السياسي» ويقدمه في عمل مصور بحجم القضية الفلسطينية بكامل أبعادها، هذه القضية التي لا تحتمل أن نمسك بالعصا من المنتصف فنراوح بين قناعاتنا وما هو كائن بالفعل، وفيلم «عناية الهية» من حيث قصة لم يخرج عن اطار ما نقول فجاءت احداثه باهتة المعاني لولا بعض المشاهد التي تحمل أفكاراً ذات دلالات وطنية، وحتى لا نستفيض في الحديث بحثا عن خفايا النوايا ودوافع الجهة التي أنتجت الفيلم وكيفية السماح بالتصوير في مناطق الحدث، سوف نتوقف عن فنيات الفيلم ومواضع الضعف والقوة في بنائه الدرامي فنقول: أولا أن كاتب القصة والسيناريو هو المخرج والممثل في نفس الوقت، وكما قلنا سابقا وسنظل نقول ان من يمسك بجميع الخيوط في يده لابد وأن يكون واعيا لخصوصية كل عمل على حدة، فالكاتب كاتب، والمخرج كذلك، والممثل أمامه حدود لا يجب تجاوزها، فهل انتبه اليا سليمان الى ذلك؟ لا نظن انه انتبه بدليل انه لم يستطع التفريق بين فيلم روائي طويل وفيلم تسجيلي قصير، ولكل فنياته وأدواته، فالفيلم التسجيلي في احيان كثيرة لا يعتمد على الحوار وانما على لغة الكاميرا القادرة على قول كل شيء بالتركيز على موضوع واحد فقط، والذي حدث ان اليا اعتمد علي فنيات الافلام التسجيلية وطبقها في فيلمه الطويل، ابتداء من وحدة الموضوع «في المشهد الواحد المتكرر»، واستغنى عن الحوار والموسيقى التصويرية ـ الا فيما ندر ـ وصور معظم المشاهد بكاميرا واحدة ثابتة في معظم الاحيان، باستثناء اللقطات العمودية في مشهد خارجي وحيد، ولا ننسى ان الشخوص في الفيلم لا تحمل أسماء بالمرة فما الذي تبقى؟ حتى نكون اكثر دقة وانصافا سنقول ان حذف ثلاثة أرباع المشاهد لخرجنا بفيلم تسجيلي في غاية الروعة لن يحتاج الا لعناية بدور الكاميرا ووظيفتها الحقيقية في مثل هذه الاعمال، فما الذي حدث بالضبط؟ لقد كان «اليا» مشتتا بين جمع الفكرة وطريقة اخراجها ودوره في الفيلم، ولم يفطن الى ان غياب الحوار يحتاج الى لغة كاميرا، وان تكرار المشهد الواحد اكثر من خمس مرات يعني ان هناك افلاسا في المضمون، ثم والاهم من ذلك الرسالة التي يريد العمل ايصالها للمتلقي، واذا كانت الخاتمة التي ركزت على غليان الماء وما يمكن ان تستتبعه من انفجار، فأين ذلك الغليان الذي قدمه الفيلم؟ هل هو في نقاط العبور من رام الله الى القدس وهمجية التفتيش ووقاحة المحتل؟، نعتقد ان القضية اكبر من ذلك بكثير والشيء الآخر ان الفيلم قدم لنا مقاوما انيقا يمتلك سيارة فخمة واختزل هذا المقاوم في شخصية الفتاة الجميلة الرشيقة التي لا يصيبها الرصاص بنظرتها «شخصية الفتاة رمز لفلسطين»، ترى هل تتفق الملابس والشكل المرفه مع المقاوم الفلسطيني سواء كان رجلاً أو امرأة؟ قلنا ان معظم المشاهد مكررة واذا كان هناك تغيير في جزئية من المشهد مثل غياب شخص أو استحداث موقف على نقطة العبور فهذا لا يعني ان نسهب ونطيل الى درجة تشعر المشاهد بالملل، وان يشعل احد الممرضين سيجارة في المستشفى لا يستدعي بالضرورة ان يشعل المرضى جميعهم السجائر ويسيرون بشكل متكاسل حتى تصلنا رسالة ان لا معنى ولا قيمة للوقت بين لحظات الحياة والموت الذي قد يأتي في أية لحظة، وعموماً الشيء الذي لا مواربة فيه أن «اليا سليمان» عندما فكر في هذا العمل كان يعرف جيدا انه يخاطب جمهوراً بعينه ومجتمعات لا تعرف الحقيقة كاملة وهذا الجمهور ليس هو الجمهور العربي بأي حال من الاحوال، ولذلك انت لن تخرج من الفيلم بقيمة ما، بل انك لن تجد نفسك في أحداثه أكثر مما ترى ما يحدث عند المعابر في نشرات الأخبار ونقاط التفتيش؟! عز الدين الاسواني