الاربعاء 2 محرم 1424 هـ الموافق 5 مارس 2003 مخرج كندي من أصل أرميني يقوم بدوره المغني الفرنسي الشهير «شارل أزنافور»، ممثل كندي من أصل تركي، أستاذة تاريخ كندية من أصل أرميني، رجل جمارك كندي يقوم بدوره ممثل أميركي شهير «كريستوفر بلامر» هذه القرية الكونية داخل فيلم «أرارات» العمل الأخير للمخرج الكندي «أتوم إيجويان» صاحب الأصول الأرمينية والذي عرض في افتتاح مهرجان الفيلم الكندي في الفترة من 17 إلى 22 فبراير بمركز الإبداع بالقاهرة. كندا كما الولايات المتحدة الأميركية تضم أعراقا مختلفة، لم تظهر هذه التركيبة بهذا الوضوح إلا في عمله الأخير بينما أعماله السابقة قصيرة وطويلة تتناول في أغلبها مشاكل مجتمع كندا المفتوح. المخرج الذي قاوم بشدة أصوله الأرمينية ورفض تعلم لغة والديه إلا بعد النضج قدم فيلمه عن قضية مواطنيه بعد أن ثبتت أقدامه وأصبح مخرجا عالميا معترفا به بشكل جعله محط إعجاب الكنديين والأرمن على السواء وعندما أتى إلى القاهرة كشف عن مولده بها وعن أبويه اللذين عاشا في مصر حتى عام 1963 بعدها هاجرا حاملين صغيرهما الذي بلغ عامه الثاني ومعهم عدة شرائط مصورة له في حدائق الحيوان وفي منزل الأسرة بالمعادي، وفي طريقه من المطار كان يحاول تذكر المناطق التي حدثه عنها أبواه وبالكاد تعرف على «هيليوبوليس» أو ضاحية مصر الجديدة، أحد الأماكن التي عاشا فيها. يستخدم المخرج أتوم إيجويان أسلوب العودة إلى الخلف ثم التقدم والتراجع ثانية، تتشابك الحكايات والأزمنة سواء كان الفيلم يتناول أحداثا معاصرة أو كان فيلما تاريخيا فأسلوب السرد واحد يعكس ذهنية قلقة تموج فيها الأفكار ونشعر بمعاناة المخرج في نقل ما يعانيه أبطاله سواء كانت قضايا كبرى مثل الكرامة الوطنية والاستقلال أو كانت قضايا إنسانية عادية كالغيرة وفقدان الثقة في النفس والآخرين. في أفلامه يتناول مشاكل الصراحة والإيمان والإلحاد، الصدق والكذب وكلها أفكار يعطيها المخرج نفس الدرجة من الأهمية فيقدم في الفيلم الواحد مشهدا يعكس جدلا فكريا عن قضايا عامة وآخر يدور فيه حوار عاصف عن قضايا حياتية عامة، والانتقال متن الخاص للعام والعكس يتم بعد وصول المشاهد لحالة من التشبع تجعله يشعر بقدر من الصدمة وتجعله يفيق من اندماجه في الحدث وتفاعله وجدانيا معه. لا يمثل أسلوب المخرج قطيعة مع سينما المشاعر التي تقدم الأبيض والأسود، الشيء ونقيضه، جدل الأفكار وصراع الشخصيات وبين وسائل السرد المعاصرة التي تتعمد كسر الإيهام بالواقع للتنبيه مثلا بأن ما يجرى تصوير فيلم كما في فيلمه الأخير «أرارات» أو تحقيقا في حادث كما في فيلم «الحلو يأتي لاحقا». «أتوم إيجويان» هو كاتب السيناريو في كل أفلامه يعتمد على نصوص أدبية أو حادثة حقيقية أو شهادات حية لبشر عاصروا الأحداث ويصعب الجزم بأنه يكتب السيناريو بالتتابع الذي نشاهده في أفلامه فالصياغة فيها يمكن الوصول إليها عبر طاولة المونتاج وهي في نفس الوقت قابلة لصياغات جديدة ومتنوعة قد يمارسها المشاهد إذا لم تعوقه اللغة عن سرعة التلقي فيقوم بإجراء إعادة صياغة للخطوط والأحداث ليتمكن من وضعها في مجموعات وخاصة إذا أدرك أن المخرج تعمد تقديمها بشكل متقاطع كاختيار يناسبه ويصر عليه من فيلم إلى آخر. في فيلمه الأخير «أرارات» عن التطهير العرقي الذي قام به الأتراك تجاه الأرمينيين، وعرض تكريما له في مهرجان برلين السينمائي الدولي 2003 الذي رأس فيه إيجويان لجنة التحكيم الدولية قبل مجيئه إلى القاهرة ولأول مرة بعد هجرة أسرته إلى كندا ليتم تكريمه والفيلم عرض في العام الماضي خارج المنافسة في مهرجان كان السينمائي نظرا لطبيعة موضوعه الشائكة وخاصة في وقت يعاد فيه صياغة العالم من قبل أميركا التي صورها المخرج مثل طوق النجاة وسفينة نوح الراسية فوق جبل «أرارات» لإنقاذ الأرمن من بطش الأتراك العثمانيين. في الفيلم يصور طبيب الإرسالية الأميركي بلباسه الأبيض وشارة الصليب الأحمر على ذراعه في منطقة حماية للولايات المتحدة الأميركية، وعلم أميركا مرفرفا ومطلا على الجبل العالي بقمته المغطاة بالثلوج البيضاء. عندما يقدم الفيلم عام 2002 وأميركا تستعد لشن الحرب على العراق بدعوى تخليص الشعب العربي من ديكتاتور يهدد سلام العالم يصبح الفنان متواطئا مع توجه سياسي للرئيس الذي أعلن انهم يواجهون حربا صليبية. وبينما يتظاهر آلاف البشر في كل أنحاء العالم وحتى داخل أميركا وبريطانيا اللتان تستعدان للإجهاز على العراق كبداية لسلسة من التدخلات بدعوى الحماية والديموقراطية نجد فنانا - كبيرا بحق - مثل الفنان الأرميني الكندي «أتوم إيجويان» يفسد فنه بتبنيه لأفكار استعمارية تلبس ثوب البراءة ولكنه لن ينسينا فيلم «نظرة أوليس» الأهم والأرقى لليوناني «أنجلو لوبوليس» الذي أدخلنا فيه في رحلة بحث عن شريط فيلمه الضائع فاستعرضنا كل ما حدث لرومانيا ويوغوسلافيا السابقة بشكل مؤثر لم ينحاز فيه إلا للحضارة والفن والجمال. ولن ينسينا الأرميني السوفيتي «باراد جانوف» صاحب الجياد النارية الذي أحيا حضارة قومه الأرمن بتوثيقه لكل تفاصيل حياتهم وطرق معاشهم وعرض فنونهم بشكل يصبح نموذجا يمكن أن يحتذي في تعريف العالم بشئون الأعراق دون الخوض في المستنقع الموحل لألاعيب السياسة. وحتى لا نظلم «أتوم إيجويان» فلابد من ذكر متعة المشاركة من جانب المشاهد في تتبع تداعيات أفكار المخرج التي تصل لقمتها في فيلمه «تقويم» الذي يربط بين صورا فوتوغرافية لمواقع أثرية في أرمينيا القديمة وبين تعقيدات ردود أفعال المصور الفوتوغرافي الذي يقوم بالتصوير بينما زوجته تقوم بدور المترجم مصطحبة السائق الذي يعرفهم بالأماكن، تعقيدات الغيرة من مدى تفاهم الزوجة والسائق بلغة لا يفهمها الزوج المصور المخرج، ويقوم بدوره المخرج «أتوم إيجويان» نفسه، عشقه الواضح لها الذي نجح في لنقله للمشاهد ليعشق أيضا الزوجة المترجمة وهى زوجة المخرج في الواقع ممثلة كل أفلامه الأرمينية «أرسين خانجان» مع خط آخر يتوازى مع التصوير والزوجة والسائق.. حيث نجد المصور المخرج جالسا مع فتيات ليل فقط يقدم لهن الشراب وفيما يبدو أنه سيناريو متفق عليه تشعر كل واحدة بالملل وتقوم بعمل مكالمة تليفونية مع شخص ما الفتيات تتغير بجنسيات مختلفة إحداهن مغربية تتحدث العربية مما أعطى للمشاهد العربي مفتاحا لفهم كافة العلاقات السابقة. القاهرة صفاء الليثي: