الاحد 29 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 مارس 2003 يذكر الجمهور جيداً الفنانة مديحة كامل التي قدمت ادواراً متميزة على مدار تاريخها الفني ومديحة التي رحلت عام 1997 بعد ان اعتزلت الفن في عام 1992 كانت قد قدمت 75 فيلماً وخمس مسرحيات وعن بداياتها الحقيقية في السينما يقول الكاتب كمال رمزي في كتابه نجوم السينما ان دور «عبلة» بطلة «الصعود الى الهاوية» لكمال الشيخ 1978، كان من نصيب مديحة كامل، بعد ان رفضته نجمات الصف الاول في تلك الايام: سعاد حسني، نجلاء فتحي، ميرفت امين، شمس البارودي، نيللي، ذلك انهن اعتقدن ـ وربما معهن بعض الحق ـ ان هذا الدور لا يتلاءم مع شخصياتهن الفنية، وان قيامهن بدور جاسوسة، تخون وطنها، سيؤثر بالسلب على جماهيريتهن.. وبدا ترحيب كمال الشيخ بأن ترتقي ممثلة الادوار الثانوية، مديحة كامل، الى الدور الاول، رهانا غير مأمون العواقب، كما بدا قبول مديحة كامل لاداء هذه الشخصية مغامرة تحمل قدراً كبيراً من الخطورة بعبارة اخرى بدت البطولة المطلقة الاولى لمديحة كامل كما لو انها جاءت لها من باب المصادفة.. ولكن، بعد نجاحها الكبير في هذا الفيلم، ومع توالي ادوارها، ذات الطبيعة الخاصة، التي تحمل شيئاً ما، كثيراً او قليلاً، من شخصية «عبلة» يدرك المرء ان اسناد دور «عبلة» لها ليس مجرد مصادفة ذلك انه، بالحتم، ذهب لها، كما ذهبت هي له. فيما قبل «الصعود الى الهاوية» ظهرت مديحة كامل في عشرات الادوار الهامشية، والثانوية: ارتدت المايوهات الساخنة وقمصان النوم الشفافة، ولكن لم تستطع ان تنافس نجمات الاغراء، ناهد شريف، سهير زكي، شمس البارودي، وحاولت ان تكون رقيقة، عذبة، ولكن لم يكن لها ان تضاهي نجلاء فتحي، وميرفت أمين.. وبذلت جهداً جاداً كي تثبت نفسها كممثلة متمكنة، لكن كان من الصعب ان تحقق طموحها في حضور سعاد حسني ونادية لطفي.. لذلك كان لابد لكي تستمر وترتقي، ان تحصل على دور يختلف عن الادوار السائدة في افلام السبعينيات، والتي تذهب تلقائياً لنجمات راسخات.. ووجدت مديحة كامل بغيتها في «الصعود الى الهاوية» الذي فتح لها باب النجومية على مصراعيه. على الرغم من جمال وجه مديحة كامل، ودقة ملامحها، ووضوحها، فإن نظراتها القلقة، المترددة، الخائفة من شيء ما، توحي بأن شخصيتها تعاني من ضعف يمهد الطريق لأن تصبح ضحية، وتبعث احساساً بأنها ذات ارادة هشة، غير قادرة على الفعل، قابلة للانزلاق الى المناطق الخطرة، لا تستطيع انتشال اقدامها من الرمال المتحركة التي تبتلعها بالضرورة. توالت أفلام مديحة كامل، وعملت مع مخرجين يميلون بممثليهم للاداء العقلاني، الهادئ، العميق، البعيد عن المغالاة، والانفجارات الانفعالية .. قدمت «الرغبة» لمحمد خان 1980، و«عذاب الحب» لعلي عبدالخالق 1980، و«الجحيم» لمحمد راضي في ذات العام وقد نجحت، في هذه الافلام، وفي افلام اخرى، نجاحات متفاوتة، جعلتها تنخرط في صف النجمات الكبيرات، وان يغدو لها اسلوبها الخاص، الذي تبلور تماماً، ووصل الى قمة نضجه، مع رأفت الميهي، في «عيون لا تنام» 1981. ولأن الممثل، مهما كانت قدراته، ليس صانع الفيلم الوحيد، ولكن مجرد عنصر من عناصره، يتألق بتألق الفيلم كله، وينخفض بانخفاضه فإن مديحة كامل، مثل معظم الممثلات، سارت في خطين، احدهما لا قيمة تذكر له، مثل «رحلة الرعب» لمحمد عبدالعزيز 1981، و«والاحتياط واجب» لأحمد فؤاد ,1983. والخط الثاني يعتبر امتداداً على نحو ما لدوريها في «الصعود..» و«عيون...»: في «أشياء ضد القانون» لاحمد ياسين 1982، تطالعنا كضحية لوكيل نيابة، تخلى عنها بعد ان سلمته نفسها، ايام كان طالباً وها هي امامه، متهمة بممارسة الدعارة وفي كل من «درب الهوى» لحسام الدين مصطفى 1983، و«شوارع من نار» لسمير سيف 1984، تقدم دوراً جيداً متشابهاً، كفتاة تدفعها ظروفها كي تصبح فتاة متعة، في بيت بغاء.. وكما استطاعت ان تتعايش مع شخصيتي «سميحة» و«نوسة» في «درب الهوى» و«شوارع من نار» وكلتاهما من الاربعينيات، ابان الحرب العالمية الثانية، تلف بدنها بالملاءة اللف الشهيرة.. استطاعت ايضاً، وعلى نحو افضل، ان تقدم، بنجاح، دورا مميزاً، في «ملف في الآداب» لعاطف الطيب 1986. لكن، في السنوات السابقة مباشرة لاعتزالها عام 1992 كادت هي ان تتحول الى احدى بطلات افلامها، ذلك انها بدت كما لو كانت قد فقدت ارادتها، ودفعت للقيام بأدوار ضعيفة، في افلام تترنح تحت وطأة اشد الميلودرامات بؤساً، مثل «شوادر» لابراهيم عفيفي 1990، و«بوابة ابليس» لعادل الاعصر 1993 والاسوأ انها، كي تتواءم مع مثل هذه الافلام، تخلت عن اسلوبها الهادئ، المتفهم، العميق، المعتمد على الاقتصاد، وتعدد معاني النظرات، لتلجأ الى الاداء الخارجي، الجعجاعي، الصارخ، المعتمد على الاسراف في البكاء والعويل.. واياً كان تفسير اعتزالها، فإن احداً لا يمكن ان يتجاهل كونها، مع توالي تردي افلامها، ادركت ان الخط البياني لها سيزداد انخفاضاً، وانه من الافضل لها، ان تتوقف عن العمل، كي لا تزيد تراكم الغبار على صورتها الناصعة، التي حققت لها مكاناً مرموقاً، على خارطة السينما، في العديد من الاعمال.