الاربعاء 25 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 26 فبراير 2003 رغم أصوله العربية فهو من والد مغربي وأم تونسية فإنه من خلال إقامته الطويلة ورحلته الإبداعية في أوروبا أصبح يقينه أو إنتماؤه الحقيقي هو الإنسان المبدع، بغض النظر عن الإنتماء اللغوي أو الجغرافي. حقق المخرج مصطفى الحسناوي وجوده كمبدع من خلال مسيرة مع الأفلام التسجيلية التي تربط بين الإبداع والحياة والبيئة، حققها لصالح قنوات تلفزيونية أوروبية ـشزء الفرنسية الألمانية ـ وحصد عن كثير منها جوائز دولية. وألتقيناه في القاهرة خلال إعداده البحثي لمشروع جديد. ـ كيف كانت نقطة الإنطلاق؟ ـ نقطة الإنطلاق كانت هي الصورة الفوتوغرافيا حيث بدأ إهتمامي بالصورة منذ ذهبت إلى فرنسا، وكانت الفوتوغرافيا خطوة سهلة للقفز إلى السينما والفيلم التسجيلي بالذات، وأعتقد أن الفيلم التسجيلي على درجة كبيرة من الأهمية وخاصة في عالمنا العربي ـ والعالم الثالث ـ حيث الفيلم التسجيلي غير متعمق فهو للمعرفة أو الدعاية، ولكنه ليس فيلما إبداعيا قائما بذاته. ـ إذن ما هو مفهومك للفيلم التسجيلي؟ ـ الفيلم التسجيلي هو كتابة قبل كل شيء وبدلا من أن تكون الكتابة بالقلم تكون بالكاميرا هو نوع من النظرة الإبداعية كفن الفيلم التسجيلي عبارة عن لوحة ـ مثل فنان تشكيلي يبدأ بالتشخيص وبعد مرحلة الكتابة تأتي مرحلة البحث والفيلم التسجيلي له دور ثقافي مهم ويتضمن «حدوته»، وفيه دراما وفيه تحليل وعمق في الصورة. ـ فيلم «القاهرة الأم والابن» الذي شاهدناه بمهرجان الإسماعيلية الدولي الخامس للأفلام التسجيلية والقصيرة عام 2001 ونال إحدى جوائزه، ما الفكرة التي دعتك إلى إنجازه؟ ـ هو فيلم قائم على الحب لا يمكن أن تصنع فيلما تسجيليا في موضوع لا نحبه.. في البداية كنت أبحث عن أسرة أخرى.. وجدت أن هناك قضية لم يشتغل عليها أحد في مصر أو البلدان العربية التي قامت فيها ثورات.. تلك هي البعد التراجيدي للناس الذين خسروا بسبب هذه الثورات ليس من منطلق الدفاع عنهم بل من منطلق التراجيديا.. ماذا حدث من مناقشات في المجتمع وفي داخل الشخصية الإنسانية بدأت أبحث في الموضوع حول حكاية إحدى هذه العائلات التي أصيبت من ثورة 23 يوليو.. تعرفت بشخص في الخارج حكى لي عن أسرته فقررت أن أذهب إلى مصر للقاء والدته وهي شخصية تحمل تناقضا إنسانيا ثريا من الناحية الدرامية. ـ ما الموضوعات التي اثارت إهتمامك كمخرج تسجيلي؟ ـ من أول أفلامي التسجيلية فيلم عن موسيقار مغربي معروف في أوروبا وغير معروف في وطنه، وهو يؤلف أوبرا كلاسيكية ـ اسمه أحمد الصياد قدمت له في أوروبا أوبرا بطاقة هوية إنطلاقا من قصيدة للشاعر محمود درويش سجل أنا عربي وهي قصيدة لا تكاد تكون معروفة، وقد تتلمذ هذا المؤلف المغربي على المؤلف الألماني أرنولد شوينبيرج وغيره من رواد الموسيقى الكلاسيكية مثل برامز وشتراس وقدمت فيلمي هذا بناء على حبي لهذا الفنان المغربي وإيماني بالتلاقح الإنساني وأعتز أن لي أصدقاء وأحباء في بلاد كثيرة، ولعله كان من حسن حظى أن أعيش وأشتغل في أوروبا، وإنما لا أشتغل على السياسة لم أفكر أبدا أن أشتغل على فيلم تاريخي سياسي، قد يكون هذا عمل مخرجين أخرين أعتقد أن الأفلام الثقافية هي الباقية، لأنها تتناول نواحي إنسانية، قد نغفل أحداثا تاريخية وقعت منذ خمسين سنة.. ولكن هل يمكن أن ننسى أم كلثوم؟ أو بيتهوفن والفن التشكيلي باق. الفن المعماري باق، وهذا ما يقرب بين الشعوب بصفة عامة. ـ فيلمك التسجيلي عن الأدباء المصريين..كيف جاءت فكرته؟ ـ عام 1994 تم لقاء في فرنسا ـ على شكل حلقة دراسية باسم «الأديبات الجميلات المصريات»، وكانوا يستضيفون أدباء وأديبات من بلد معين، شارك في هذا اللقاء جمال الغيطاني وسلوى بكر وإدوار الخراط وبهاء طاهر والمرحومة لطيفة الزيات وأحمد عبد المعطي حجازي وعبد المنعم رمضان ومحمد البساطي، وعندما كنت أصور الفيلم وقع حادث محاولة قتل نجيب محفوظ. ـ كيف قدمت هؤلاء الأدباء في فيلمك أي أبعاد مع تنوع شخصياتهم وإبداعاتهم؟ ـ كل أديب أو أديبة له علاقة مع المكان. أحب أن أتوقف عند شخصية الأديبة لطيفة الزيات، فقد كانت إنسانة راقية تقدمت كثيرا كمناضلة، وقد ركزت على علاقتها بالبيت كمكان أساس سواء كان البيت الأبوي أو بيت البلد أو بيت الزوجية.. بالنسبة للكاتب إدوار الخراط كان التركيز حول علاقته بالاسكندرية. وبالنسبة لسلوى بكر كانت العلاقة مع الحي الشعبي والسوق، جمال الغيطاني علاقته بالآثار والقاهرة الإسلامية. ـ ألم تقدم فيلما عن نجيب محفوظ؟ ـ لم ألتقيه بسبب حادث طعنه.. لكنني سجلت لقاءات ومظاهرات تضامنت مع حرية التعبير، وكان الفيلم إهداء إلى نجيب محفوظ. ـ لك فيلم تسجيلي عن فدوى طوقان..كيف قدمتها؟ وهي الشاعرة الفلسطينية الكبيرة ذات الحياه الحافلة والإبداع الخصب؟ ـ أعتز بأنني أول من سجل مع الشاعرة الكبيرة فدوى طوقان.. أولا انني أحبها جدا..وهي تمثل زخما من النضال السياسي.وهذا ساعدني على تفهم نفسيتها لأقدم تجربتها الشخصية وهي تجربة عميقة ذات بعد إنساني فقد نظرت إلى مأساتها ومأساة شعبها وتفلسفت عليها، كانت فلسفية أكثر من روح الشاعرة، وقد كان لي حظ أن أقابلها في بيتها في نابلس أي في داخل بيئتها التي عاشت وعانت فيها. وكانت صديقة للزعيم جمال عبد الناصر، وقالت لي أن موشي ديان قد جاءها لكي تتوسط بينه وبين عبد الناصر، فقالت له «وأنا مالي» فرد عليها «إن شعرك أقوى من القنابل» وقد فتحت لي صدرها لتحكي لي حكاية وهي طالبة بالمدرسة وكان طالب يتابعها كل يوم وعلم أخوها من بعض الناس في السوق فأمر ألا تخرج من البيت إطلاقا وفي البيت علمها شقيق أخر الشاعر إبراهيم طوقان الشعر فتحت لي فدوى خزانة ذكرياتها ومشاعرها مما أعطى ثراء للفيلم. ـ هذا عن الأدباء فماذا عن الفنانين؟ ـ كان لي حظ أن ألتقي أحد عمالقة الفن التشكيلي وهو محمود موسى.. لحقت به وسجلت معه في أواخر حياته.. لقد رحل منذ أيام ويبقى فيلمي عنه وثيقه حية لإبداعاته وحياته. وقد قدمت فيلما عن المؤلف الموسيقي القبوي عبده داغر.. وهو معروف في الخارج أكثر مما في وطنه مصر.. عنده حس موسيقي فطري عال جدا.. ولكن في نفسه مرارة لما لحق به من تجاهل. ـ هل هناك إزدواجية ثقافية..عربية أوروبية.. في أعمالك التي تجمع بين الشرق والغرب؟ ـ هي إزدواجية ثقافية وليس إزدواجية الثقافة.. بمعنى أنني أشتغل في آن واحد على الثقافة الغربية والثقافة العربية، أرى أن المخرج ليس له إنتماء لغوي أو ثقافي بل هو إنسان مبدع لقد قدمت مثلا أفلاما عن ألمان وبالألمانية وعن كتاب سويديين بالسويدية.. وعندما أشتغل على أوبرا «الكترا» أو على نص مسرح للألماني كلايست فهذا يربطني بالثقافة الألمانية والثقافة الفرنسية المهم كيف أنظر إلى نفسي في هذا المكان أو غيره.. العلاقة بيني وبين المكان كيف أتفاعل معه.. كيف أحس به كإبداع في داخلى. القاهرة ـ فوزي سليمان: