السبت 21 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 22 فبراير 2003 بعد ان تابعنا فصل الجذور من كتاب تاريخ السينما العالمية ينتقل بنا مؤلفه ديفيد ربنسون الى فصل الطفرة مبيناً التحولات ودور السينمائيين في النهوض والارتقاء بهذا الفن حيث أدى اندلاع الحرب الأولى في أغسطس 1914 الى اقصاء المنافسة الأوروبية وتأكيد السيطرة الأميركية على السينما العالمية، وإن لم تكن الحرب هي السبب الأوحد لابتعاد الدور الأوروبي. ففرنسا، حتى من قبل 1914، ومن خلال الاستمرار في صيغ الانتاج التي تجاوزها الزمن، كانت قد بدأت تنزلق من قمة التفوق الصناعي التي بلغتها في سنة 1910 تقريباً. والسينما البريطانية لم تكن في حقيقة الأمر قد تجاوزت مرحلة الحرفية المحدودة الى مرحلة الصناعة بالفعل، كما كان صانعو أفلامها قد فقدوا المكانة الريادية التي كانت لهم في 1900، وسقطوا في عادة الإعداد الأدبي ذي الطابع المسرحي، ذلك الاتجاه الذي سيستمر لسنوات طوال لاحقة. وفي ايطاليا توقفت السينما عند نموذج «كابيريا» الذي كان طبيعياً ان يتحول رغم عظمته الى نمط مكرور. أما أمريكا فإنها لم تكن ترتكن الى الأمان الاقتصادي الذي يوفره سوقها الداخلي الضخم، بل أثرت، وفي سنوات قلائل، في عملية النضج الفني للسينما. هذا التأثير يعد من الناحية العملية نتاج ابداع فردي لرجل واحد، هو ديفيد وارك جريفيث (1875 ـ 1948)، الذي كتب عنه عند موته تلميذه العظيم إيرك فون ستروهايم (1885 ـ 1957): «لقد وضع جريفيث الجمال والشعر في وسيلة تسلية مبهرة في متناول الجميع». إن انجازه يصعب أن يوجد له مثيل في تاريخ الفن، فقد استطاع ان يجعل من وسيلة تسلية شعبية ميكانيكية فناً قائماً بذاته، ووضع له أشكاله وقوانينه التي ستبقى في مجملها قائمة دون حاجة لتعديل أو تبديل لخمسين عاماً تالية. عند جريفيث سنجد خاصية الاستثناء أو الخروج عن القياس ذاتها كما عند ميلييه. فكلاهما جاء بعدة القرن التاسع عشر ليصوغ فن القرن العشرين. ولد جريفيث في 1875 (وإن كان كثيراً ما جعله الزهو يغالط في عمره منتقصاً منه خمس سنوات). وهو ابن أسرة فقيرة من الجنوب، وقد زعم أن أباه كان بطلاً من أبطال الحرب الأهلية... «جيك الهادر» جريفيث، كما عاش عمره كله عاشقاً مخلصاً للجنوب.تربى جريفيث في لويسفيل حيث هاجرت أسرته، وفقاً لروايته، بعد أن طردت من أرضها وديار أجدادها. ثم عمل جريفيث ساعياً وموظف خزينة بأحد المحلات ومشرف مسرح قبل أن يصبح عضواً بفرقة ميفيرت ستوك في 1897. ولعشر سنوات من هذا التاريخ راح يكسب عيشه من عمله ممثلاً بالقطعة ومن عديد من الوظائف الوضعية العابرة، وكان طيلة حياته، حتى بعد أن أصبح أهم مخرج في العالم، متعلقاً بمطامح خاصة في مجال الأدب واستطاع في أوائل مشواره الفني أن يبيع من حين إلى آخر قصيدة أو قصة قصيرة، كما نجح في 1907 في بيع مسرحيته «أحمق وفتاة» إلى مدير المسرح جيمس هاكيت، غير أن العرض فشل رغم وجود نجمة المسرح البارزة فاني وارد فيه، ولعل هذا الاحباط هو ما ساعد جريفيث، المتزوج حديثاً وقتها على اتخاذ خطوة كبرى (حتى بالنسبة لممثل مسرحي راسخ) وهي البحث عن عمل في السينما. ووفقاً لرواية زوجته الأولى ـ وهي مصدر مسل، وإن يكن غير موثوق دائماً ـ فإن جريفيث لم يكن قد شاهد فيلما واحداً حين حاول بيع سيناريو معد عن «توسكا» لاستوديوهات إديسون. السيناريو رفض، ولكن ادوين بورتر أعطى جريفيث عملاً باعتباره ممثلاً في فيلمه الميلودرامي القصير «إنقاذ من عش النسر» (1907)، بعد ذلك نجح جريفيث في بيع بعض السيناريوهات لشركة لابايوجراف الأميركي، حيث أثبتت أعماله تفوقها على معظم ما لدى الشركة من عروض، وظل مرتبطاً بها. وفي صيف 1908 سمح له بفرصة الاخراج لفيلم «مغامرات دوللي». في هذا العرض الميلودرامي ذي الدقائق التسع المليء بالأحداث بدأ جريفيث تعاونه مع المصور جي.دبليو.بيتسر، الذي سيقوم بتصوير جميع أفلامه الصامتة مساهماً الى حد بعيد في اكتشافاته الفنية. ولقد دهش بيتسر من فرط اهتمام جريفيث باختيار الممثلين ومواقع التصوير في عمل أول عابر كهذا.على مدار السنوات الخمس التالية قدم جريفيث لشركة بايوجراف عدداً كبيراً من الأفلام (قرابة الخمسمئة)، لابد وأن كثيراً منها، مع هذا المعدل الضخم، كان مجرد أعمال نمطية مكرورة. ومع هذا فقد جاءت على ما يبدو متفوقة من حيث المحتوى والتقنية على كل ما قدمته السينما الأميركية من قبل. فسرعان ما حلقت شركة بايوجراف، متعثرة الحظ سابقاً، في عنان السماء مع أفلامها الجديدة، وجريفيث، الذي لم يقدم أعماله الناضجة الكبرى بعد، أصبح سيد المهنة بلا منازع.