الخميس 19 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 20 فبراير 2003 في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي بدأ العالم وكأنه يولد من جديد بعد الحرب العالمية الثانية التي تورط فيها الجميع وكانت مصر انذاك لا تزال مكبلة بالاحتلال الإنجليزي لكنه كان مثل التفاحة التي تنتظر الريح لتسقط من تلقاء نفسها من فوق شجرتها الجميلة كانت مسألة وقت ليتغير وجه مصر فقد كان كل شيء يسير نحو الاستقلال تنظيم الضباط الأحرار كان يبث من خلال منشوراته السرية الأمل في استقلال مصر رغم الحياة الحزينة التي يعيشها المجتمع المصري. وكانت أفكار طلعت حرب ومحمد مندور وطه حسين والعقاد المنادية بضرورة التخلص من الاستعمار تجد صدى لدى الطبقة الوسطى وفي مجال الفن المصري وكان المنتجون يبذلون أقصى طاقاتهم مستغلين كافة الوسائل لاكتشاف الوجوه الجديدة من ممثلين وممثلات لإثراء شاشة السينما، ولتقديم سينما مصرية مميزة تواجه طوفان الأفلام الإنجليزية والأمريكية والإيطالية والفرنسية. الثروة الحقيقية الوجوه الجديدة كانت في نظر منتجي تلك الأيام الثروة الحقيقية للفن والرسالة التي من خلالها يقدمون الأحلام والخيال لجمهور السينما المصرية، وكانوا لايكلون في التنقيب عنها في الاندية والمدارس أو من خلال مسابقات المجلات الفنية، فالمطربة صباح مثلا كانت تعمل في ملاهي بيروت في فصل الصيف تنقطع عن العمل في الشتاء لتواصل الدراسة. وحدث ذات صيف، وعلى وجه التحديد في صيف 1942، كانت المنتجة السينمائية آسيا قد سافرت الى بيروت للاصطياف، فذهبت الى الملهى الذي تغني فيه صباح، واستمعت اليها وأعجبت بها، وطلبت من موزع أفلامها في بيروت أن يتعاقد مع صباح، ويتولى القيام بجميع إجراءات سفرها الى القاهرة لتكون موجودة في الاستديو في أول سبتمبر وفعلا كانت صباح موجودة قبل هذا التاريخ، ووقفت أمام الكاميرا يوم 3 سبتمبر سنة 1942 حيث بدأت أول لقطة في فيلم « القلب له واحد » أول أفلامها. وظهور فاتن حمامة على شاشة السينما كان بواسطة صورة نشرتها مجلة الكواكب في الثلاثينيات عندنا كانت تصدر ملحقا لمجلة المصور ضمن مسابقة لاختيار طفلة تمثل مع محمد عبد الوهاب في فيلم « يوم سعيد» وشاهد الصورة المخرج محمد كريم وكانت فاتن تظهر فيها بملابس أعضاء جمعية الهلال الأحمر وقد اختار لها والداها هذا الزي ليلفت أنظار أعضاء لجنة المسابقة اليها، فاتصل محمد كريم بتوفيق المردتلي المحرر بالكواكب وطلب منه أن يتصل فورا بولي أمر هذه الطفلة، فكان أن جاءت فاتن ووالدها أحمد أفندي محمد حمامة سكرتير مدرسة المنصورة الابتدائية بالمنصورة وقابلا محمد كريم حيث تم التوقيع على عقد الفيلم. ظروف خاصة أما الصبية مريم فخر الدين التي كانت في نهاية الأربعينيات فتاة شديدة الجمال، وتتقن الحديث بخمس لغات أجنبية فكانت قصة دخولها الفن لها ظروفها الخاصة، ولعبت فيها الصدفة دور البطولة. وتضحك مريم عندما تتذكر قصة دخولها الوسط الفني وتقول : كان عمري 16 عاما وكنت أنظر لنفسي في المرآة وأجد نفسي جميلة، فطلبت من والدتي بمناسبة عيد ميلادي أن تأخذ لي صورة تذكارية وكنت معجبة جدا وقتها بصور الفوتغرافيا، وأحلم بصورة لي، فقالت لي: لكن والدك لن يوافق أبدا!! فقلت عندما يذهب لعمله كمفتش للري نذهب لنأخذ الصورة بدون أن يعرف. فقالت والدتي : بس لا تقولي لأخيك يوسف لانه «فتان » وسيقول لوالدك - فأخفينا عنه الموضوع - وأخذتني الى أحد الاستديوهات الشهيرة حيث كانت الصدفة في انتظارنا فقد لفت صاحب الأستوديو نظر أمي الى أن هناك مسابقة لفتاة غلاف مجلة « الايماج » التي كانت حينئذ تصدر عن دار الهلال - فقال لوالدتي : هل هذه الصورة للمسابقة ؟ هنا دهشت أمي فسألته عن سعر صور المسابقة وسعر الصور الخاصة. فقال لها : صور المسابقة مجانا أما الخاصة فهي بخمسة قروش. فسألته عن هذه المسابقة إذا كانت تنشر الأسماء تحت الصور - فقال لها : لا وانما تضع تحت كل صورة رقم ولما عرفت والدتي أن المجلة تصدر باللغة الفرنسية استبعدت أن يقرأها والدي أو أحد الأقارب. وقالت والدتي : هكذا نوفر خمسه قروش ونأخذ 6 صور. وطبعا بعدها نسينا الموضوع الى ان تم نشر صورتي مع عشرات الصور الأخرى للمشتركات وفزت بالمسابقة وأخذت لقب فتاة الغلاف _ وبعدها بشهرين جاء يوم لا أستطيع نسيانه أبدا فوالدي دخل علينا غاضب جدا وفي يده خطاب باسم مريم فخر الدين من دار الهلال وكان قد فتحه ووجد به شيكا بـ 25 جنيها مصريا، وقال لي : مبروك فزت بالجائزة الأولى من وراء ظهري. وهو ما يعني بالمصري أننا « استكردناه » ، ولولا أمي مجرية، وأهلها يعيشون في المجر كان أبي طلقها وطردها فورا بعد هذا الحدث لان والدي كان صعب جدا، رجل شرقي ممنوع الخروج لوحدي، وممنوع الرد على التليفون، وممنوع أكلم أي شخص، وممنوع وممنوع، قائمة طويلة من الممنوعات، وهذا لم يكن شيا غريبا لان كل الآباء في هذا الوقت كانوا كذلك - فلم أشعر بالظلم - وعلي الفور أخذ والدي أمي الى غرفتها وقال لها اجلسي يا هانم على الكرسي - لأنها كانت أطول منه وذلك حتى يستطيع ضربها - وأعطاها قلمين جلست بعدها في غرفتها تبكي لمدة ثلاثة أيام. أما أنا فرمي الشيك في وجهي، وكان على بالتالى أن أذهب لاستلام الجائزة وهنا بدأت المتاعب كيف السبيل الى إقناع والدي - توسط الكثيرون لديه، ولكنه لم يقتنع حتى أن الأمر استدعي تدخل عبد المجيد عبد الحق الذي كان يشغل منصب وزير في ذلك الوقت وكان صديقا للآسرة ولكنه أيضاء لم يقتنع الى أن قال شقيقي الأصغر يوسف فخر الدين لوالدي : «لاتمنع رزقا جاء لأختي يا بابا » فكان لهذه العبارة مفعول السحر لديه - فوافق على الفور وذهبت لاستلام الجائزة ومعي الآسرة كلها _ وفي اليوم التالى ظهرت صورتي غلافا لعدة مجلات وفتحت لي أبواب الشهرة. وبدأت أفواج الصحفيين تتوافد على منزلنا والدي يطردهم ويقول : «ليس لدينا بنات لهذه المسخرة » وكان الجميع منبهرين بي لاني أتقن خمس لغات وأعزف على البيانو، المنتجون اعتبروا أني وجه جديد مطلوب له دعاية قويه فجاءنا أنور وجدي وطرد ثم حسين صدقي وطرد. الى أن جاءنا أحمد بدر خان ومعه عبده نصر وسمح له والدي بالدخول لان والدي كان يعرف والده من الفيوم وأعتقد أنه جاء من أجل أعمال الري بالفيوم أو ليعطيه أخبارا عن أهل البلد، ولكنه فوجى انه جاء ليعطيه رواية « اللقيطة » لعبد الحليم عبد الله وطلب منه أن يقرأها لالعب بطولتها أن وافق وكان دوري في هذا الفيلم «لقيطة » واقتنع والدي بالرواية لأنها تدعم فكرة أن اللقيط ليس له ذنب في الحياة - ووافق أبي أن أمثل هذا الدور، وقال لي أعملي هذا الفيلم لتكوني مثلا أعلى لبنات جيلك، واشترط عليهم أن يكون أول مشهد لي في هذا الفيلم وأنا أصلي، وهذه هي كانت البداية لي مع السينما من خلال رواية «اللقيطة» التي قدمت فيلم « ليلة غرام » والذي عرض في عام 1951. ذكريات «ليلة غرام » وعن ذكرياتها عند تصوير فيلم « ليلة غرام » أول أفلامها السينمائية تقول مريم : أول يوم أخذت سيناريو « ليلة غرام » حفظته من الجلدة للجلدة حفظت كلامي وكلام حسين رياض ومحمود المليجي وعباس فارس. وأول مشهد كنت أظهر فيه أمام حسين رياض وهو مربي ذقنه، وطول عمري ما كنت رأيت أحد ذقنه طويلة أو بها شعر فأخذت أضحك بهستيريا. حتى أوقفوني فأخذت اسمع الكلام كما حفظته فأوقفوا التصوير وقال لي حسين رياض : يابنتي اشعري بالكلام ثم القيه. وكان هذا أول درس لي في التمثيل واتقنت الدرس سريعا فكنت احفظ الجملة واشعر بها ثم اضغطها وأخرجها بتلقائية. والحقيقة أنا لم أدخل ورشة عمل أو تدريب على التمثيل ولكني تعلمت التمثيل على أصول من أساتذتي أمام الكاميرا ومن صبرهم على. والحقيقة أنا في البداية كنت ممثلة غير شاطرة ولكن بالتدريج أخذت الخبرة وصرت جيدة. شقاوة تلميذات وتضيف: عندما عرض الفيلم كان عندي 16 عاما وكنت قد انتهيت ألا فيتو وهو معادل للثانوية العامة ألان ولكن بالألماني. وكانت البنات زميلاتي بالمدرسة يحضرون لمشاهدتي بالمنزل وكن سعداء جدا بنجاحي وأنا كنت أكثر منهن سعادة لأنني اثبت لزميلاتي أنني أكثر منهن نجاحا بسبب موقف في حياتي تعرضت له في أخر سنه دراسية فقد اعتادت المدرسة الألمانية أن تقيم حفل سنوي بمناسبة رأس السنة، وأن تعهد بالأشراف على الطالبات الى طالبة كانت قد احتكرت هذه المهمة منذ سنوات، وفي تلك السنة رأت إدارة المدرسة أن تعهد لي بهذه المهمة، فاغتاظت الطالبة التي أبعدت عن هذه المهمة، ودبرت مع صديقاتها مقلبا فظيعا، فقد كانت من تقاليد هذه الحفلة أن ترتدي الطالبة المشرفة زيا خاصا يدل على مهمتها، وجئت أنا بهذا الثوب الخاص، ووضعته في غرفة بالمدرسة لارتديه عند بدء المهمة، وتسللت الطالبة الغاضبة، وأمسكت بالثوب، وأعملت فيه بالمقص حتى تركته قطعا صغيرة _ قبيل الحفلة بدقائق اكتشفت هذه الجريمة، فأبلغت مديرة المدرسة التي لم تجد مخرجا من هذا المأزق سوى أن تعهد للطالبة الأخرى بالإشراف على الطالبات لأنها الوحيدة التي تملك ثوبا خاصا - وبعد الحفل أجري التحقيق، وثبت أدانه الطالبة، ولكن إدارة المدرسة لم تستطع أن توقع عليها العقوبة لأنها تركت المدرسة بسبب الزواج.. مريم فحر الدين كانت وهي ابنه السادسة عشرة في قمة الإبهار.. فقد تحولت فجأة من فتاة تعيش في أجواء حياة متزمتة كل شيء عليها ممنوع الى نجمة سينمائية في غمضة عين فكيف سارت حياتها بعد ذلك هذا ما سنعرفه في الحلقة الرابعة من ذكريات مريم فخر الدين. حلقات يكتبها ـ محمد سليمان: