الثلاثاء 17 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 18 فبراير 2003 سنبدأ من حيث احجم الجمهور عن متابعة عمل جيد يحمل رسالة تهم كل مواطن يبحث عن الخفايا التي تغلف حياة الكبار من المسئولين خصوصاً، اولئك الذين يستغلون مناصبهم في التربح والمنافع الشخصية والذين تصلنا اخبارهم من حين الى آخر متبينين تورط بعضهم في عمليات مشبوهة، والحاصل بالفعل ان الجمهور دائم البحث عن اشياء اخرى توقع ان لا يجدها في فيلم «معالي الوزير» مع ان الفيلم يقدم موضوعاً جيداً في قالب لم يخل من الكوميديا الساخرة التي برع فيها احمد زكي في اعمال كثيرة، حيث قدم لنا السخرية من الواقع كما هو الحال في فيلم ارض الخوف، والشيء الآخر مهم للغاية من جهة الانتاج التي تقف وراء العمل هي جهة رسمية انتجت اعمالاً تلفزيونية في غاية الجرأة كذلك الافلام التلفزيونية وهذا يعني ان اختباراً جديداً تتعرض له مدينة الانتاج الاعلامي وقد نجحت فيه بتفوق بغض النظر عن مقولة الضوء الاخضر الذي يسمح به لفنان دون آخر، والدليل على ذلك ان المحك الحقيقي هو تقييم العمل فنياً بعيداً عن اية اعتبارات اخرى، ومع ان السيناريست وحيد حامد المشهود له بالاعمال الجيدة حتى وان خرج في بعض الاعمال عن قناعاته واغوته اللعبة المادية، إلا انه يظل كاتبا متمكناً في الوقت الذي يريد فيه ذلك، المهم ان وحيد حامد حاول ان يقدم نصاً جريئاً دون ان يصطدم مع شخوص بعينها أو مع الواقع بحيثياته الموجودة فجاءت محاولته عبر احلام وكوابيس قال من خلالها ما يريده لتبني لديه نافذة يخرج منها لو اعترضت الرقابة على اعتبار ان الموضوع مجرد هذيان يحدث في الكواليس، اما دخول رأفت رستم الى الوزارة صدفة أو بالخطأ فهذه دلالة لا تقبل اكثر من تأويل واحد وهو الابواب الخلفية التي يدخل منها من لا يستحق المنصب وقد هرب وحيد حامد باشكالية تشابه الاسماء من اصطدام آخر هو في غنى عنه، غير ان صفة الوزير لم ترد في الفيلم كثيراً بل كان هناك هروب آخر انشغل برصد الحالة النفسية المترتبة على مهام المنصب وكيفية المحافظة عليه وهو امر اضاع من الوزير فرصة الاستمتاع بنوم هانيء ليحسد العامل على نومه وهو واقف، وتلك فرضية تنطبق على الاغنياء ورجال الاعمال وليست حكراً على منصب الوزير الذي اخذه وحيد حامد كعنوان للاشكالية، هذا من ناحية، اما من ناحية الفكرة بشكل عام فهي اكثر من جيدة مع مراعاة حدود الممكن في الطرح، لكن الجديد هو ان يقدم لنا احمد زكي شخصية رسمية بهذا الكم الهائل من السخرية والوداعة في آن واحد، وهو المهموم بالمنصب من جهة وحنينه الى زمن كان فيه انساناً طيباً وكيف انه انقلب على الجميع بما في ذلك زوجته الاولى التي لم يتورع ان يكتب فيها تقريراً للمباحث، ان حالة البوح بالاخطاء والجرائم تعادل اغتسال الانسان وتطهره من ذنوب اقترفها، اما شخصية عطية التي قام بها هشام عبدالحميد فهي مؤثرة الى حد يصل وصفه بالضمير الصاحي عن الوزير فهو المحرك الاساسي لكل افعال الوزير، يحمل اسراره ويوجهه الى حيث يرضى ويرتاح، وعندما تصل الكوابيس لاظهار عطية متحدثاً بكل ما يعلم من اسرار تأتي عملية قتله وهذا مؤشر على انتحار الشق المضيء في شخصية الوزير بدلالة انتحاره او بموت الضمير لتستمر الشخصية في طريقها الفوضوي الانتهازي وكم كان موفقاً وحيد حامد في هذه النهاية الجميلة. كان بودنا ان نتحدث باستفاضة عن أدوار بقية الممثلين فنشيد بالمشهد الذي ظهرت فيه يسرا بحضورها المميز ولبلبلة التي ادت بامتياز لنقول في النهاية بأن العمل الجماعي لابد وان ينال مكاسب ان لم تكن جماهيرية فعلى الاقل احتراماً فنياً من المختصين. عز الدين الاسواني