السبت 14 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 15 فبراير 2003 يأخذنا ديفيد ربنسون في كتابه تاريخ السينما العالمية إلى سياسة باتيه التي اثارت صناع السينما الفرنسيين وصاروا جميعا يطمحون إلى محاكاتها. كان لاتجاه الفيلم الفني تأثير عميق على سينما بلدان اخرى غير فرنسا، ففي ايطاليا، حيث اسس باتيه جمعية الفيلم الفني الايطالية، تعاملت السينما مع ممثلين بارزين من امثال امليتو نوفيللي وليديا دي روبرتي، كما قدمت اعمالا عن شكسبير ودانتي وبالوير لايتون، وفي بريطانيا تنازل مشاهير الممثلين وقبلوا الظهور على شاشة السينما: ارفينج الاصغر «الاجراس»، سيريل مود «الجميلة والمعدية - عن عرضه المسرحي الناجح»، ايلالين تيريس وسيمور هيكس «ديفيد جاريك»، تشارلز ويندهام «ديفيد جاريك - معالجة اخرى تنافس السابقة»، كما تخصص سيسيل هيبويرث، بعد ان اخرج «انقذه روفر» 1905، في تقديم افلام تتسم بالوقار عن اعمال لديكينز وغيره من الروائيين الفيكتوريين المحبوبين، وبنجاح متفاوت قام سيرجونستون فوربس بتمثيل هاملت لهيبويرث، وسير هربرت تري بتمثيل هنري الثامن لويل باركر، وفرانك بنسون بتمثيل ريتشارد الثالث، وجود فرى تيرل بتمثيل روميو لجومون. وفي الدانمارك قدمت أفلام ممثل «تريلبي» و«سيدة بلا قلق»، وفي ألمانيا افتتح «فيلم المؤلفين (الفيلم الادبي)»، بعرض معد للشاشة عن قصة لينداو «الاخرون»، وفي روسيا استمرت موضة الافلام التاريخية لوقت اطول مما كان بغيرها من البلدان حيث وفرت لصناع الافلام قدرا معقولا من تجنب الرقابة القيصرية الصارمة «موت ايفان الرهيب»، «الشيطان»، «يوجين اونجين»، و1812، اما في المجرد فقد تزامنت بداية الانتاج السينمائي مع موضة الفيلم الفني، مما سيجعل للسينما المجرية ولعا دائما بالموضوعات الادبية، منذ ذلك الوقت قبل الحرب العالمية الاولى وإلى الآن، كما لم يتردد كبار ممثلي مسرح بودابست القومي في العمل في السينما واعتبروا ذلك امرا طبيعيا. كان ظهور الفيلم الفني سلاحا ذا حدين، فهو من ناحية قد أدخل إلى السينما، دون شك، اساليب ادبية ومسرحية من شأنها تثبيط التطور البصري للفيلم، وقد ادى هذا الجانب في اسوأ حالاته إلى اصابة السينما بما يشبه الخيلاء الكاذبة التي لاتزال تظهر حتى اليوم بين الحين والاخر في الاعمال التجارية «المحترمة»، غير انه من الناحية الاخرى قد ساعد على اعطاء السينما قدرا من القيمة الاجتماعية والفكرية التي اجتذبت جمهورا جديدا وقدمت إلى الشاشة فنانين اصحاب مكانة مرموقة يختلفون عن الاجيال الاولى من الفنانين الجائلين. ايطاليا، بتأثير الفيلم الفني، طورت اسلوبا للافلام التاريخية يسر للسينما الايطالية فرصة للتفوق، قصير المدى، على المستوى العالمي خلال السنوات التي سبقت الحرب الاولى، وقد كان لايطاليا جهازها السينمائي الخاص الذي قدمه في 1895 فيلوتنيو البريني «1865 - 1937» وخلال العقد الاول من القرن العشرين كان لشركة البريني للسينما انتاج مميز من الاعمال الكوميدية المتأثرة بالطابع الفرنسي والتي غالبا ما نفذت بممثلين كوميديين فرنسيين، ومن المسرحيات التي تميل إلى الاتجاهات الشعرية الرمزية الحديثة آنذاك. لقد عرفت السينما الايطالية ميلا إلى الافلام التاريخية تجسد منذ وقت مبكر مع فيلم البريني (IL Saco di Roma) في 1905 وفي 1907 قدم ارتورو امبرورنيو «1869 - 1960»، «ماركوس ليسينوس» كما قدم ماريو كازيريني «1874 -1920» «عطيل». وبعد 1909، وتأسيس شركة «الفيلم الفني الايطالي»، بدأ انتاج الافلام التاريخية على نحو جدي: «بياتريس سنس»، و«لوكر شيا بورجيا» و«جان دارك» من انتاج شركة البريني للسينما، «كونت اوجولينو»، و«ايزابيلا اراجون»، و«كاثرين»، و«دوقة جيز» من انتاج شركة الفيلم الفني الايطالي، «نيرون»، و«تاوسو» من انتاج امبرورزيو، وغيرها، كما اعيد تقديم الكثير من هذه الموضوعات مرارا خلال السنوات اللاحقة، وفي 1912 وصل فيلم انريكو جواتسوني (Quo Vadis?) إلى قمم جديدة في اسراف المناظر: آلاف من المجاميع، مشاهد حريق روما، وحشد حقيقي من الاسود في مشاهد التهام المسيحيين، وقد غطت شهرة هذا الانتاج الضخم خارج ايطاليا على عمل اخر، احق كثيرا بالتقدير، ظهر في 1914، عشية الحرب الاولى، كان قد عهد بعملية كتابة فيلم «كابيريا» إلى جابرييل دي انانزيو، الذي كان في اوج شهرته آنذاك، غير ان المرجح ان الشاعر لم يفعل شيئا اكثر من التوقيع على العمل الذي انجزه جيوفاني باستروني «1883 - 1959» بالفعل، قصة فائقة الاتقان مبنية بدقة، ديكورات ضخمة تم تضفيرها بنجاح بمواقع حقيقية، استخدام بارع لحركات الكاميرا ومؤثرات الاضاءة المعقدة لم يعرفه اي فيلم قبله، فيلم سبق في نواح عديدة ما قدمه جريفيت في «التعصب» لدرجة تثير التساؤل إلى اليوم عما اذا كان استاذ السينما الاميركية قد تأثر تأثرا مباشرا بالفيلم الايطالي، وظل «كابيريا» عملا لم تنجح السينما الايطالية في تجاوزه طيلة سنواتها الاولى، كما اصبحت الافلام التاريخية لديها، بعد الحرب الاولى، مجرد قالب جاهز أو شكل اجوف، وان كانت قد تأصلت موروثا باقيا في انتاج ستوديوهاتها إلى اليوم. حتى عام 1912 ظل المنتجون واصحاب دور العرض في اميركا وبريطانيا متمسكين تمسكا شديدا بفيلم البكرة الواحدة، الذي يستغرق عرضه من خمس إلى خمس عشرة دقيقة، وحين بدأت افلام البكرتين والثلاث والاربع تصل إلى أميركا من اوروبا بعد موضة الفيلم الفني كانت تقبل بتردد على انها نوع من الاسراف الاجنبي، وكان على المنتجين الذين حاولوا انتاج موضوعات في اكثر من بكرة واحدة الا ينتظروا شيئا سوى الاحباط، ففي عام 1911، على سبيل المثال، قرر دي. جريفيت ان قصة «اينوك اردن» من الاهمية بما يحتاج لبكرتين، غير ان اصرار الجمهور وحده هو الذي جعل الموزعين لاحقا يتراجعون عن قرارهم بعرض الفيلم باعتباره جزأين منفصلين.