الخميس 12 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 13 فبراير 2003 نشأة الإنسان هي فطرته وضميره وتصوره عن الخير و الشر واستمتاعه بالجمال، وموقفه من القبح هي مستقبله بلا رتوش، لو نقبت في طفولة المجرم ستجد بذور الشر، ومياه مسممة، ورعاة غير أكفاء، وظروف فاسدة، وحتما ستجد في نشأة العباقرة و المبدعين الناجحين ورعاة الإصلاح خيوط حرير، وبيئة نقية، وعوامل استفزت داخلهم إدارة الحياة و التميز وهي معادلة طبيعية لا علاقة لها بالفلسفة. ونشأة مريم فخر الدين: كانت تدفعها لقدرها كممثلة ونجمة فالحياة بين أبوين متسامحين يحبان الخير، وينشدان السعادة ويعيشان في وفاء وحب و إخلاص بيئة فنية إذا أضفنا لها دراسة الأب بألمانيا وثقافته كمهندس ري قبل الثورة وثقافة الأم كمجرية مع تدينهما فلن يخرج من أحضانهما سوى أديب أو ممثل! وتقول مريم فخر الدين عن نشأتها : «أنا تربيت في بيت مسلم مسيحي احيانا كنت أذهب مع ماما الى الكنيسة، ويوم الجمعة أذهب مع والدي الى مسجد الحسين لصلاة يوم الجمعة وكانت ماما سعيدة عندما أخرج يوم الجمعة مع والدي للصلاة وتلبسني أجمل الثياب وتقول لي: «روحي مع أبوكي حبيبك»، وهو كان لا يدخلني المسجد وانما يذهب إلى الصائغ ويجلسني على كرسي ويقول له: فصل لها حلق أو خاتم وعندما يخرج من الصلاة يعود ليأخذني للبيت. هواية الذهب وتضيف مريم فخر الدين والدي حببني في الذهب منذ طفولتي فكان عندي صيغة كاملة خاتم، وحلق، و أساور، وغوايش وكنت أثناء جلوسي عند الصائغ أشاهد النساء اللاتي يحضرن للشراء و البيع، و اسمع إحداهن تقول: «أنا ابني أصبح ضابطا من «الغوا يش» التي في يدي وكان عمري وقتها 6 أو 7 سنوات فاعرف أن «الغوا يش» لها قيمة وتربي «العيال» واسمع أخرى تقول : أنا اشتريت هذه «الغويشة» بـ 30 قرش وبعتها بـ 3جنيهات فأعرف أن سعر الذهب يزيد والإنسان يكسب منه فأحببت الذهب 0 ومن وقت مبكر كنت احرص على شراء الذهب فلدي للان جنيهان عليهما صورة الملك فاروق كنت قد اشتريتهما بحوالي جنيهين ونصف وهما اليوم يساويان الالاف، والى الآن احتفظ بهما. وعندما ذهبت إلى لندن و أميركا اشتريت سيكوبيه لعيار الذهب لان شراءه كان هوايتي، وكل شيء في الدنيا يبدأ بالمصادفة حتى تصاحبه وتدرسه وتحبه. وتستطرد مريم فخر الدين في حديثها عن طفولتها فتقول: القاهرة كانت تعني لي و أنا طفلة باب اللوق و المدرسة الألماني التي ادرس بها، وسيدنا الحسين وخان الخليلي و الصاغة و الجيزة و القاهرة لم تكن مزدحمة كالان بل كانت جميلة جدا، وكنت أشاهد «العساكر» الإنجليز في كل مكان وكان والدي يتمنى اليوم الذين يخرجون فيه من مصر وكان هذا حلم كل مصري والحمدلله تحقق فيما بعد. القاهرة لم اعرفها كثيرا لاننا كنا نقضي ثلاث شهور في المجر وشهرين في الإسكندرية والباقي بالقاهرة ايام المدارس ونادرا ما نخرج للنزهة أو للعشاء خارج المنزل ويمكن المرة الوحيدة التي خرجنا فيها أدخلنا والدي سينما مترو لنشاهد فيلم «ذهب مع الريح» وكان عمري 12 سنة، وأخي يوسف 8سنوات و الذي نام فور دخولنا السينما، ورغم أن الفيلم كان طويلا كنت «مصحصحة» ومنتبهة لأحداثه وكل ما يحدث مكروه بالفيلم ابكي. وعندما عدت للمنزل كانت عيني متورمة من البكاء وعندما رأت وجهي ماما قالت لي: «لماذا بكيت ؟» قلت له: «علشان الناس اللي ماتت في الفيلم» فضحكت وقالت لي: «هذا كده وكده» يعني تمثيل اللي مات في هذا الفيلم «هيصحى» ويحب واحدة تاني في فيلم تاني ويتزوج ومن أجل هذا أحببت السينما. مشاغبات تلميذة وعن تعليمها تقول مريم: المدرسة الألماني أول و آخر مدرسة التحقت بها وحصلت منها على الافتيور ولم أكن مشاغبة أنما كنت مظلومة أضرب بذنب وبدون ذنب من المدرسة وماما، وكان لدينا مدرّسة اسمها «الماظية» كانت شديدة جدا، وتعاقبنا بقسوة وتفرض علينا التدبير المنزلي وأول ما تراني تقول لي «عاوزة تشتغلي اشتغلي مش عاوزة اطلعي بره» الشيء الوحيد هو انني كنت فضولية جدا وكان هذا الفضول يضعني في مشاكل كثيرة. فتاة مراهقة وعن مراهقتها تقول مريم: كان عمري 12 سنة وكنت مشاغبة جدا أرد على التليفون، وأقف في الشباك وألعب مع العيال في الحديقة ولما كبرت منع عني والدي كل ذلك بدون ذكر الاسباب ولو شاهدني ارد على التليفون او خرجت في البلكونة اتعرض للضرب. وفي صغري كنت أعمل شعري بضفيرتين واحدة للأمام والثانية للخلف، وأجلس في البلكونة ومعي كتاب اوهم الاخرين بأنني اذاكر بينما اقوم بهذه الحركة من أجل الأولاد الذين يخرجون من المدرسة بحيث إذا رأوني من الخلف يرون ضفيرة وإذا رأوني من وجهي يرون أخرى فيعرفون أن شعري طويل، كانت هذه مراهقة لم اعيها في وقتها وكنت اتعرض للضرب من الام والاب احيانا. العمة صفية لم تتأثر مريم الطفلة التي ستصير بعد ذلك من نجمات السينما بأحد في حياتها بمقدار ما تأثرت بعمتها الوحيدة لوالدها والتي كانت تدعي «صفية» وكانت اكبر من والدها في العمر، وتقول عنها مريم فخر الدين: أنا في الطفولة والصبا ولا أزال معجبة بعمتي «صفية » فهي لم تكن تعرف القراءة ولا الكتابة وكانت «طرشه» وأصيبت «بالطرش» بعد وفات زوجها وكان عمرها 19 سنة فأخذت تبكي عليه فترة طويلة وهي تلبس الاسود حتى اصبح عمرها 90 سنة، وهي المثل الأعلى لي وكانت تقيم بالعباسية فيما كنا نحن نقيم في الجيزة، وعندما تريد المجيء الينا كانت تركب أي أتوبيس تجده أمامها في العباسية وهي لا تعرف الى اين سيتجه بها واذا رزقها ربنا بشخص صوته جهوري جدا تعرف منه ان الباص الذي تركبه ليس المقصود فتنزل منه تركب أخر يذهب بها للزمالك فتنزل منه وتركب ثالث يذهب بها للجيزة وهكذا ظلت سنوات طويلة على هذا الحال وكانت طباخة وخياطة ماهرة، وبسبب حبي لعمتي عندما ماتت والدتي بعت الأثاث كله ما عدا «الكنبة» التي تنام عليها عمتي حتى لا تفتقدها، كما كتبت لها حلقات تلفزيونية حوالي 30 حلقة، وكنت أنوي إنتاجها أو بيعها ولكن لم أتفرغ لذلك وحينما أقرر إعادة قراءتها وتصحيحها وتضبيطها أنشغل بعمل جديد. وتلخص مريم فخر الدين قصتها مع العمة صفية قائلة: كانت امرأة نادرة أحبت زوجها بجنون وظلت بلا زواج بعده حتى توفت وعلمت أولادها أحسن تعليم وزوجتهم على الرغم من أنها أمية ولديها مرض «الطرش» أي فقدت سمعها وهو مرض اكتشفت فيما بعد انه وراثي فقد عانيت من نفس المرض بعدما تزوجت وصرت نجمة لكن الحمد لله بفضل إرادتي والتقنية الحديثة في العلاج شفيت منه. في الحلقة الثالثة من مذكرات مريم فخر الدين سوف نتناول بدايتها الفنية والمرحلة المهمة من حياتها حين انطلقت في الاربعينات من القرن الماضي وكيف توثقت العلاقة بينها وبين المطربة اللبنانية صباح.