الاثنين 9 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 10 فبراير 2003 مدينة السينما بابيلسبيرج في بوتسدام ـ برلين ـ احتفلت بتسعين سنة على إنشائها مع أواخر عام 2002 في مسيرتها تعكس تطور السينما الألمانية والأوروبية منذ السينما الصامتة حتى اليوم كما تعكس الظروف السياسية التي مرت بها ألمانيا. منذ أن تخطو أقدامك عبر بوابتها الحجرية فإنك تجد نفسك في التاريخ، ليس من خلال أفلامها وتطورها الجمالي والتقني منذ العام 1912، بل أيضا من خلال الأحداث السياسية المهمة في ألمانيا، التي أثرت في الإبداع المركزي الرئيسي للإنتاج السينمائي الألماني إيجابا أو سلبا. فقد عاشت مدينة السينما مسيرة 90 سنة وشهدت حربين عالميتين ونظما سياسية مختلفة تبدأ بالإمبراطورية القيصرية ـ مرورا وظهورية فايمار ـ ثم دكتاتورية النازية، ثم النظام الشيوعي في جمهورية المانيا الديمقراطية (أو الشرقية) وأخيرا توحيد الدولتين في 1989.تشكلت أسطورة بإبيلسبيرج خلال العقود الأولى للقرن العشرين، حيث عمل في ستوديوهاتها مخرجون سينمائيون كبار مثل فريوريش وليم مورتاو وفريتز لانج وأرنست لوبيتش وروبرت سيودمارك وماكس أوفولس هناك أنتجت وصورت أفلام أصبحت من كلاسيكيات السينما العالمية مثل«جوليم» لبول ـ فيجيز(1914) ومتروبوليس لفريتز لانج 1927 الذي شيد من أجله ديكور ضخم يجسد رؤيته لمدينة المستقبل بأغلى تكلفة في ذلك الوقت ـ ستة ملايين مارك ـ وهنا أخرج جوزيف فون سيترنبيرج فيلم الملاك الأزرق 1930 من أول الافلام الألمانية الناطقة والذي صنع شهرة النجمة مارلين ويتريش ومعها في بطولته الممثل الرائع إميل باننجز. ثم جاء النظام النازي أو الرايخ الثالث ويصبح الإنتاج السينمائي من أفلام الدعاية هو السائد في تلك الفترة الممتدة بين 1933، و1945، وقد صور خلالها حوالي ألف فيلم بينها أفلام كوميدية واستعراضية تتخذ من هوليوود نموذجا وفقدت بابيلسبيرج جزءا كبيرا من طاقتها الإبداعية، وحتى قبل تأميم الصناعة السينمائية عام 1937 فإن كثيرا من المخرجين والنجوم هجروا ألمانيا من بينهم فرتيز لانج وفريد رينينمان وبيلي وايلدر وبيتر لور ومارلين ويتريش.بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وتقسيم المانيا بين الاتحاد السوفيتي والحلفاء كان موقع الإستوديوهات في داخل منطقة الاحتلال السوفيتية، وكان لهذا اثره في نوعية الافلام التي أنتجت وتناولت التاريخ الألماني الحديث بوجهة نظر تدين عهد النازية مثل فيلم «القتلة بيننا» إخراج ولفجانج شتاودتي، ثم وتحكمت بابلسبيرج مؤسسة دنيا ءئ منذ 1946 التي اصبحت مركز الإنتاج السينمائي في جمهورية ألمانيا الديمقراطية (الشيوعية) وأنتج أكثر من 700 فيلما من بينها 150 فيلما للأطفال كما صور أكثر من 600 فيلم لتلفزيون ألمانيا الشرقية، وأدت سيطرة الدولة على الإنتاج السينمائي إلى منع بعض الافلام. تعرضت بعض الأفلام لنقد النظام بصورة أو أخرى في الستينات مثل فيلم «دليل الحجارة» لفرانك باير «وأنا الأرنب» لكورت مايتزيج، ولم يسمح بعرضها في دور السينما الألمانية إلا بعد سقوط سور برلين.وبعد توحيد الالمانيتين 1990، قامت الحكومة الاتحادية بالإعلان عن بيع الأستوديوهات ضمن سياسة الخصخصة واشترتها شركة فرنسية، قامت بإعادة هيكلتها لتصبح قادرة على تقديم الخدمات في كل مراحل التصوير والإنتاج وبدأ منذ ذلك الحين كبار المخرجين العالميين يعملون في بلبيسبيرج التي اجتذبت مشروعات الإنتاج الكبرى صور فيها المخرج الفرنسي جان جاك فيلم «ستا لنجراد» و «عدو على الابواب» 2000 وصور المخرج المجري إستفان زابو فيلمه الكبير «تحيز» 2001 وصور المخرج الأميركي البولندي الأصل رومان بولانسكي فيلم «عازف البيانو» 2001 وقد بدأ أكثر من مائة شركة إنتاج سينمائي وتليفزيوني عالمية عادت لتعمل في 16 استوديو مجهز وضمت بابلسبيرج مساحتها الواسعة 1119 فدانا شبكة إذاعة براند ينبورج ومعه استديوهات الفيلم والتليفزيون الذي أطلق عليه إسم المخرج الراحل كونراد فولف، وأصبح لشركة أستوديو بابيلسيبرج للسينما شعار جديد مستقى من فيلم «متر دبو ليس» القديم لفرتيز لانج، كعلاقة دالة على التواصل بين الماضي والمستقبل.تتابع الباحثة سابين في دراسة صدرت مؤخرا عن تاريخ الاستوديو منذ عام 1911 حينما حصل مدير التصوير والمدير الفني لشركة بييو سكوب جديدو زير، على قطعة أرض لتشييد ستوديو يلبي احتياجات الإنتاج السينمائي كان من شروطه أن توفر ضوءاً كافياً للتصوير وان يكون قريبا من مدينة كبيرة ويتيح إمكانية التصوير في فضاء متسع كانت هذه هي البداية قرب بابيلسبيرج وكان الإنتاج الأول الذي تم بسرعة فيلم «رقصة الموت» كبداية لسلسة من ثمانية أجزاء تقوم ببطولتها الممثلة المشهورة، القادمة من الدنمرك، أستا نيلسين، ونجاح هذه السلسلة دعا إلى إتساع المكان وتزويد الأستوديو بإمكانيات التحميض والطبع وانتعشت بابيسبيرج وأنتجت أفلام دراما وكوميديا وقدمت ممثلي المسرح المعروفين الذين كانوا يعملون في مسرح ماكس ـ إنهاردت، وحقق هؤلاء أفلاما نالت نجاحا عالميا. ساعد منع استيراد الافلام الأجنبية خلال الحرب العالمية الأولى على تأسيس شركات إنتاج ألمانية عديدة إندمج أكثرها في شركة باسم أوفا عام 1917، وتحت إدارة إريك بومير بين 1927، و1925، قدمت «أوفا عددا من الكلاسيكيات مثل» دكتور مايوزي «1927 دينبلونجين لفرتيز لانج 1922 والشبح لمورناو 1927 والرجل الأخير 1924 وبدأ عهد الفيلم الناطق في بابيلسبيرج عام 1929 كان أول فيلم ألماني ناطق هو «أغنية القلب» وحققت الأفلام الغنائية التي من لغات مختلفة نجاحا عالميا وأخرج جوزيف فون ـ ستنبرنبيرج فيلم» الملاك الأزرق باللغتين الألمانية والفرنسية ومع النازية بدأ التدخل السياسي حيث حضر أدولف هتلر بنفسه العرض الأول لفيلم «الفجر» جويلز وزير الدعاية أدت قيود النازية إلى هجرة كثير من السينمائيين ليس اليهود وحدهم إلى هوليوود ومنهم بيلي دايلدر ومارلين ديتريش. وبدأت مراحل الفيلم الناطق في بابسلبيرج عام 1929 مع تشييد مبنى جديد للصوت وكان أول فيلم ألماني ناطق هو «أغنية القلب» ودبلج الفيلم إلى لغات أجنبية عديدة مثل الإنجليزية والفرنسية والمجرية وحقق نجاحا عالميا كبيرا، وحتى عام 1937 كان ثلث الأفلام الألمانية يدبلج إلى لغات أجنبية،ومع الصوت تطورت تقنيات التصوير وفي عام 1933 مع وصول النازية للحكم انتجت أفلام للدعاية مثل شباب هتلر وقامت المخرجة ليني ريفينستال بإخراج فيلمين تسجيليين طويلين وتبلغ الأيديولوجية النازية و «هذه المخرجة مازالت على قيد الحياة» تبلغ من العمر مائة سنة، حاول البعض إدانتها ومحاكمتها ولكنها بررت موقفها بأنها كانت تنفذ تعاليم النازية، وأدت سياسة النازي إلى جانب الدعاية إلى أبعاد الشعب عن التفكير في واقع حياته بأفلام الترفيه، أو بأفلام خيالية للشباب أو موسيقية كوميدية أو بوليسية مثل شرلوك هولمز وإستمرت بابيسلبيرج تعمل حتى هزيمة ألمانيا 1945، وحلت محلها منذ مايو 1946 شركة ديفا، وقد رحب المسئولون في جمهورية ألمانيا الشرقية بمخرجي وممثلي ألمانيا الغربية ولكن مع إقامة سور برلين الفاصل عام 1917 أصبح مستحيلا حضور فناني الغرب، وسيطرت سياسة التضيق والتزمت، والمنع، وبعد مؤتمر الحزب الشيوعي الحاكم 1965 منع عرض إثني عشر فيلما، ودعا الزعيم والتر أو لبريشت إلى تصوير الفيلم للصراع الاجتماعي وانتصار الشعب وخيباته وظلت كلماته فارغة بلا معنى، ورغم التطبيق الإيديولوجي خرجت أفلام مختلفة تحاول أن تعكس مشاكل الواقع مثل«السماء المنقسمة» 1964 و «سولوساني» 1980 وأسطورة بول وباولا 1974. بعد 1997 في ظل المانيا الموحدة جاءت أسماء لامعة إلى بابسلبيرج مثل فيم فيندرز، والمخرجتان هلجا ساندرز، برامز ومرجريت فون تردتا وكلادس ماريا براندا أوير في عام 1992 أصبح المخرج الألماني فولكر شلندورف أول مدير للأستوديوهات المخصخصة، وفتح أبوابها للسينمائيين من الغرب والشرق، للعمل في أكبر ستوديوهات في أوروبا للسينما والتليفزيون بكل الإمكانيات التقنية والفنية والديكور والأزياء والدبلجة وإغراهم المسئول الجديد بالأمن التي تتمتع به ألمانيا وبأسعارها الأقل من لندن وروما، وكذا بالإنتاج المشترك، ومن الأفلام الجديدة التي تم إنتاجها وتصويرها بابلسبيرج «نساء شارع الزهور» لمرجريت فون تروتا، «وشارع برلين» لديتليف باك، وجاءت أهم منتجة سينمائية في ألمانيا ريجينا زيجلر، لتصوير مسلسلين للتليفزيون عن الأيام الأخيرة للمستشار ديلي براندت بعنوان «في ظل السلطة، صاحب الاحتفال بمرور 90 سنة على تأسيس بابلسبيرج ترميم الفيلم الكلاسيكي القديم «متروبوليس» الذي يعود إلى العام 1927 وعرضه في نسخة مجددة تقارن بإبلسبيرج الألمانية بمدينة السينما سيتي سينيشينا في روما ويبدو أنها تعاني مشاكل وهي التي صورت فيها أهم أعمال فلليني ودوسيكا، وبهوليوود في أمريكا. القاهرة ـ فوزي سليمان :